أسرار فتوح (محمد نور بابه علي)             

 

من الواجب أن نفهم أن كل فضيلة نص عليها القرآن الكريم ، وذكرها حضرة الرسول الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم في حق سيدنا ومولانا الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه تختلف في ذاتها ومضمونها وخصوصيتها وقدرها وأسرارها عن الفضائل التي ذكرها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في بقية الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم ، ذاك لأن الإمام علي هو الوارث الأوحد لجميع فضائل وخصوصيات حضرة الرسول الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم ، وأن فضائله عند أهل الحقيقة هي ليست فضائل وحسب ، وإنما هي أسرار ومفاتيح للأنوار والبركات والخيرات والرحمات ؛ لأنه المؤدي والمبلغ لهذا الدين العظيم عن رسول الله عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم ، فتنطبق عليه جميع المسميات والأوصاف التي ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم على الذات المحمدية ، مثل قوله تعالى ( وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) وقوله تعالى ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ) وبهذا نكون قد جزمنا بتميّز فضائله وخصائصه عن الجميع ، وسنستعرض بعض الآيات التي يشهد الله تعالى له فيها ، ثم نستعرض بعض الأحاديث الشريفة من السنة النبوية المطهرة التي شهد له فيها نبينا الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم ، وسنأتي إلى ذلك بالتفصيل لبعض فضائله والأبواب التي تفتحها لوارثيه من بعده .
أولاً : مما قاله الله تعالى فيه ( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) قال الآلوسي صاحب تفسير روح المعاني في تفسير القران العظيم والسبع المثاني : قال محمد بن الحنفية والباقر : المراد ب( مَنْ ) هو علي بن أبي طالب .
ومن أعرف برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ؟ وهذا المدح والثناء من الله تعالى يفتح الباب لوراثه بأن يكون عندهم علم الكتاب الذي هو علم ما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة ، كما فتح الله تعالى بفضل نبينا باب المعراج الروحي لكل من يصل إلى مقام ودرجة العبدية ، حيث ذكره الله تعالى في سورة الإسراء بلفظ العبد ، فقال ( سبحان الذي أسرى بعبده ) ولم يقل بنبيه أو برسوله .
وقال الله تعالى ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) وأجمع المفسِّرون علىٰ أنَّ المقصود من ( أَنفُسَنَا ) هو علي ابن أبي طالب أتى به سيدنا محمّد صلّى الله تعالى عليه وسلّم عن نفسه ، وهذا الباب يفتح لوارثيه الفناء في بوتقة حقيقته المحمدية ولولا هذا الباب لما استطاع احد يفنى برسول الله من خلال شيخه الوارث المحمدي .
وقال الله تعالى ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) وهذا باب عظيم نوراني يتحصل منه غفران الذنوب التي هي أدناس وأرجاس الخلق من الجن والإنس ، والجدير بالذكر أنه ذكر لفظة (الرجس) مع لفظة (أهل البيت) لتدل دلالة واضحة على طهارة كل رجس بمجرد التقرب من أهل البيت ، والذين عميدهم الإمام علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه ، وحينما جلَّلهم رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم بكسائه وغشَّاهم به ، أخرج يديه المباركتين فألوىٰ بهما إلىٰ السماء ، ثُمَّ قال « اللَّهمَّ هؤلاء أهل بيتي وخاصَّتي ، فأذهب عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيراً » ليقول إنني وهم واحد في تطهير الذنوب .
