ذكرى ظهور النور المحمدي

بسم الله الرحمن الرحيم
الَّلهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الوَصفِ وَٱلوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ وَالحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلِّمْ تَسليماً

 

إعداد : علاء محسن

تطيبُ الذِّكرى وتلذُّ المناجاةُ ، وتحلو العباراتُ ، وتُسكَبُ للفرحةِ عَبَراتٌ ، فلقد نادى منادي السماءِ منذُ أربعةَ عشرَ قرناً :
أن يا سماءُ تزيّني ، ويا دنيا غرِّدي ، فلقد وُلدَ مُحَمدٌ صلى الله تعالى عليه وسلم :

فمبلغُ العلمِ فيه أنَّهُ بشرٌ                وأنَّهُ خيرُ خلقِ اللهِ كلِّهم

في ربيع المولد النبوي الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم ، تتجاوب أغاريد الشعر وتتفتح أزهار الفكر حافلة بالثناء والتمجيد بمزايا خاتم النبيين حضرة الرسول الأعظم سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ، وفي هذه الذكرى تنطلق روائع الفن والإبداع في كل لغة يتحدث بها شعب من شعوب الإسلام في جميع اللغات ، وهي جميعها تطوف حول معاني السيرة العطرة كما تطوف زمرة الحجيج حول الكعبة والتي تتجه إلى قبلتها وجوه المصلين .
إن مولد الرسول الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم هو ميلاد أمة وميلاد مدرسة ، مدرسة فتحت أبواب العلم الحق على مصراعيه للبشرية جمعاء فعلت ذلك من خلال الفاعلية المباشرة التي أشرف حضرة الرسول الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم على بنائها بنفسه ، فبنا لها أعمدة وعمداء ، وما ذلك إلا لأنه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم . إن الاحتفال بمولده صلى الله تعالى عليه وسلم احتفالاً برائد المدرسة الربانية التي خرّجت ولا تزال تخرّج الأفذاذ ، والاحتفال بمولده احتفالاً باستدارة الزمان وتنسّم المسلمين لعبير عبق النبوة والمعاني السامية التي ترتبط بها ، والاحتفال بمولده تكريس لرسالته بتعميق أهدافها في فجاج الأرض وأعماق المجتمعات والأفراد . وإن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ظاهرة تميزت بها المجتمعات الإسلامية ، حيث تثير هذه المناسبة في وجدان الناس ذكرى حضرة الرسول الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم ، وذكرى تلك المجاهدات التي قام بها صلى الله تعالى عليه وسلم لتثبيت عقيدة التوحيد في الأرض ، وحق لهذه المجتمعات الإسلامية أن تحتفل بالمولد النبوي الشريف على صاحبه أفضل الصلاة والسلام ، لأنه الرسول القدوة وهو النبي الخاتم الذي ختم الله به الرسالة ونزل عليه خير كتاب ختم الله به الكتب .

المولد النبوي سُنة حسنة
يقول الدكتور محمد خير فاطمة في كتابه المولد النبوي الشريف إتباع لا ابتداع : ( إن المولد في اللغة : هو وقت الولادة أو مكانها . وفي اصطلاح الأئمة : هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسّر من القرآن الكريم ورواية الأخبار الواردة في ولادة نبي من الأنبياء أو ولي من الأولياء ومدحهم بأفعالهم وأقوالهم ( إعانة الطالبين ، ج 3 ، ص 361 ) .
والاحتفال بالمولد النبوي الشريف عمل فيه إظهار الفرح والسرور والحب لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم . وما كان كذلك فهو مما يندب إليه الشارع ويقرّه ، فهذا ليس بمنكر ولا باطل ، بل هو معروف من مقاصد الشريعة المحكمة .
والمقصود من الاحتفال بالمولد النبوي الشريف هو تعظيمه صلى الله تعالى عليه وسلم ، والله عز وجل يقول : ( ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ) ولا شك أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم هو من أعظم شعائر الله قطعاً وأجلّها قدراً ، حيث ورد تعظيمه في الكتاب الكريم وفي السنة المطهرة ) .
قال الحافظ السيوطي رحمه الله : إن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرآن ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وما وقع في مولده من الآيات ، هو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف . ( الحاوي للفتاوي ج 1 ، ص 252 ) .
وقال الإمام شهاب الدين المعروف بابي شامة الشافعي شيخ الإمام النووي : ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يفعل كل عام في اليوم الموافق من مولده صلى الله تعالى عليه وسلم من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور ، فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان إلى الفقراء مشعر بمحبته صلى الله تعالى عليه وسلم ، وتعظيمه في قلب فاعل ذلك . ( الباعث على إنكار البدع والحوادث ص 23 ) .
هذا ولو تتبّعنا السادة العلماء منذ أن ابتدع المولد النبوي الشريف على صاحبه أفضل الصلاة والتسليم لوجدنا انعقاد الإجماع منهم على استحسان الاحتفال بالمولد . فقد ذكر العلماء أن أول من فعل المولد هو الملك المظفر صاحب إربل أبو سعيد كوكبري ابن زين الدين علي بن بكتكين أحد ملوك الأمجاد والكبراء والأجواد ، ولد سنة 630 هجرية ، وصفه الحافظ الذهبي ( سير أعلام النبلاء ، ج 22 ، ص 336 ) . وقال ابن كثير في تاريخه : كان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ، ويحتفل به احتفالاً هائلاً ، وكان شهماً وشجاعاً وعاقلاً وعادلاً رحمه الله وأكرم مثواه ( الحاوي للفتاوي ج 1 ، ص 292 ) . وكان يحضر المولد في زمانه الأكابر من العلماء وغيرهم ، ولم نجد من اعترض على الاحتفال بهذا المولد من معاصريه فكان إجماعاً سكوتياً على مشروعية الاحتفال بالمولد ، واستحسان العلماء له .
ويقول فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تعالى : وإكراماً لهذا المولد الكريم ، فإنه يحق لنا أن نظهر معالم الفرح بهذه الذكرى الحبيبة لقلوبنا كل عام ، وذلك بالاحتفال بها من وقتها ( على مائدة الفكر ص 295 ) .

