شذرات من السيرة المحمدية – الحلقة الرابعة

إرسال الرسائل إلى الملوك والأمراء وعام الوفود

منذ أن عقد حضرة الرسول صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم صلح الحديبية مع قريش وما تلا ذلك من إخضاع يهود شمال الحجاز في خيبر ووادي القرى وتيماء وفدك إلى سيادة الإسلام ، فإن الرسول صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم لم يأل جهداً لنشر الإسلام خارج حدود الحجاز ، وكذلك خارج حدود الجزيرة العربية , وقد عبر صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم عن هذا المنهج قولاً وعملاً من خلال إرساله عدداً من الرسل والمبعوثين إلى أمراء الجزيرة العربية وإلى ملوك العالم المعاصر خارج الجزيرة العربية .

وتعد هذه الخطوة نقطة تحول هامة في تاريخ العرب والإسلام ليس لأن الرسول صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم سوف يوحد عرب الجزيرة العربية تحت راية الإسلام فحسب ، ولكن لأن هؤلاء العرب بعد أن اعتنقوا الإسلام وتمثلوا رسالة السماء أنيط بهم حمل الدعوة الإسلامية إلى البشرية كافة .

ويشير المنهج النبوي في دعوة الزعماء والملوك إلى ما يجب أن تكون عليه وسائل الدعوة ، فإلى جانب دعوة الأمراء والشعوب ، اختار الرسول صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم أسلوباً جديداً من أساليب الدعوة وهو مراسلة الملوك ورؤساء القبائل ، وكان لأسلوب إرسال الرسائل إلى الملوك والأمراء أثر بارز في دخول بعضهم الإسلام وإظهار الود من البعض الآخر ، كما كشفت هذه الرسائل مواقف بعض الملوك والأمراء من الدعوة الإسلامية ودولتها في المدينة ؛ وبذلك حققت هذه الرسائل نتائج كثيرة , واستطاعت الدولة الإسلامية من خلال ردود الفعل المختلفة تجاه الرسائل أن تنتهج نهجاً سياسيّاً وعسكريّاً واضحاً ومتميزاً .

ولما افتتح رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم مكة ، وفرغ من تبوك , وأسلمت ثقيف وبايعت , وضرب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم أمد أربعة أشهر لقبائل العرب المشركين لكي يقرروا مصيرهم بأنفسهم قبل أن تتخذ الدولة الإسلامية منهم موقفاً معيناً ، ضربت إليه وفود العرب آباط الإبل من كل وجه معلنة إيمانها وولاءها . فقد انساح هذا المد إلى أطراف الجزيرة العربية بل تجاوزها إلى ما وراء حدود الجزيرة العربية .

نماذج من شجاعة أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم

هذا عمير بن الحمام رضي الله عنه شاب كريم مبارك ، يسمع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم في غزوة بدر يقول :  قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض  إي ورب الكعبة يا شباب ! إنها جنة عرضها السماوات والأرض ! فقال عمير بن الحمام : جنة عرضها السماوات والأرض ! بخ بخ ! فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم :  ما يحملك على قولك بخ بخ يا عمير  ، فيقول عمير : لا والله يا رسول الله إلا أني أرجو الله أن أكون من أهلها ، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم :  أنت من أهلها  ، فأخرج عمير بن الحمام تمرات ليتقوى بهن على القتال ، فأكل تمرة ، ثم قال لنفسه : والله لئن حييت حتى آكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة ، ويلقي بالتمرات ويندفع في صفوف القتال فيستشهد ؛ لأنه صدق الله جل وعلا ، فصدقه الله تبارك وتعالى .

قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم قبل اندلاع معركة حنين : « من يحرسنا الليلة ؟ » فقال أنس بن أبي مرثد : أنا يا رسول الله ، قال صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم : « فاركب » فركب ابن أبي مرثد فرساً له ، وجاء إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم فقال له صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم : « استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه ونُغَرَنَّ من قبلك الليلة » . قال سهيل بن الحنظلية : فلما أصبحنا خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم إلى مصلاه ، فركع ركعتين ، ثم قال : « هل أحسستم فارسكم ؟ » قالوا : ما أحسسناه ، فثّوب بالصلاة فجعل صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم يصلي ، وهو يلتفت إلى الشعِّب ، حتى إذا قضى صلاته ، قال : « أبشروا فقد جاءكم فارسكم » , فجعل ينظر إلى خلال الشجر في الشعب , فإذا هو قد جاء حتى وقف عليه فقال : إني انطلقت حتى إذا كنت في أعلى الشعب حيث أمرني صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم ، فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما فنظرت فلم أر أحداً ، فقال صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم : « هل نزلت الليلة ؟ » فقال : لا ، إلا مصلياً أو قاضي حاجة ، فقال له صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم : « قد أوجبت ، فلا عليك أن تعمل بعدها » وفي هذا الخبر يظهر لنا المنهج النبوي الكريم في الاهتمام بالأفراد ، فقد ظهر اهتمام النبي صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم بطليعة القوم حتى جعل يلتفت في صلاته ، وما كان ذلك ليحدث إلا لأمر مهم ، ثم إنه صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم قال : « أبشروا فقد جاء فارسكم » , إنها الكلمة التي يستعملها صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم في إخبارهم بما يسرهم من الأمور العظيمة ، تلك هي أهمية الفرد في المجتمع الإسلامي .

كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم قد وضع النساء والأطفال في حصن فارع وهو حصن قوي ، حماية لهم ؛ لأن المسلمين في شغل عن حمايتهم لمواجهتهم جيوش الأحزاب , فعندما نقض يهود بني قريظة عهدهم مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم أرسلت يهوديّاً ليستطلع وضع الحصن الذي فيه نساء المسلمين وأطفالهم , فأبصرته صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم فأخذت عموداً ونزلت من الحصن فضربته بالعمود فقتلته ، فكان هذا الفعل من صفية رادعاً لليهود من التحرش بهذا الحصن الذي ليس فيه إلا النساء والأطفال ، حيث ظنت يهود بني قريظة أنه محمي من قبل الجيش الإسلامي ، أو أن فيه على الأقل من يدافع عنه من الرجال , ففي هذا الخبر دليل للمرأة في الدفاع عن نفسها إن لم تجد من يدافع عنها .

إن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجراً فكان معها , فرآها أبو طلحة ، فقال : يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر ، فقال لها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم : « ما هذا الخنجر ؟ » قالت : اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه ، فجعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم يضحك ، قالت : يا رسول الله , اقتل من بعدنا من الطلقاء انهزموا بك , فقال رسول الله : « يا أم سليم , إن الله قد كفى وأحسن » .

مجالس الإرشاد والإذن بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة

بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم معاذ بن جبل الأنصاري  رضي الله عنه أعلم الصحابة في علم الحلال والحرام إلى اليمن قاضياً ومفقهاً ، وأميراً ، ومصدقاً ، وجعله على أحد مخلافيها وهو الأعلى , ولما خرج معاذ قاصداً اليمن خرج معه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم يودعه ويوصيه ، ومعاذ راكب ، ورسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم يمشي تحت راحلته ، فأوصاه بوصايا كثيرة ورسم له منهجاً دعوياً عظيماً حيث قال له : « إنك ستأتي قوماً أهل كتاب ، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، فإن هم طاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ، فإن هم طاعوا بذلك ، فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم , فإن هم طاعوا لك بذلك ، فإياك وكرائم أموالهم ، واتق دعوة المظلوم ، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب » ، وفي هذا الحديث إرشاد من النبي  للدعاة إلى الله بالتدرج والبدء بالأهم فالمهم ، فالدعوة تكون بترسيخ الإيمان بالله تعالى ورسوله إيماناً يثبت في القلوب ويهيمن على الأفكار والسلوك ، ثم تكون الدعوة بعد ذلك إلى تطبيق أركان الإسلام العملية التي ترسخ هذا الإيمان وتنميه ، ثم يأتي بعد ذلك الأمر بالواجبات والنهي عن المحرمات ، فيتقبل الناس تكاليف الإسلام التي قد تكون مخالفة لهوى النفس ؛ لأن قلوبهم قد عمرت بالإيمان واليقين قبل ذلك .

كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم كثيراً ما يُرى جالساً وبين يديه حلقة من المسلمين ، ومن ذلك أن شيخاً من بني سليط أتى إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم فوجده قاعداً وعليه حلقة قد أَطافت بِه وهو يُحدِّث القوم وهو يشير بإصبعه إلى قلبه الشريف ويقول :  التَّقْوَى هَاهُنَا التَّقْوَى هَاهُنَا  .

كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم يرشد أصحابه بأقواله التي تفتح عقولهم للتفكر في آلاء السماء والأرض ، ويربيهم بحاله الذي يزكّي نفوسهم ويطهّر قلوبهم حتى أن أحدهم ليشعر وهو جالس في حضرته وكأنه في عالم آخر ، إذ تأسرهم نورانيته المباركة فترقق قلوبهم وتسمو بأرواحهم حتى ليستشعر أحدهم الجنة فيتواجد طرباً لعذوبتها ، ويطلع آخر على النار فيجهش بالبكاء من رهبتها ، وترتفع الحجب عن قلب آخر فكأنه بين يدي ربه ليس بينه وبينه إلا نَفس يفصل بين الحياة والموت ..

كان الصحابة يشعرون بهذه الأحوال .. كانوا يشعرون أنهم حين يصحبون رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم ويقتربون منه حساً ومعنى فإن نظرتهم إلى الحياة تختلف إذ تتصاغر الدنيا في نفوسهم وتقبل أرواحهم على عوالم فسيحة لا منتهى لها .. حين كان أحدهم يجلس بين يدي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم متأدباً قلباً وقالباً ، فإن أحاسيسه تأخذ بالصفاء التدريجي من كل هموم الدنيا ومشاغلها ، فيصبح قلبه وكأنه لوح أبيض لا نقش فيه ، وكأن حال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم النوراني فيهم كالقلم الذي يكتب في قلب كل منهم ما يناسب حكمة الله تعالى فيه .. فلا يقوم أحدهم من مجلسه إلا وقد وجد في نفسه ما لم يكن عنده من قبل ..

حنظلة أحد الذين تأثروا كثيراً بمجالس رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم فحرص على حضورها إلى أن وصل إلى حالة صارت الحقائق تترائى له رأي العين .. ولكن ، وبعد فترة رآه أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهو يبكي ويشكو من النفاق فلما سأله عن شأنه قال له : نافق حنظلة يا أَبا بكر ، نكون عند رسول اللَّه صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم يذكِّرنا بالنَّار والجنَّة كأَنَّا رَأْيَ عَيْنٍ فإذا رجعنا إلى الأَزواج وَالضَّيعة نسينا كثيراً . قال أبو بكر رضي الله عنه : فواللَّه إنَّا لكذلك . انطلق بنا إلى رسول اللَّه صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم فانطلقنا فلمَّا رآه رسول اللَّه صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم حنظلة وهو يبكي قال له  مَا لَكَ يَا حَنْظَلَةُ ؟ قال : نافق حنظلة يا رسول اللَّه . نكون عندك تذكِّرنا بالنَّار والْجنَّة كأَنَّا رأْي عَيْنٍ فإذا رجعنا عَافَسْنَا الأَزواج والضَّيعة ونسينا كثيراً ، فقال رسول

اللَّه صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم :  لَوْ تَدُومُونَ عَلَى الْحَالِ الَّذِي تَقُومُونَ بِهَا مِنْ عِنْدِي لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ فِي مَجَالِسِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ وَعَلَى فُرُشِكُمْ وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ، َسَاعَةً وَسَاعَةً  هذه الإجابة من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم تعد درساً من أعظم الدروس في علوم الشريعة والحقيقة ، لأنها وضحت موقف الرسالة الإسلامية من البعدين الروحي والمادي .