وقال الله تعالى ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) وأن هذه « الصلاة » من الواجبات في حال التشهّد ؛ لما ثبت بالتواتر حينما سألوا الرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم : كيف نصلِّي عليك يا رسول الله ؟ فقال « قولوا : اللَّهمَّ صلِّ علىٰ محمّدٍ وعلى آل محمّدٍ ، كما صلَّيت علىٰ إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، وبارك علىٰ محمّدٍ وعلى آل محمّدٍ كما باركت علىٰ إبراهيم وعلى آل إبراهيم » وهذا الباب النوراني يفتح لآل سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم من التشريف أضعاف أضعاف ما للأنبياء والمرسلين ، فكما أن سيدنا إبراهيم عليه السلام أبو الأنبياء ، فسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام أبو الآل ، وأن نورهم ذاتي من نور سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ، غير أن نبوة التشريع ختمت بسيدنا محمد ، ولكن فتح لهم باب نبوة الولاية ، فالمقارنة في كلمة ( كما ) ليس بين سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وسيدنا إبراهيم – كما هو معروف ومشهور عند الكثير – لأن سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام لا يقاس بأحد من العالمين ، وأن كل الأنبياء والمرسلين هم من فضلة نوره الشريف ، وليست ( الكاف ) هنا للتشبيه ، وإنما للتعليل والسبب ، كقوله تعالى ( رَبِّ ارحمْهُما كما رَبّياني صغيرا ) أي ربي ارحمهما بسبب أنهما كانا سبب وجودي المادي وتربيتي وتغذيتي ، وبذلك نعلم أن المقارنة هنا إنما هي بين آل سيدنا محمد وبين سيدنا إبراهيم وآله من الأنبياء والمرسلين ، فيكون المعنى : أي يا رب بسبب أنك مننت على إبراهيم وآله وشرفتهم بالنبوة والرسالة ، فامنن على آل سيدنا محمد بهذا العطاء والفضل وبارك لهم فيه ، وكما ورد في الحديث الشريف في حق الإمام علي حين خلفه في غزوة تبوك ، وقال تسلية له ( أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ) .
وقال الله تعالى عن الإمام عليٌّ كرم الله وجهه يوم تخلَّف وقت الهجرة ليبيت في فراش رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم ويصرف الأعداء عنه ، ويؤدِّي الأمانات إلىٰ أهلها ، حتّىٰ تكتمل الرسالة الإسلامية المحمَّدية ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ) فكان هذا الباب لوراثه في حفظ الدين إلى يوم القيامة ، فبهم يحفظ الله الدين والدنيا معاً ، كما ورد في الحديث الصحيح ( النجوم أمان لأهل السماء ، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض ، فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يكرهون ، وإذا ذهب أهل بيتي أتى أهل الأرض ما يكرهون ) ومشايخ التصوف تكلموا كثيراً في هذا الباب ، ونورد هنا بعض النصوص لما قالوا :
– يقول أبو طالب المكي في كتابه (قوت القلوب) نقلا عن الإمام علي كرم الله وجهه أنه قال :
( لا تخلو الأرض من قائم لله تعالى بحجة ، إمّا ظاهر مكشوف ، وإمّا خائف مقهور ؛ لئلا تبطل حجج الله تعالى وبيّناته ) .
– ويقول الحكيم الترمذي ، وأحمد زرّوق ( لا تخلو الدنيا في هذه الأمة من قائم بالحجة ) . – ويقول عبد الرحمن السلمي في مقدمة طبقاته ( وأتْبَعَ (الله) الأنبياء عليهم السلام بالأولياء ، يخلفونهم في سننهم ، ويحملون أمتهم على طريقتهم وسمتهم ، فلم يخل وقتاً من الأوقات من داع إليه بحق ، أو دال عليه ببيان وبرهان ) وجعلهم طبقات في كل زمان ، ( فالوليّ يخلف الوليّ … فعلم صلى الله تعالى عليه وسلم أن آخر أمته لا يخلو من أولياء وبدلاء ، يبيّنون لأمته ظواهر شرائعه وبواطن حقائقه ) .
– ويقول ابن عربي ( لا يخلو زمان عن كامل ) .
– وقال علاء الدولة السمناني ( ولا بدّ في كل حين من مرشد يرشد الخلق إلى الحق ، خلافة عن النبي المحق ، ولابدّ للمرشد من التأييد الإلهي ، ليمكن له تسخير المسترشدين ، وإفادة المستفيدين ، وتعليم المتعلمين … وهو العالم ، الوليّ ، الشيخ ، وإلى هذا أشار النبي عليه الصلاة والسلام حيث قال : الشيخ في قومه كالنبي في أمته… ولا يكون قطب الإرشاد في كل زمان من الأزمان إلا واحد يكون قلبه على قلب المصطفى صاحب الوراثة الكاملة ) .
– وقال صاحب (الجمهرة) ( قد صحت الروايات والنصوص المؤكدة الثابتة بالكتاب والسنة على أن الأرض لا تخلو من قائم لله بحجة ، ومن عارف بالحقيقة الكامنة خلف الظواهر ، ومن مميّز بين اللباب والقشور ، وعابد لله على الوجه الصحيح ، وسائر إلى الله على بصيرة صريحة ، وعقيدة وضاءة إلى أن تقوم الساعة ) .
