سؤال حول مقولة ( أخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت )

السائل : الهاشمي الحسني
البلد : السعودية – جدة
السؤال :
استفسر عن قول ابو يزيد البسطامي : ( أخذتم علمكم ميتاً عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت ) نرجو التوضيح ؟
الجواب :
أراد الشيخ ابو يزيد البسطامي ان يشير في هذا القول إلى الفرق بين العلوم الكسبية وبين العلوم التي سماها الامام الغزالي بـ ( علوم المكاشفة ) والتي قال عنها انها : نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة ، ومن خلال هذا النور في باطن العبد تنكشف امور كثيرة كان يسمع من قبل أسماءها فيتوهم لها معاني مجملة غير متضحة فتتضح إذ ذاك حتى تحصل المعرفة الحقيقية بذات الله سبحانه وبصفاته الباقيات التامات وبأفعاله وبحكمه في خلق الدنيا والآخرة ووجه ترتيبه للآخرة على الدنيا ، كالمعرفة بمعنى النبوة والنبي ومعنى الوحي ومعنى الشيطان ومعنى لفظ الملائكة والشياطين وكيفية معاداة الشياطين للإنسان وكيفية ظهور الملك للأنبياء وكيفية وصول الوحي إليهم والمعرفة بملكوت السماوات والأرض ومعرفة القلب وكيفية تصادم جنود الملائكة والشياطين فيه ومعرفة الفرق بين لمة الملك ولمة الشيطان ومعرفة الآخرة والجنة والنار وعذاب القبر والصراط والميزان والحساب. ومعنى قوله تعالى: ( اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) (1) ومعنى قوله تعالى: ( وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون) (2) ومعنى لقاء الله عز وجل والنظر إلى وجهه الكريم ، ومعنى القرب منه والنـزول في جواره، ومعنى حصول السعادة بمرافقة الملأ الأعلى ومقارنة الملائكة والنبيين، ومعنى تفاوت درجات أهل الجنان حتى يرى بعضهم البعض كما يرى الكوكب الدري في جوف السماء إلى غير ذلك مما يطول تفصيله. فمثل هذه العلوم يستعصي فمهمها او إدراكها عن طريق التفكر العقلي ، فالمعرفة بها لا تحصل الا من خلال ارتفاع الحجاب عن مرآة القلب حتى تتضح له جلية الحق فيها اتضاحا يجري مجرى العيان الذي لا يشك فيه. وهذا ممكن في جوهر الإنسان لولا أن مرآة القلب قد تراكم صدؤها وخبثها بقاذورات الدنيا(3). وإنما تصفيته وتطهيره بالكف عن الشهوات والإقتداء بالنبي الأعظم ﷺ في جميع أحواله ، فبقدر ما ينجلي من القلب ويحاذي به شطر الحق يتلألأ فيه حقائقه. ولا سبيل إليه إلا بالرياضة التي يأتي تفصيلها في موضعها وبالعلم والتعليم. وهذا هو العلم الخفي الذي أراده ﷺ بقوله:( إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله تعالى فإذا نطقوا به لم يجهله إلا أهل الاغترار بالله تعالى فلا تحقروا عالما آتاه الله تعالى علما منه فإن الله عز وجل لم يحقره إذ آتاه إياه) (4).
هذه هي العلوم التي لا تؤخذ من الكتب ولا من اجتهاد العلماء او تفكر العقلاء انها علوم وهبية أطلق عليها الصوفية تسميه العلوم اللدنية نسبة إلى قوله تعالى : ( فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ) (5).
ان العلم المسمى بالكسبي والذي يجتهد فيه المجتهدون هو المشار إليه بأنه العلم المأخوذة ميتا عن ميت ، واما العلوم الوهبية الكشفية فهي المشار إليها بأنها مأخوذة عن الحي الذي لا يموت .  ولا تعارض بين العلمين فلكل علم رجاله ومواطنه وأدلته وفوائده ، وعبارة الشيخ البسطامي يمكن ان تحمل في باب التقسيم او التصنيف لأنواع العلوم وسبلها وليس من باب تعطيل العلوم التي تعتمد على العقل مقابل العلوم التي تعتمد على الكشف والإلهام .
اضف الى ذلك فإنه بهذا القول يشير الى ان العلم المنقول ميتاً عن ميت ربما يعتريه الخطأ من خلال الدس والتحريف فالقول الحق ان لا نعتمد على كل حسود على عكس العلوم اللدنية التي لا يأتيها الباطل من بين ايديها ولا من خلفها .


الهوامش :
[1]- الإسراء : 14 .
[2] -العنكبوت : 64 .
[3] – انظر : احياء علوم الدين للإمام الغزالي – ج1 ص 20 .
[4] – رواه أبو عبد الرحمن السلمي في الأربعين له في التصوف من حديث أبي هريرة ،وورد في الترغيب والترهيب لعبد العظيم المنذري – ج1 – ص58 – برقم 141 / دار الكتب العلمية .
[5] – الكهف : 65 .

أضف تعليقاً

Follow by Email
YouTube
YouTube