أما تربيته الروحية صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم بالدليل والبرهان ، فنورد مثالين : المثال الأول ما ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه  . أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم كان في محفل من أصحابه ، إذ جاء أعرابي من بني سليم قد صاد ضباً ، وجعله في كمه ليذهب به إلى رحله فيشويه ويأكله ، فلما رأى الجماعة قال : ما هذا ؟ قالوا : هذا الذي يذكر أنه نبي ، فجاء حتى شق الناس ، فقال : واللات والعزى ما اشتملت النساء على ذي لهجة أبغض إلي منك ولا أمقت ، ولولا أن يسميني قومي عجولا لعجلت عليك فقتلتك فسررت بقتلك : الأسود ، والأحمر ، والأبيض ، وغيرهم ، فقال عمر بن الخطاب : يا رسول الله ، دعني فأقوم فأقتله ، قال : « يا عمر ، أما علمت أن الحليم كاد أن يكون نبياً » ، ثم أقبل على الأعرابي ، فقال : « ما حملك على أن قلت ما قلت ؟ وقلت غير الحق ؟ ولم تكرمني في مجلسي » قال : وتكلمني أيضاً ؟ استخفافاً برسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم ، واللات والعزى لا آمنت بك أو يؤمن بك هذا الضب ، وأخرج الضب من كمه وطرحه بين يدي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم ، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم : « يا ضب » ، فأجابه الضب بلسان عربي مبين يسمعه القوم جميعاً : لبيك وسعديك يا زين من وافى القيامة ، قال : « من تعبد يا ضب ؟ » قال : الذي في السماء عرشه ، وفي الأرض سلطانه ، وفي البحر سبيله ، وفي الجنة رحمته ، وفي النار عقابه ، قال : « فمن أنا يا ضب ؟ » قال : رسول رب العالمين ، وخاتم النبيين ، وقد أفلح من صدقك ، وقد خاب من كذبك ، قال الأعرابي : لا أتبع أثراً بعد عين والله لقد جئتك وما على ظهر الأرض أبغض إلي منك ، وإنك اليوم أحب إلي من والدي ، ومن عيني ، ومني ، وإني لأحبك بداخلي وخارجي وسري وعلانيتي : أشهد أن لا إله إلا الله ، وإنك رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم : ( الحمد لله الذي هداك بي ، إن هذا الدين يعلو ولا يعلى ، ولا يقبل إلا بصلاة ، ولا تقبل الصلاة إلا بقرآن ) . قال : فعلمني ، فعلمه : ( قل هو الله أحد ) . قال : زدني فما سمعت في البسيط ولا في الرجز أحسن من هذا . قال : « يا أعرابي إن هذا كلام الله ليس بشعر ، إنك إن قرأت قل هو الله أحد مرة كان لك كأجر من قرأ ثلث القرآن ، وإن قرأت مرتين كان لك كأجر من قرأ ثلثي القرآن ، وإذا قرأتها ثلاث مرات كان لك كأجر من قرأ القرآن كله » ، قال الأعرابي : نعم الإله إلهاً يقبل اليسير ويعطي الجزيل ، فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم : « ألك مال » ؟ قال : فقال : ما في بني سليم قاطبة رجل هو أفقر مني . فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم لأصحابه : « أعطوه » ، فأعطوه حتى أبطروه ، فقام عبد الرحمن بن عوف ، فقال : يا رسول الله ، إن له عندي ناقة عشراء دون البختية وفوق الأعرى ، تلحق ولا تلحق أهديت إلي يوم تبوك أتقرب بها إلى الله عز وجل وأدفعها إلى الأعرابي ، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم : ( قد وصفت ناقتك ، فأصف ما لك عند الله يوم القيامة ) ، قال : نعم ، قال : ( لك كناقة من درة جوفاء قوائمها من زبرجد أخضر ، وعنقها من زبرجد أصفر ، عليها هودج وعلى الهودج السندس والإستبرق ، وتمر بك على الصراط كالبرق الخاطف ، يغبطك بها كل من رآك يوم القيامة ) ، فقال عبد الرحمن : قد رضيت . فخرج الأعرابي فلقيه ألف أعرابي من بني سليم على ألف دابة معهم ألف سيف وألف رمح ، فقال لهم : أين تريدون ؟ فقالوا : نذهب إلى هذا الذي سفه آلهتنا فنقتله ، قال : لا تفعلوا أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فحدثهم الحديث ، فقالوا بأجمعهم : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، ثم دخلوا ، فقيل للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم فتلقاهم بلا رداء ، فنزلوا عن ركابهم يقبلون حيث وافوا منه وهم يقولون : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، ثم قالوا : يا رسول الله ، مرنا بأمرك ، قال : « كونوا تحت راية خالد بن الوليد ، فلم يؤمن من العرب ولا غيرهم ألف غيرهم » .