– ويقول القسطلاني ( إن الله بحكمته ونعمته أقام في كل عصر من جعل له لساناً مُعبّراً عن عوارف المعارف الإلهية ، مخبراً عن لطائف العواطف الربانية ، يصل الله به ما انقطع من علوم الأنبياء ومعارف الأولياء ) .
– وقال لسان الدين بن الخطيب ( ولا بدّ عندهم أن يكون في العالم شخص واصل إليه في كل زمان ، وهو الخليفة المتلقي عن الله أسرار الموجودات ، أما ظاهرا فنبيّ ورسول أو باطنا فقطب ) .
– ويقول الشعراني نقلا عن شيخه عليّ الخواص أنه قال ( من نعم الله تعالى على عباده ، كونه تعالى لا يُخلي الأرض من قائم له بحجة في دينه ، رضية لولايته ، واختاره لمعاملته ، يبيّن به دلالاته ، يوضّح به طرقاته ، فطوبى لمن كان كذلك في هذا الزمان ) .
وقال الله تعالى عنه في سورة الدهر « الإنسان » في قصَّة التصدُّق علىٰ المسكين واليتيم والأسير ( فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا … إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا ) وهذا الباب يفتح لوراثه صرف أهوال يوم القيامة عن مريديهم ، المؤمنين بهم والمتبعين لهم بمجرد أكل طعامهم ، فطعامهم دواء وشفاء وغفران للذنوب والسيئات ودفع للمهمات وقضاء للحاجات ، فكم من مريض شُفي ، وكم من عاقر رُزق الولد حين أكل من طعامهم المبارك .
وقال الله تعالى ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ) ولمَّا تلىٰ رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم هذه الآية حين نزلت ، قيل له : أيّ بيوتٍ هذه ؟! قال : « بيوت الأنبياء » ثُمَّ قيل له : هذا البيت منها ـ إشارة إلىٰ بيت عليٍّ وفاطمة عليهما السلام ـ فقال صلّى الله تعالى عليه وسلّم : « نعم ، من أفاضلها » وهذا الباب يفتح لوارثي النور النبوي شرف بيوتهم وبركتها ؛ لجمعها الذاكرين لله تعالى والعابدين والركع السجود ، كما ورد في الحديث الشريف ( إن أهل السماء ليرون بيوت أهل الذكر تضيء لهم كما يضيء الكوكب لأهل الأرض ) .
وقال الله تعالى ( وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ) حتّىٰ أنَّ ابن عبد الله مسعود رضي الله عنه كان يقرأ الآية ( وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ بعليٍّ بن أبي طالب ) وهذا الباب يفتح لمن يرثه كفاية المؤمنين من كل ما يدهمهم من الآفات والمُدلهمّات بقوة سرهم وعلو همتهم واستجابة دعائهم وكرامتهم على الله تعالى ، فقد قيل ( من قتل بسره فكأنه قتل بدعائه ، ومن قتل بدعائه فكأنه قتل بسيفه ) .
وقال الله تعالى ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ) وذلك عندما تفاخر « العبَّاس وطلحة » بالسقاية وسدانة الكعبة ، وهذا الباب الروحي العزيز يفتح لوارثيه كرم الله وجهه جميع الفضائل والمكرمات والمقامات التي لا يصلها أحد بعمله مهما بلغ وبالغ في العمل الصالح ، فهم الفائزون على غيرهم بالسبق الإلهي والإختيار الرباني للصدارة على الناس أجمعين .
ثانيا ً : مما شهد له حضرة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم بشهادات تفتح له ولمن يرثه أبواباً للفضل والرحمة ، فقال عليه الصلاة والسلام ( عليٌّ منّي وأنا من علي ، ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي ) وهذا الباب يفتح للورثة النبوية انتقال النور فيهم ومنهم ورجوعه إلى الأصل ، ولأنهم حملة الدين فإنهم هم المخولون الحقيقيون في التبليغ عن الرسول قولا وفعلا وحالا .
وقال عليه الصلاة والسلام ( أنا مدينة العلم وعلي بابها ، فمن أراد المدينة ، فليأت الباب ) قال الحاكم النيسابوري هذا حديث صحيح 3/126، وقال السّيوطي : كنتُ أجيب دهراً عن هذا الحديث بأنَّه حسن إلى أن وقفت على تصحيح ابن جرير لحديث علي في تهذيب الآثار مع تصحيح الحاكم لحديث ابن عباس ، فاستخرتُ الله تعالى ، وجزمتُ بارتقاء الحديث من مرتبة الحسن إلى مرتبة الصحيح . وهذا الباب يفتح لوارثيه في أن يكونوا باباً لنور رسول الله الذي هو رحمة للعالمين ، ومن لم يأت من الباب يرده الله عزوجل على عقبيه .
