مصطلح التكية عند الكسنزان والمراحل التاريخية لظهور المصطلحات المرادفة له

تعلق بهذه العبارة ( بيوت الذكر ) عدة ألفاظ دالة على معناها شكلاً ومضموناً عبر التأريخ الإسلامي ، كالزاوية ، والرباط ، والخانقاه وآخرها ( التكية ) ، بل أنها قبل نزول ذكرها في القرآن الكريم قد تعلق بها مصطلح ( صفة المسجد ) ، وفيما يأتي نستعرض تلك الألفاظ وأهم ما تشير إليه  .

صفّة المسجد
لقد كان الاسم الأول لبيوت الذكر قبل نزول الآية الكريمة هو الصفة وسمّوا أهلها بأهل الصفة نسبة إلى زاوية كانت مبنية في المسجد من جذوع النخيل وسعفه ، أشبه بكوخ أوبيت صيفي ، فسميت صفّة المسجد نسبة لذلك ، وكان يقيم في هذه الصفة جماعة من الصحابة المؤمنين الصادقين الذين زهدوا في الدنيا والتزموا العبادة في هذا البيت ، فنـزل فيهم قوله تعالى : ( واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذينَ يَدْعونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ والْعَشِيِّ يُريدونَ وَجْهَهُ)(1) فكانت صفة المسجد أول بيت يراد به وجه الله تعالى ومنها ظهر في الإسلام بيوت المريدين ولقد كانوا يسمون أيضاً بأهل الزاوية نسبة إلى أن الصفة كانت في زاوية المسجد .

الرباط
أطلق لفظ ( الرباط ) بادئ الأمر على نوع من الثكنات العسكرية التي تبنى على الحدود الإسلامية ، والمرابطون فيها رابطوا ليدافعوا عن الإسلام بسيوفهم . وكانت الرباطات منتشرة في العصر الأموي والعباسي تبنى لتفصل بين ديار الإسلام وديار الحرب .
إلا أن الرباطات تغيرت وظيفتها الحربية نتيجة للتحولات الاجتماعية وما أفرزته حالة الاستقرار والانقطاع عن الغزو والحروب منذ أواسط القرن الرابع الهجري فكان المرابطون فيها ينصرفون إلى قراءة القرآن وعلوم الدين ، ثم أصبحت بيوتاً للصوفية ، ومنازل يسكنها عدد غير يسير للتعبد والدرس ومجاهدة النفس وتوقي ما يفسد الأعمال ، وتوخي ما يصحح الأحوال ويعود بالبركة على البلاد والعباد ، وقطع المعاملة مع الخلق ، واعتماد المعاملة مع الحق .
والرباط في مفهوم أواصطلاحات طريقتنا الكسنـزانية : هو مكان ربط روح المريد بروح أستاذه وشيخه العارف بالله تعالى ، ومنه يرتبط عبر سلسلة مشايخ الطريقة (قدس الله أسرارهم العزيزة) وصولاً إلى النور الأعظم سيد الكائنات محمد كي يسير المريد على وفق المنهج الروحي للطريق الذي سار به قاطعاً عقباته ، وليتدرج في سلم قناطر الطريقة .

الزاوية
الزاوية : هي كالرباط والخانقاه إلا إنها أصغر في الغالب ، وأكثر ما تكون في الصحارى ، والأمكنة الخالية من السكان ، وربما أطلقت على مكان معين في مسجد من المساجد الكبرى التي تقام فيها حلقات العلم . وللزاوية في المغرب الإسلامي مدلول أوسع مما تعنيه في المشرق الإسلامي بوصفها بيوتاً يؤدي فيها الزهاد والعباد عباداتهم وأذكارهم .
والزاوية في اصطلاحاتنا : هي مكان تجلي النظر الإلهي بعين الرحمة على سكانها المريدين السالكين طريق الحق . ومن خلالها ترتبط أرواح أهلها بأرواح الملأ الأعلى لأنهم متفقون على قصد واحد وعزم واحد ، وأحوال متناسبة .
وهي تعني أيضاً : المرآة الروحية التي تتجلى عليها الدنيا وما حوت والآخرة وما حوت .

الخانقاه
الخانقاه : كلمة فارسية الأصل من الخان وهو البيت ، وقيل في معناها : ( بيت الدرويش والصوفية والفقراء ) .
والخوانق شبيهه بالربط ولكن هذه شاعت في بلاد الفرس والشام ومصر في القرن الرابع الهجري ، وخصت بأهل التصوف ، ينصرفون فيها للعبادة ، وكانت تبنى في الغالب في المدن والحواضر على نمط المساجد إلا أن فيها غرفاً للفقراء والصوفية وبيتاً للقيام بأذكارهم وأورادهم .


الهوامش :
[1] الكهف : 28 .


المصدر :
السيد الشيخ محمد الكسنزان – موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه اهل التصوف والعرفان – ج4 مادة ( ت ك ي ة ) .

أضف تعليقاً

Follow by Email
YouTube
YouTube