الاحتفال بالمولد مظهر من مظاهر محبته صلى الله تعالى عليه وسلم :
إن المولد مظهر من مظاهر محبة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ، وإن المديح الشريف الذي ينشط به المادحون في أيام المولد ليس إلا مظهراً من مظاهر محبة الرسول الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم . ففي رحاب النور المحمدي نعيش ، وفي معراجه العلوي نرتقي ، وفي قيادته العليا إلى نور الكمال وكمال النور نسمو ، ومن ذكرى ميلاده نستمد حبه وحب خالقه عشقاً إلهياً .
قال الإمام الرواس :

أقولُ للروُّحِ إذا سارت لَهُم                  ألا فَرُوحي وعلى البَابِ امرَحِي
وقَبِّلـي  بَـخشيَةٍ  أعتَابَـهُـم                   وهِمـةَ  العَزم  لَديهِـم  صَحَّحـي

ومن علامات محبته صلى الله تعالى عليه وسلم :
إن من أحب شيئاً آثره وآثر موافقته وإلا لم يكن صادقاً في حبه صلى الله تعالى عليه وسلم وكان مدّعياً ، فالصادق في حب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من تظهر علامات ذلك عليه ورحم الله من قال :

تعصي الإله وأنت تظهر حبه             هذا لعمري في الفعال بديع
لو كان حبك  صادقاً  لأطعته              إن  المحب لمن يحب مطيع