وقال صلى الله تعالى عليه وسلم – وهو آخذ بضبع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه – ( هذا أمير البررة قاتل الفجرة منصورٌ مَن نصرَهُ، مخذولٌ مَن خذلهُ ) مدَّ بها صوته . قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد، ج3/129. وهذا الباب يفتح للورثة النبوية إمارتهم للمؤمنين وقهرهم للكافرين ، وأنهم منصورين من الله تعالى ، ومنصورٌ كل من ينصرهم ، وأنه يخيب كل من أراد خذلانهم والتطاول عليهم ، لقوله تعالى ( هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ) .
وقال عليه الصلاة والسلام ( أنا سيّد وُلد آدم ، وعليّ سيّد العرب ) قال الحاكم في المستدرك على الصحيحين ، هذا الحديث صحيح الإسناد، ج3/124. وهذا الباب يفتح لوارثيه السيادة المحمدية انتساباً ، ولو لم يكونوا سادة في النسب ، كما قال سيدنا الشيخ معروف الكرخي قدس سره لرجل يرجع نسبه إلى أهل البيت ، حين سأله عن سبب إجلال الناس للشيخ معروف واستياء الناس منه ، فقال له الشيخ ( أنا لما أطعت الله صار جدك جدي ، وأنت لما عصيت الله صار جدي جدك ) وأن الإمام علي الرضا عليه السلام قال في حق الشيخ معروف الكرخي قدس سره ( إنه منّا آل البيت ، حباً وخلقاً ، لا عِرقاً ونَسَباً ، ولقد ألحقناه بنا إعزازاً وتكريماً ، كما ألحق جدنا محمد صلى الله عليه وسلم سلمان الفارسي بنا ، يوم أن خرج مهاجراً لله ينشد الحق ، ويبغي الهدى مضحياً بكل شيء في سبيل عقيدته وإيمانه .
وقال عليه الصلاة والسلام ( لًمُبارزة علي ابن أبي طالب لعَمْرو بن ود يوم الخندق أفضل من أعمال أمتي إلى يوم القيامة ) رواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ج13/19، وذكره الفخر الرازي في التفسير الكبير في ذيل تفسير سورة القدر . وهذا الباب يفتح لوارثي النبوة تضاعف أجور أعمالهم الجليلة بأضعاف كثيرة على غيرهم ، وأن أجر عمل واحد لهم لا يلحق به جميع الأمة ، لو اجتمعوا على صعيد واحد .
وقال عليه الصلاة والسلام ( رحمَ اللهُ عليًّا ، اللهم أدِرِ الحقّ معه حيثُ دار ) وقال ( عليٌّ مع الحقّ ، والحقّ مع عليّ ، ولن يفترقا حتَّى يَرِدا عليَّ الحَوض يوم القيامة ) وقال ( عليٌّ مع القرآن ، والقرآن مع عليّ ، لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض ) رواه الحاكم وقال هذا حديث صحيحٌ على شرط مُسلم، ج3/124. وهذا الباب يفتح لوراث النبوة العصمة والحفظ عن الباطل ، وأنهم على الحق حيثما يدورون في كل أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم ، بحيث لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم ، كما هو شأن القرآن العظيم .
وقال عليه الصلاة والسلام ( من آذى عليًا فقد آذاني ) وقال ( من فارقني فقد فارق الله ، ومن فارقك فقد فارقني ) قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ج3/122. وذكره ابن حجر في الإصابة وقال أخرجه أحمد والبخاري في تاريخه وابن حبان في صحيحه وابن مندة ج4 قسم1/304. وهذا الباب يفتح للورثة من بعده أن أذاهم هو عين أذى الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ؛ فقد ظهروا في مظهر نور النبوة والرسالة المحمدية ، فما يمسهم إنما يمس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالأصالة ، حين تطابقت أخلاقهم وأوصافهم أخلاق وأوصاف رسول الله عليه الصلاة والسلام ، وبالتالي فإن مفارقة أحد لهم هي مفارقة للرسول ودينه .
