فعاليات الدروشة بين الباراسيكولوجيا والطقوس الوثنية

الباراسيكولوجيا حسب تعريف الباراسيكولوجي وعالم النفس المعروف( جون بالمر ) : « هو الدراسة العلمية لظواهر معينة ( تبدو ) خارقة أو( يحتمل ) أن تكون خارقة »(1) .


فالظواهر الباراسيكولوجية من وجهة نظر العلماء قيد الدراسة والتجربة ، وهي لم يقطع  بثبوتها لأنه لم يكن هنالك بين النظريات التي جاءت بها العلوم المختلفة لتفسير ظواهر الطبيعة نظرية مؤهلة لتفسير الظواهر فوق الطبيعية . ومن أمثلة الظواهر الباراسيكولوجية :

التحريك الخارق
ويطلق على ظاهرة تحريك أجسام من دون لمسها بشكل مباشر باليد ، أو بأحد أجزاء الجسم الأخرى ، ولا باستخدام أي واسطة معروفة لنقل التأثير إلى الجسم ، كالاستعانة بآلة ما أو الهواء أو غيرها .

توارد الأفكار ( التخاطر )
تشير هذه الظاهرة إلى انتقال أفكار وصور عقلية بين كائنات حية من دون الاستعانة بأية حاسة من الحواس الخمس .

الإدراك المسبق
تعرف هذه الظاهرة بأنها القدرة على معرفة أحداث مستقبلية قبل وقوعها .

الاستشعار
هو اكتساب معلومات عن حادثة بعيدة أو جسم بعيد من غير تدخل أية حاسة من الحواس .

الاستجلاب
تشير هذه الظاهرة إلى قدرة بعض الناس على استجلاب أجسام من أماكن بعيدة وبسرعة عالية ومن دون استخدام أية وسيلة نقل مرئية .

التكوين
في هذه الظاهرة يعتقد أن المواد التي يظهرها فجأة أصحاب هذه القدرات لم تكن موجودة سابقاً والمفروض أنها قد شكلت في لحظة وقت ظهورها .


إن هذه الظواهر هي بالتأكيد ليست شاملة لكل ما يمكن أن يطلق عليه تعبير ( ظواهر الباراسيكولوجيا ) ، الا أن هذه الظواهر تمثل الأصناف الرئيسة لها .


وإذا انتقلنا إلى الطقوس الوثنية وجدنا أن بعض الفعاليات تظهر ضمن الممارسات السحرية والدينية للعديد من المجتمعات ، وبالذات تلك التي لم تتأثر عاداتها وتقاليدها كثيراً بالحضارات الغربية المعاصرة .
ففي رقصة الشمس التي يمارسها هنود أمريكا الشمالية يفرك قائد الرقصة نبات المريمية على صدر كل راقص من الذين أخذوا القسم على الاشتراك في الفعاليات .


بعد ذلك يقوم قائد الرقصة باستخدام مدية خاصة لهذا الطقس لصنع فتحات صغيرة ، غالباً من دون خروج دم ، في طبقة الجلد العليا لصدر كل واحد من الراقصين ، يغرس بعدها سيخاً أو اثنين في الفتحة التي صنعها في جلد المشارك .


ويصف العالم الفرنسي جيمس مكلينون ما يحدث خلال احتفال ديني سنوي في سري لانكا ، حيث يقوم المشاركون من الهندوس والبوذيين بإدخال أسياخ في خدودهم
وأيديهم ، فيما يقوم البعض الآخر بالتدلي من إطارات خشبية من كلابات مثبتة في
ظهورهم .


وفي سنغافورة هناك طقس دين وثني ينظمه صينيون من أتباع طوائف دينية معينة يقوم خلالها وسيط بإدخال أسياخ في خديه ورقبته . وفي الهند  يقوم  الوســـطاء  بضرب  أنفسهم  بســـيوف  من  غــير  أن  يشــعروا  بألم (2) .


إن هذه نماذج فقط من المجتمعات العديدة التي تمارس فعاليات قد تشابه في مظهرها فعاليات الدروشة وهي تعتمد أساساً على طقوس وثنية .


ونحن هنا لسنا في صدد إعطاء رأينا في هذه الظواهر أو تفسيرها سواء أكانت باراسيكولوجية أم وثنية ، وإنما في صدد بيان أهم الفروق بين كل ما يوصف من مظاهر خارقانية في الطبيعة أياً كانت تسميتها وبين فعاليات الدروشة في طريقتنا العلية القادرية الكسنـزانية .


إن الفروق بين فعاليات الدروشة وغيرها هي في الحقيقة فروق جوهرية أساسية ، إذ أنها عبارة عن قيود وتحديدات معينة لا يستطيع تجاوزها ممارسو هذه الظواهر من غير الدراويش .

ويمكن تلخيصها بالنقاط الآتية
أولاً : أكد معظم الباحثين أن ممارسات غير الدراويش إنما يقومون بها في ظروف معينة فقط ، وبعد أن يقوموا بطقوس تحضيرية خاصة تستغرق أحياناً وقتاً طويلاً .