وهناك شيئاً من علامات محبته صلى الله تعالى عليه وسلم :
أولاً : الاقتداء به صلى الله تعالى عليه وسلم واستعمال سنته واتباع أفعاله وامتثال أوامره واجتناب نواهيه والتأدب بأدبه في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه وشاهد هذا قول الله تعالى : ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ) .
ثانياً : إيثار شرعه وما سنه على هدي نفسه ومحبته وموافقة شهوته ، وشاهده قول الله تعالى : ( وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) .
ثالثاً : إسخاط العباد في رضا الله تعالى : عن سعيد بن المسيب رضي الله تعالى عنه قال عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : قال لي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : ( إن قدرت أن تصبح وتمسي ليس في قلبك غش لأحد فافعل ) ثم قال : ( يا بني وذلك من سنتي ومن أحيا سنتي فقد أحبني ومن أحبني كان معي في الجنة ) فمن اتصف بهذه الصفات فهو كامل المحبة لله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ، ومن خالفها في بعض هذه الأمور ، فهو ناقص المحبة ، ولا يخرج عن إثمها بدليل ما جاء في السنة ، إن رجلاً جيء به للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم للحد في شرب الخمر ، قال ممن احضروه لعنه الله ، كثيراً ما يؤتى به هكذا ، فقال لهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : ( لا تلعنوه فإنه يحب الله ورسوله ) .
رابعاً : ومن علامات محبة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كثرة الصلاة عليه وكثرة ذكره ومدحه لأن من أحب شيئاً أكثر من ذكره .
خامساً : ومن علامات محبته صلى الله تعالى عليه وسلم كثرة الشوق إلى زيارته ورؤية مكانه وداره وآثاره لأن كل حبيب يحب لقاء حبيبه .
سادساً : ومن علامات محبته صلى الله تعالى عليه وسلم كثرة توقيره وإظهار الخشوع والانكسار عند سماع اسمه وسيرته ، قال إسحاق النجيبي رضي الله تعالى عنه : كان أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا يذكرون اسمه بعده إلا خشعوا واقشعرت جلودهم وبكوا ، وكذلك كان كثير من التابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين .
سابعاً : ومن علامات محبته صلى الله تعالى عليه وسلم بغض من أبغض الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ، ومجانبة من خالف سنته وابتدع في دينه ، وشاهد هذا قول الله تعالى : ( لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) وهؤلاء صحابته قد عادوا أحباءهم وقاتلوا أبناءهم وآباءهم في مرضاته ، وفي ذلك يقول عبد الله بن عبد الله بن أُبي الصحابي الجليل يخاطب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في شأن أبيه ( لو شئت لأتيتك برأسه ) يعني أباه .
ثامناً : ومن علامات محبته صلى الله تعالى عليه وسلم أن تحب القرآن الذي جاء به وأنزل عليه وتتخلق به ، فهو خلقه صلى الله تعالى عليه وسلم ، وحب القرآن يعني تلاوته وفهمه والعمل به .
تاسعاً : ومن علامات محبته صلى الله تعالى عليه وسلم أن تحب أمته وأن ترأف بهم وأن تشفق عليهم وأن تنصح لهم وأن تسعى في مصالحهم ، وأن تسعى لترفع المضار عنهم .
ويقول الشيخ الجنيد البغدادي قدس الله سره : انسد كل باب إلى الله تعالى إلا باب سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ، فلا طريق إلى الله تعالى إلا
من بابه صلى الله تعالى عليه وسلم . ( الشيخ رشيد الراشد التاذفي – الدر المنظم في وجوب محبة السيد الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم ص128) .
ويقول الشيخ يوسف النبهاني : إذا كان الإنسان يحب من منحه في دنياه مرة أو مرتين معروفاً فانياً منقطعاً ، أو استنقذه من مهلكة أو مضرة لا تدوم ، فما بالك بمن منحه منحاً لا تبيد ولا تزول ، ووقاه من العذاب الأليم ما لا يفنى ولا يحول . وإذا كان المرء يحب غيره على ما فيه من صور جميلة وسيرة حميدة ، فكيف بهذا النبي الكريم والرسول العظيم صلى الله تعالى عليه وسلم الجامع لمحاسن الأخلاق والتكريم ، المانح لنا جوامع المكارم والفضل العميم ، فاستحق أن يكون حظه من محبتنا له أوفى وأزكى من محبتنا لأنفسنا وأولادنا وأهلينا وأموالنا والناس أجمعين ، بل لو كان في منبت كل شعرة منا محبة تامة له صلى الله تعالى عليه وسلم لكان ذلك بعض ما يستحقه علينا . ( الشيخ رشيد الراشد التاذفي – الدر المنظم في وجوب محبة السيد الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم ص152) .