وروى الترمذي في صحيحه بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه ، فجاء علي تدمع عيناه ، فقال : يا رسول الله آخيتَ بين أصحابك ، ولم تُؤاخِ بيني وبين أحد ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أما ترضى يا علي أن أكونَ أخاك ؟ أنت أخي في الدنيا والآخرة ) وهذا الباب يفتح لوارثيه الأخوة المحمدية الحقة ، والتي قال النبي عليه الصلاة والسلام فيها ( وددتُ أنِّي لقيتُ إخواني ، فقالَ أصحابُ النَّبيِّ – صلَّى اللَّه عليه وسلَّم – أوليسَ نحنُ إخوانَكَ ؟ قالَ : بل أنتُم أصحابي ، ولكنْ إخواني الَّذينَ آمَنوا بي ولم يرَوني ) .
قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لعلي كرم الله وجهه ( أنت تبيِّن لأمتي ما اختلفوا فيه بعدي ) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين . وهذا الباب يفتح لورثته الكرام علم ما يستنبطون به لحل كل معضلة ومشكلة في العالم وتبيانها للناس ، قال الله تعالى في سورة النحل ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) فهم الحل الشرعي والأكيد ، وبيدهم الحل لكل مشكل من مشاكل الأمور ظاهرها وبواطنها ، وأن في وجودهم وجوب الرجوع إليهم في كل مختلف فيه ، كما قال الله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا ) .
قال النبي عليه الصلاة والسلام ( النَّظر إلى وجه عليّ عبادة ) قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد 3/141، ورواه أيضاً بسندين عن ابن مسعود ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج9/119، وقال رواه الطبراني . وهذا الباب يفتح لمن يرثه التزكية القلبية بمجرد أن ينظر إليهم الناظر ؛ لأنه ينظر إلى تجلٍّ من تجليات الله سبحانه وتعالى ، كما هو حال النظر إلى القرآن ، والنظر إلى الكعبة ، والنظر إلى الوالدين ، والنظر في كتاب الله ، ولو دقّقنا ونظرنا بعمق إلى الأحاديث الواردة في هذا الباب لوجدناها تحمل حقيقة واحدة ، حيث أن القرآن والعترة شئ واحد ، وهذا مثبوت في الصحيح من كلام النبي عليه الصلاة والسلام ( إني تارك فيكم الثقلين ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي…) ، ومن المعلوم أن من ينظر إلى صورة شيطانية بنظرة نفس وهوى فإنها تحرك فيه الشهوة النفسية وتدعوه إلى الانسياق إليها ، أما من ينظر إلى صورة ربانية بنظرة روح فإنها تحرك فيه الإقبال على الله تعالى والزيادة في العبادة .
وزيادة في الإفادة حَريٌّ بنا أن نذكر ما قاله عنه الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم والأعلام في حقه من المآثر : ورد عن الإمام جعفر بن الإمام محمد عن أبيه عليهم السلام ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال عمر بن الخطاب : كانت في أصحاب محمد ثماني عشرة سابقة ، خُصَّ منها علي بن أبي طالب بثلاث عشرة ، وشارَكَنا في الخمس . المناقب، الموفق الخوارزمي، ص331، ح352 .
ولقد أجاد الإمام أحمد ابن حنبل حين أفاد أنه : ما جاء لأحد من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب ، المستدرك ج3/107.
وقال ابن عبد البر في الاستيعاب : قال أحمد بن حنبل وإسماعيل بن إسحاق القاضي : لم يُرْوَ في فضائل أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان ما رُويَ في فضائل علي بن أبي طالب . النسائي، ج2/266.
وفي كتاب الصواعق المحرقة لابن حجر العسقلاني أنَّه أخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال : ما نزل في أحد من كتاب الله تعالى ما نزل في علي ، ويقول أيضاً : نزل في علي ثلاثمائة آية . ذكر ذلك الشبلنجي في نور الأبصار 73، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ج6/221.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال ( ما أنزل الله تعالى آية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} ، إلا وعلي رأسها وأميرها ) المناقب لابن مردويه، ص219، والمناقب للموفق الخوارزمي، ص267، والدر المنثور للسيوطي، ج1، ص104، وفيض القدير شرح الجامع الصغير، للمناوي، ج3، ص60، وكنز العمال، ج11، ص604 .

بقلم : مشتاق هيلان

أضف تعليقاً

Follow by Email
YouTube
YouTube