وعلى سبيل المثال تشير العالمة النفسية ( كولين وارد ) إلى الفترة التحضيرية التي يتبعها أفراد من الهندوس قبل قيامهم بفعالياتهم ، وهي عادة ما تكون لمدة أسبوع واحد حيث يفرض ضبط صارم للنفس يلتزم التابع بنظام حمية ونمط للنوم ، ويصوم ويأكل وجبة واحدة من الخضروات في اليوم ، ويقلل ساعات النوم خلال الليل .
كما يجب عليه الامتناع عن التدخين وتناول الكحول والعلاقات الجنسية والفعاليات الاجتماعية ، وغيرها من التحضيرات .  فهذه نقطة اختلاف أساسية بين فعاليات هؤلاء ، وفعاليات مريدي الطريقة ، إذ على النقيض من هذا فإن القدرة على ممارسة الدرباشة فورية لدى مريدينا فبعد أن يحصل الدرويش على الإذن بممارسة فعاليات الدرباشة ، يصبح بإمكانه ممارستها متى شاء من غير أن يكون في حاجة إلى القيام بتحضيرات أو تمارين معينة .
إذ أن الاستمداد لا يستغرق سوى ثانية أو ثانيتين ، وغالباً ما يقوم به المريد بينما هو يجهز الأداة التي سيستعملها في الفعالية .


وكثيراً ما يحتاج المريد إلى القيام بفعاليات الدرباشة بشكل مفاجئ في أثناء الإرشاد حول الطريقة ، حين يطلب منه أحد الحضور برهاناً على القوة الروحية للطريقة .


ثانياً : إن معظم ممارسي هذه الفعاليات من غير المريدين يقومون بعروضهم في أيام معينة في السنة ، كأن يكون الاحتفال بمناسبات دينية خاصة ، فهم غير قادرين على إجرائها في أوقات أخرى .


وعلى العكس من ذلك يستطيع المريد الكسنـزاني أن يمارس فعاليات الدروشة في أي مكان ، داخل التكايا وخارجها ، فكون فعاليات الدروشة تمثل للمريد أحد الوسائل في الإرشاد إلى الطريقة ، وأن هذا الإرشاد واجب دائم في كل مكان ، فهذا يعني أن الكثير من  المريدين يمارسون هذه الفعاليات طوال أيام السنة ، وفي جميع أنحاء العالم .


ثالثاً : هناك فرق كبير بين معدل ممارسة هذه الفعاليات بين المريدين وغيرهم ، وهذا الفرق ذو دلالات مهمة جداً ، إذ بينما يتعرض جسم الآخر لإصابات قليلة وفي فترات متباعدة ، فإن جسم المريد يتلقى إصابات متلاحقة وبشكل يومي أو شبه يومي أحياناً في المواضع نفسها من جسمه . إن معدل التكرار العالي لهذه الفعاليات هو مظهر آخر من المظاهر الخارقة التي تتميز بها فعاليات المريدين .


إذ لا غنى عن القول أن هذه الفعاليات ليست من الممارسات التي يمكن للجسم أن يعتاد عليها ، أي انه في كل ممارسة يعرض جسمه للأخطار نفسها التي من الممكن في الظروف الاعتيادية أن يتعرض لها .
فلا يمكن لعضلات الصدر أن تعتاد على دخول سيخ فيها ، ولا لأعضاء الجهاز الهضمي أن تعتاد على هضم قطع زجاج وشفرات حلاقة .


رابعاً : إن معظم ممارسي هذه الفعاليات من غير المريدين يستخدمون منطقة واحدة من الجسم أو مناطق محددة من أجسامهم في فعالياتهم .


فمثلاً يستخدم هنود قبائل السهول في احتفال رقصة الشمس منطقة جلد الصدر ، بينما يركز الهندوس والبوذيون في سري لانكا على اللسان والخدين وجلد الظهر . أما دراويش الطريقة فإنهم يستخدمون أجزاء عديدة من أجسامهم عند ممارسة فعاليات الدروشة .


خامساً : أشار الباحثون إلى أن ممارسي هذه الفعاليات من غير المريدين لا يدخلون الأدوات الجارحة سوى في الطبقة الخارجية من الجلد ، بينما يدخل المريدون الأسياخ عميقاً في أجسامهم .
سادساً : بينما يجد الباحثون أن ممارسات الآخرين تتضمن وجود خبراء يقومون بإدخال الأدوات الحادة بعد تدريب طويل ، نجد أن المريدين لا يتلقون أي تدريب حول إدخال هذه الآلات بشكل معين في أجسامهم .
ويمكن القول أن أهم الفروق هو ان ظواهر فعاليات الدروشة ، فعاليات تنجح التكرارية فــيها بنســبة 100% ، أي أن هذه الخوارق باستطاعة أي شخص ( مريد أو غير مريد ) القيام بها متى شاء بعد طلب الرخصة من الشيخ ، وهذا بالتأكيد ما لم يثبت على أي ظاهرة خارقة في الطبيعة فهو تفوق لا حد له على الحوادث والقدرات الباراسيكولوجية والتي هي ظواهر ظرفية ، أي أن وقت ومكــان حدوثها لا يقع تــحت سيــطرة أحد (3) .  


الهوامش :
[1] انظر : جمال نصار ولؤي فتوحي – الباراسيكولوجيا بين المطرقة والسندان – ص 12 .
[2] انظر : جمال نصار ولؤي فتوحي – الباراسيكولوجيا بين المطرقة والسندان – ص 173 .
[3] جمال نصار ولؤي فتوحي – الباراسيكولوجيا بين المطرقة والسندان – ص 173-177 .


المصدر :
السيد الشيخ محمد الكسنزان -موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه اهل التصوف والعرفان – ج7 مادة (خ ر ق).

أضف تعليقاً

Follow by Email
YouTube
YouTube