سؤال حول (اختصاص الامام علي كرم الله وجهه بالطريقة)


السائل : مصطفى
البلد : الإمارات – دبي
السؤال :
لماذا اختص حضرة الرسول ﷺ الإمام علي  كرم الله وجهه دون بقية الخلفاء ؟
الجواب :
تشهد مصادر التاريخ الإسلامي ان رسول الله ﷺ كان يعامل الصحابة ويتعامل معهم كأسنان المشط ، لا فرق عنده بين عربي او اعجمي ولا بين حر أو عبد ولا بين عربي او فارسي او حبشي او رومي ، لأنه لا ينظر الا إلى قلوبهم التي تهوى الحق وارواحهم التي تبتغي القرب من الله تعالى ..
وكان كرم الله وجهه بما آتاه الله تعالى من نور وحكمة ، يطلع على مكامن القوة في كل منهم فيحثه عليه ويساعده على تفجير طاقاته وامكانته فيه وهذا من السمات التي تميز بها حضرة الرسول الأعظم سيدنا محمد ﷺ عمن سواه ، فكان ان اختص كل من الصحابة بما يناسبه ، فهذا الصديق وذاك الفاروق وآخر أمين سره وغيره بسيف مسلول على الكفار .. الخ
ولقد رأى رسول الله ﷺ ان ما يناسب الإمام علي  وما هيأه الله تعالى له هو حمل أمانة العلوم اللدنية من بعده ، فكان لسابقته في الإسلام واعلميته التي شهد لها بها القاصي والداني حتى ان الخليفة الثاني رضي الله عنه قال فيما بعد تعبيرا عن هذه المنـزلة : « لولا علي لهلك عمر »(1) .وأخرج الدارقطني عن أبي سعيد أن عمر كان يسأل عليا عن شيء فأجابه فقال عمر : « أعوذ بالله أن أعيش في قوم ليس فيهم أبو الحسن » وفي رواية « لا أبقاني الله بعدك يا علي . وكان عمر يتعوذ من كل معضلة ليس لها أبو الحسن  ، ولم يكن أحد من الصحب يقول سلوني إلا هو »(2).
تذكر المصادر التاريخية ان بدايته في سلوك الطريق الروحي بدأت بشكل فعلي حين جاء إلى رسول الله ﷺ وقال : « يا رسول الله : دلني على أقصر الطرق إلى الله وأخفها علي .
فقال الرسول  : يا علي عليك بمداومة ذكر الله في الخلوات .
فقال علي  : هذه فضيلة الذكر ، وكل الناس يذكرون .
فقال الرسول  : يا علي لا تقوم الساعة وعلى وجه الأرض من يقول ( الله ) .
فقال علي  : كيف أذكر يا رسول الله ؟
قال : أغمض عينيك واسمع مني ثلاث مرات ، ثم قل أنت ثلاث مرات وأنا أسمع .
فقال النبي  : لا إله إلا الله ، ثلاث مرات مغمضاً عينيه رافعاً صوته وعلي يسمع ، ثم قال علي لا إله إلا الله ثلاث مرات مغمضاً عينيه رافعاً صوته والنبي يسمع »(3) فكان هذا تلقينا بالمشافهة للذكر بطريقة اختص بها الإمام علي عليه السلام ، ذلك الطريق الذي يفضي لا محالة إلى المحبة الإلهية الخالدة ، وهذا اثبتته الاحداث فيما بعد وخاصة عندما حاصر المسلمون خيبر ذات الحصن الشهير وقد أمر الرسول  بمهاجمتها ، فهاجمها الجيش ليومين متتالين من دون جدوى ، واستشهد في الهجومين عدد من المسلمين ، فلما عاد الجيش من الهجوم الثاني من دون أن ينجح في فتح المدينة قال الرسول  حديثه المشهور : ( أما والله لأعطين الراية غداً رجلاً كرارا غير فرار ، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ، يفتح الله على يديه )(4) .