والمثل الثاني فعن ابن عمر رضي الله عنه قال : كنا مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم في سفر ، فأقبل أعرابي فلما دنا منه قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم : « أين تريد ؟ » قال : إلى أهلي . قال : « هل لك إلى خير ؟ » قال : ما هو ؟ قال : « تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله » قال : هل من شاهد على ما تقول ؟ قال : « هذه الشجرة » ، فدعاها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم وهي على شاطئ الوادي ، فأقبلت تخدُّ الأرض خدّاً فقامت بين يديه ، فاستشهد ثلاثاً ، فشهدت له كما قال ، ثم رجعت إلى منبتها ورجع الأعرابي إلى قومه ، فقال : إن يتبعوني آتك بهم ، وإلا رجعت إليك فكنت معك .

ومن سر هذه التربية الروحية التي ربى بها وعليها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم أصحابه ورث مشايخ الطريقة العلية القادرية الكسنزانية الكرام قدست أسرارهم أجمعين حضرة الرسول الأعظم صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم إذ لم تقتصر دعوتهم للناس بالموعظة الحسنة وحسب ، وإنما كانت دعوتهم متكاملة كما أمر بها الله سبحانه وتعالى ، فهي الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، ومعنى الحكمة هو البرهان أي خوارق العادات ، والغاية منها هي تثبيت الموعظة الحسنة في القلوب حتى تطمئن وترسيخها في النفوس حتى تزكو وتستكن كما في قوله تعالى :  {ولكن ليطمئن قلبي}  وللرفع بمستوى إيمان الشاهد من الإيمان التقليدي إلى الإيمان الحقيقي في رؤيته للبرهان الذي يدل دلالة لا شك فيها ولا ريب على عظمة هذا الدين ، وتسرمد قوته الروحية التي أيد الله سبحانه وتعالى بها مرشدي الدعاة المأذونين والآخذين العهد من شيخ الطريقة الحاضر حضرة السيد الشيخ الخليفة السلطان محمد المحمد الكسنزان الحسيني ( قدس الله سره ) عبر سلسلة متصلة غير منفصلة إلى رسول الله سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم إمام هذا الدين وخاتم الأنبياء والمرسلين .

محبة الصحابة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم

كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم الأستاذ الأعظم في مجال الروحانيات بلا خلاف وكان حضرته صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم في الوقت نفسه السياسي والعسكري والاجتماعي والاقتصادي .. وقد عقل الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم ذلك عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم عقل وعاية ورعاية ولهذا استمرت بعد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم دولة الخلافة الراشدة تبث في الأرجاء هذا النهج التكاملي للشخصية الإنسانية ، فأثمر لهم هذا النهج القرب من الله تعالى والقرب من الناس ، فأحبوا الله تعالى وأحبوا الرسول صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم وأحبوا بعضهم بعضاً وأحبوا الخير لأنفسهم وللناس أجمعين ، فكان ذلك تجسيداً واقعياً للرحمة المهداة التي زرعها الله تعالى في قلوبهم .. ومن أمثلة محبتهم :

عن عبد الله بن هشام قال : كنا مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب ، فقال عمر : والله يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي ، فقال : « لا ، والذي نفسي بيده ، حتى أكون أحب إليك من نفسك » ، قال عمر : فأنت الآن أحب إلي من نفسي ، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم : « الآن يا عمر » .