أدلة جواز الاحتفال بمولد النبي الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم :
( يقول الشيخ محمد بن علوي المالكي في كتابه حول الاحتفال بالمولد النبوي الشريف :
الأول : إنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يعظم يوم مولده ، ويشكر الله تعالى فيه على نعمته الكبرى عليه ، وتفضله عليه بالوجود لهذا الوجود ، إذ سعد به كل موجود ، وكان يعبر عن ذلك التعظيم بالصيام كما جاء في الحديث عن أبي قتادة : إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين ؟ فقال : ( فيه ولدت ، وفيه انزل علي ) . رواه الإمام مسلم في الصحيح في كتاب الصيام . وهذا في معنى الاحتفال به إلا أن الصورة مختلفة ولكن المعنى موجود سواء كان ذلك بصيام أو إطعام طعام أو اجتماع على ذكر أو صلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أو سماع شمائله الشريفة .
الثاني : إن الفرح به صلى الله تعالى عليه وسلم مطلوب بأمر القرآن من قوله تعالى : ( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) . فالله تعالى أمرنا أن نفرح بالرحمة ، والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم  أعظم رحمة قال الله تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) .
الثالث : إن الاحتفال بالمولد لم يكن في عهده صلى الله تعالى عليه وسلم فهو بدعة ، ولكنها حسنة لاندراجها تحت الأدلة الشرعية والقواعد الكلية ، فهي بدعة باعتبار هيئتها الاجتماعية ، لا باعتبار أفرادها لوجود أفرادها في العهد النبوي .
الرابع : إن المولد الشريف يبعث على الصلاة والسلام المطلوبين بقوله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا  ) . وما كان يبعث على المطلوب شرعاً فهو مطلوب شرعا ، فكم للصلاة عليه صلى الله تعالى عليه وسلم من فوائد نبوية ، وإمدادات محمدية ، يسجد القلم في محراب البيان عاجزا عن تعداد آثارها ومظاهر أنوارها .
الخامس : إن المولد الشريف ، يشمل على ذكر مولده ومعجزاته وسيرته والتعرف به ، أو لسنا مأمورين بمعرفته ومطالبين بالاقتداء به . والتأسي بأعماله ، والإيمان بمعجزاته والتصديق بآياته . وكتب المولد تؤدي هذا المعنى تماما .
السادس : التعرّض لمكافأته بأداء بعض ما يجب له علينا بيان أوصافه الكاملة . وأخلاقه الفاضلة ، وقد كان الشعراء يفدون إليه صلى الله تعالى عليه وسلم بالقصائد ويرضى عملهم ، ويجزيهم على ذلك بالطيبات والصلات ، فإذا كان يرضى عمن مدحه ، فكيف لا يرضى عمن جمع شمائله الشريفة ، ففي ذلك التقرب له صلى الله تعالى عليه وسلم ، باستجلاب محبته ورضاه .
السابع : إن معرفة شمائله ومعجزاته تستدعي كمال الإيمان به صلى الله تعالى عليه وسلم ، وزيادة المحبة ، إذ الإنسان مطبوع على حب الجميل ، خلقاً وخُلقاً ، علماً وعملاً ، حالا واعتقاداً ، ولا أجمل ولا أكمل ولا أفضل من أخلاقه وشمائله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وزيادة المحبة وكمال الإيمان مطلوبان شرعاً ، فما كان يستدعيهما مطلوب كذلك .
الثامن : إن تعظيمه صلى الله تعالى عليه وسلم مشروع ، والفرح بيوم ميلاده الشريف بإظهار السرور ووضع الولائم والاجتماع للذكر وإكرام الفقراء من أظهر مظاهر التعظيم والابتهاج  والفرح والشكر لله ، بما هدانا لدينه القويم ، وما منَّ بعد علينا من بعثه عليه أفضل الصلاة والتسليم .
التاسع : يؤخذ من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم في فضل يوم الجمعة ، وعد مزاياه ، وفيه ولد آدم ، فكيف باليوم الذي ولد فيه أفضل النبيين وأشرف المرسلين .
ولا يختص هذا التعظيم بذلك اليوم بعينه بل يكون له خصوصاً ولنوعه عموماً مهما تكرر كما هو الحال في يوم الجمعة ، شكراً للنعمة ، وإظهاراً لمزية النبوة وإحياءً للحوادث التاريخية الخطيرة ذات الإصلاح المهم في تاريخ الإنسانية وجبهة الدهر وصحيفة الخلود كما يؤخذ تعظيم المكان الذي ولد فيه نبي من أمر جبريل عليه السلام النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بصلاة ركعتين ببيت لحم ثم قال له : أتدري أين صليت ؟ قال : لا ، قال : صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى .
العاشر : إن المولد أمر يستحسنه العلماء والمسلمون في جميع البلاد ، وجرى به العمل في كل صقع ، فهو مطلوب شرعاً للقاعدة المأخوذة من حديث ابن مسعود الموقوف ( ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح ) أخرجه أحمد .
الحادي عشر : إن المولد اجتماع ذكر وصدقة ومدح وتعظيم للجناب النبوي الشريف فهو سنة ، وهذه أمور مطلوبة شرعاً وممدوحة ، وجاءت الآثار الصحيحة بها وبالحث عليها .
الثاني عشر : إن الله تعالى قال : ( وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ) ، يظهر منه أن الحكمة في قص أنباء الرسل عليهم السلام تثبت فؤاده الشريف بذلك ولا شك إننا اليوم نحتاج إلى تثبيت أفئدتنا بأنبائه وأخياره اشد من احتياجه هو صلى الله تعالى عليه وسلم .
الثالث عشر : ليس كل ما لم يفعله السلف ولم يكن في الصدر الأول ، فهو بدعة منكرة سيئة يحرم فعلها ويجب الإنكار عليها بل يجب أن يعرض ما أحدث على أدلة الشرع فما أشتمل على مصلحة فهو واجب أو على محرم فهو محرم ، أو على مكروه فهو مكروه ، أو على مباح فهو مباح ، أو على مندوب فهو مندوب ، وللوسائل حكم المقاصد .
الرابع عشر : ليست كل بدعة محرّمة ولو كان كذلك لحرّم جمع أبي بكر وعمر وزيد رضي الله عنهم القرآن وكتبه في المصاحب خوفاً على ضياعه بموت الصحابة القراء رضي الله عنهم ، ولحرّم جمع عمر رضي الله عنه الناس على إمام واحد في صلاة القيام مع قوله نعمت البدعة هذه ، وحرّم التصنيف في جمع العلوم النافعة ولوجب علينا حرب الكفار بالسهام والأقواس مع حربهم لنا بالرصاص والمدافع والدبابات والطيارات والغواصات والأساطيل ، وحرّم الأذان على المنائر واتخاذ الربط والمدارس والمستشفيات والإسعاف ودار اليتامى والسجون .
الخامس عشر : قال الإمام الشافعي رضي الله عنه : ما أحدث وخالف كتاباً أو سنة أو إجماعاً أو أثراً فهو البدعة الضالة وما أحدث من الخير ولم يخالف شيئاً من ذلك فهو المحمود .
السادس عشر : كل ما تشمله الأدلة الشرعية ولم يقصد بإحداثه مخالفة الشريعة ولم يشتمل على منكر فهو من الدين . وقول المتعصب إن هذا لم يفعله السلف ليس هو دليلاً له ، بل هو عدم دليل كما لا يخفى على من مارس علم الأصول فقد سمى الشارع بدعة الهدي سنة ووعد فاعلها أجراً فقال صلى الله تعالى عليه وسلم : ( من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ، ولا ينقص من أجورهم شيء ) .
السابع عشر : إن الاحتفال بالمولد إحياءً لذكرى المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم وذلك مشروع عندنا في الإسلام ، فأنت ترى أن أكثر أعمال الحج إنما هي إحياء لذكريات مشهودة ومواقف محمودة ، فالسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار والذبح بمنى كلها حوادث ماضية سابقة ، يحيي المسلمون ذكراها بتجديد صورتها في الواقع .
الثامن عشر : كل ما ذكرنا سابقاً من الوجوه في مشروعية المولد إنما هو في المولد الذي خلا من المنكرات المذمومة التي يجب الإنكار عليها ، أما إذا اشتمل المولد على شيء مما يجب الإنكار عليه كاختلاط الرجال بالنساء وارتكاب المحرمات وكثرة الإسراف مما لا يرضى به صاحب المولد الشريف صلى الله تعالى عليه وسلم ، فهذا لا شك في تحريمه ومنعه لما اشتمل عليه من المحرمات لكن تحريمه حينئذ يكون عارضياً لا ذاتياً كما لا يخفى على من تأمل ذلك ) .