فلما جاء اليوم التالي بعث الرسول ﷺ يطلب الإمام علياً بن أبي طالب  كرم الله وجهه وقد عصب عينيه وهو أرمد ويقوده أحد المسلمين . فلما رآه الرسول  نفخ في عينيه فزال وجعهما في الحال ، ثم دعا له ( اللهم اذهب عنه الحر والقر  )(5) ، فما وجد الإمام علي بعد ذلك الحر والبرد ، وكان يلبس ثياب الصيف في الشتاء ولا يبالي ، وثياب الشتاء في الصيف ولا يبالي ، ثم أعطاه حضرة الرسول  الراية وألبسه درعه وقلده سيفه ذا الفقار وأرسله لفتح الحصن ، ففتح الله على يديه ذلك اليوم .
والذي يهمنا من هذا الحديث أن حضرة الرسول  علّق أمر إعطاء الراية والفتح على شخص في شرط معين وهو ( يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ) ، والإشارة في المحبة هنا إلى المحبة الخاصة التي عرفت فيما بعد باسم ( الطريقة ) ، وإلا فمن أرسلوا في الهجومين السابقين واستشهد بعضهم كانوا قطعاً يحبون الله ورسوله ﷺ .
في غزوة تبوك صرّح رسول الله ﷺ بمنزلة الإمام الروحية وهي مرتبة الولاية إذ روي عن سعد بن أبي وقاص انه قال : خلف رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب في غزوة تبوك فقال : يا رسول الله تخلفني في النساء والصبيان فقال : ( أما ترضى ان تكون مني  بمنـزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي )(6) فالواضح من الحديث ان النبوة لو لم تختم بسيدنا محمد ﷺ لكان علي بن ابي طالب عليه السلام نبيا مع رسول الله ﷺ حاله في ذلك حال من سبق من امم الانبياء ولكن ولأن الرسالة المحمدية خاتمة فإن ما يليها من مرتبة هي الولاية ، وهي منزلة سيدنا علي بن ابي طالب  في امته من بعده .
هذا المعنى الروحي لولاية الامام علي عليه السلام اكد عليه حضرة الرسول ﷺ قبل انتقاله إلى عالم الشهود والحق بشهرين حين بلغ حشد المسلمين المجتمعين عند ( غدير خُم ) بأن الإمام علي  هو مرشدهم الروحي الذي سيقوم مقامه بينهم بعد أن يتركهم .
فقال ﷺ : ( من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه )(7) ، فصرح  بذلك حضرة الرسول الأعظم   بولاية الإمام علي  عامة ، شاملة ، مطلقة على كل المسلمين .
لقد أورث حضرة الرسول الأعظم  الإمام علي  من علومه الروحية وزرع فيه أخلاقه النبوية الزكية ، فجعل فيه صفات المرشد الرباني الذي يفيد كل من يصاحبه من غزير علمه النبوي ، وينـزل على قلبه من أحواله الزكية ما يزكيه وينقي نفسه .
ولهذا اجمع الصوفية على ان امام الطرائق وبحرها بعد رسول الله ﷺ هو الامام علي  ويكفي ان نشير هنا إلى قول شيخ الطائفتين الجنيد البغدادي قدس الله سره على هذا الاجماع : « صاحبنا في هذا الأمر بعد النبي ﷺ علي بن ابي طالب كرم الله وجهه ذلك امرء أعطي علما لدنا »(8).

 


الهوامش :
[1] – تأويل مختلف الحديث لعبد الله الدنيوري – دار الجيل – بيروت – 1972 – ج1 ص 162
[2] – فيض القدير للمناوي – المكتبة التجارية الكبرى بيروت – مصر  – 1356 – ط1- ج4 ص 357
[3] – المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي – تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار – ج1ص346 .
[4] – صحيح مسلم ج: 4 ص: 1871 برقم 2405 ,.
[5] – فتح الباري ج: 7 ص: 477 .
[6] – صحيح مسلم – ج4 ص1870
[7] – المستدرك على الصحيحين – ج 3 ص 419 .
[8] – البرهان الجلي في تحقيق انتساب الصوفية إلى علي 

أضف تعليقاً

Follow by Email
YouTube
YouTube