غاب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم طوال اليوم عن سيدنا ثوبان خادمه وحينما جاء قال له ثوبان : أوحشتني يا رسول الله وبكى . فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم : أهذا يبكيك ؟ قال ثوبان : لا يا رسول الله ولكن تذكرت مكانك في الجنة ومكاني فذكرت الوحشة فنزل قول الله تعالى :  {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا  }.

سواد بن عزيّة رضي الله عنه ، يوم غزوة أحد واقف في وسط الجيش ، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم  للجيش : ( استووا.. استقيموا ) . فينظر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم فيرى سواداً لم ينضبط فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم : ( استو يا سواد ) ، فقال سواد : نعم يا رسول الله ووقف ولكنه لم ينضبط ، فجاء النبي صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم بسواكه ونغز سواداً في بطنه قال : ( استو يا سواد ) ، فقال سواد : أوجعتني يا رسول الله ، وقد بعثك الله بالحق فأقدني ! فكشف النبي صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم عن بطنه الشريفة وقال : ( اقتص يا سواد ) ، فانكب سواد على بطن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم يقبلها يقول : هذا ما أردت ، وقال : يا رسول الله أظن أن هذا اليوم يوم شهادة فأحببت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك .

عندما سئل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : كيف كان حُبّكم لرسول صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم ؟ قال : كان والله أحبّ إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ، ومن الماء البارد على الظّمأ .

وعندما حضرت الوفاة بلال بن رباح رضي الله عنه صاحت امرأته : واحُزناه … فقال بلال : بل وافرحتاه…واطرباه…غداً ألقى الأحبة محمداً وحزبه .

من صدق حبهم له أنهم كانوا يتلذذون بأصناف العذاب في سبيل نجاة النبي صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم وسلامته من الأخطار . بل إنهم لا يكادون يتصورون راحتهم وهناءهم حال إيذائه وتعذيبه .

ومن ذلك قصة زيد بن الدثنة رضي الله عنه ، عندما ابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه ، فبعثه مع مولى له يقال له نسطاس إلى ( التنعيم ) ، وأخرجه من الحرم ليقتله ، واجتمع رهطاً من قريش ، فيهم أبو سفيان بن حرب ، فقال له أبو سفيان – حين قدم ليقتل – : أنشدك بالله – يا زيد – أتحب أن محمداً الآن عندنا مكانك نضرب عنقه ، وإنك في أهلك . قال : والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وإني جالس في أهلي !! فقال أبو سفيان : ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً .

من عظيم حبهم له امتثالهم أمره في كل ما يقول ، وسماع رأيه وإجابة ما يأمر به والانتهاء عما ينهي عنه ، وذلك من صدق حبهم رضوان الله عليهم له ، فقد ورد أن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه أتى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم ذات يوم وهو يخطب فسمعه وهو يقول : ( اجلسوا ) ، فجلس مكانه خارجاً عن المسجد حتى فرغ النبي صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم من خطبته ، فبلغ ذلك النبي ، فقال له :  زادك الله حرصاً على طواعية الله وطواعية رسوله  .

إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم أمر زيد بن ثابت رضي الله عنه أن يتعلم كتابة يهود ليقرأه على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم إذا كتبوا إليه , فتعلمه في خمسة عشر يوماً ، وفي رواية أخرى أن رسول الله لما قدم المدينة ذُهب بزيد إلى رسول الله ، وقالوا : يا رسول الله ، هذا غلام من بني النجار معه مما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة ، فأعجب ذلك رسول الله وقال : « يا زيد تعلم لي كتاب يهود ، فإني والله ما آمن يهود على كتاب » قال زيد : فتعلمت له كتابهم , ما مرت خمس عشرة ليلة حتى حذقته ، وكنت أقرأ له كتبهم إذا كتبوا إليه ، وأجيب عنه إذا كتب .

أضف تعليقاً

Follow by Email
YouTube
YouTube