يقول حضرة السيد الشيخ محمد الكسنزان الحسيني (قدس سره العزيز) : إن ذكرى مولد سيد الكائنات صلى الله تعالى عليه وسلم هو نزول الرحمة والبركة على العالمين ، فهو نور الله سبحانه وتعالى : ( قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ) وإننا نقتبس ونتبرك من نوره ما دمنا نسير على منهجه ، فهو أستاذنا الأول ، وشيخنا الأول ، والأسوة الحسنة وقدوتنا وشفيعنا ، لأن كل شيء نحتاجه نطلبه منه وعن طريقه وإلا لا يوجد صراط يصلنا به إلا بمحبته وكثرة الصلوات عليه صلى الله تعالى عليه وسلم ، فهو الوسيلة العظمى ، وعيده إنما هو أهم عيد بالنسبة للمسلمين عامة والصوفية خاصة وهو ظهور نور حضرة الرسول الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) وعيد نزول الرحمة ، فكله أجر وبركة ونور على الأرض ، وهو ذكرى نزول القرآن ، ولأنه بنزول النور المحمدي نزول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وعندها نزلت الرحمة الإلهية ؛ لأنه رحمة للإنسانية جمعاء ، فالفرح بمولده يبعد المكروه ، والفرح بمولده رفعة للرأس وعلو ونصر لنا جميعاً إن شاء الله تعالى .
فدمتَ يا أعظمَ الخلقِ لكلِّ النَّاسِ ، ويا أعظمَ النَّاسِ ، وهنيئاً لنا يومَ تسقينا مِن كفِّكَ الأطهرِ ، ومن سلسبيلِكَ الكوثرِ ، يا أيُّها الأكرم صلى الله تعالى عليك وسلم .
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ . وصلى الله تعالى على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .

أضف تعليقاً

Follow by Email
YouTube
YouTube