العارف : من عرف الله بالروح ، والعالم من عرف الله بالعقل .

العارف : من نطق عن سرك وأنت ساكت ، فإذا جالسته فاحفظ قلبك وأما العالم إذا جالسته فاحفظ لسانك .

العارف : هو من لم يأسره لحظه ولا لفظه ، والعالم يلاحظ نفسه بعلمه .

العارف : شارك العالم فيما هو فيه ولم يشاركه العالم فيما للعارف فيه .

العالم ينظر بنور الله ، والعارف ينظر بالله عز وجل .

وقلب العالم يطمئن بالذكر ، ولا يطمئن العارف بسوى الله عز وجل .

العالم يقول : كيف أصنع . والعارف يقول : كيف يصنع .

أمل العالم في الدنيا : الكرامات ، وفي الآخرة : المقامات ، وأمل العارف في الدنيا : بقاء الإيمان معه ، وفي الآخرة : العفو ، يعني  للخلق .

العالم إذا رأيته هبته ، وإذا فارقته هان عليك أمره ، والعارف : إذا رأيته هبته ، وإذا فارقته هبته .

العارف فوق ما يقول ، والعالم دون ما يقول .

وفراسة العالم تكون ظناً يوجب تحقيقاً ، وفراسة العارف تحقيق يوجب حقيقة .

همة العالم في كثرة الأعمال ، وهمة العارف في تصحيح الأحوال .

العارف يقول حدثني قلبي عن ربي والعالم يقول حدثني فلان عن فلان .

العالم اخذ علمه ميتا عن ميت والعارف اخذ علمه عن الحي الذي لا يموت .

العارف : لا يضره قلة العمل إذ يكون سيره قلبياً وإلا لم يكن متحققاً بالمعرفة . والعالم يضره قلة العمل فسيره إلى الله بخدمة الجسد .

والعالم : من أشهده الله ألوهته وذاته ولم يظهر عليه حال ، والعلم حاله ، والعارف : من مشهده الرب لا اسم إلهي غيره فظهرت منه الأحوال ، والمعرفة حاله ، وهو من عالم الخلق كما أن العالم من عالم الأمر .

والعارف غير العالم ، ولذلك يقال : عرفت الله ، ولا يقال : علمت الله ، فالعلم : يستخدم فيما يدرك بطريق الكسب ، أي : التحصيل والتعليم والتلقين ، وصاحب المعرفة هو المختص بمعرفة الله فيقال عارف بالله .

إن الله فرق بين العارفين والعلماء بما وصفهم به وميز بعضهم عن بعض ، فالعلم صفته والمعرفة ليست صفته ، فالعالم : إلهي ، والعارف : رباني من حيث الاصطلاح وإن كان العلم والمعرفة والفقه كله بمعنى واحد ، لكن يعقل بينهما تميز في الدلالة كما تميزوا في اللفظ فيقال : إنه عالم ، ولا يقال فيه : عارف ولا فقيه ، وتقال هذه الثلاثة ألقاب في الإنسان ، وأكمل الثناء تعالى بالعلم على من اختصه من عباده أكثر مما أثنى به على العارفين ، فعلمنا أن اختصاصه بمن شاركه في الصفة أعظم عنده ، لأنه يرى نفسه فيه . فالعالم مرآة الحق ولا يكون العارف ولا الفقيه مرآة له تعالى وكل عالم عندنا لم تظهر عليه ثمرة علمه ولا حكم عليه علمه فليس بعالم وإنما هو ناقل .

العارف : هو من يوافق معروفه في أوامره ، ولا يخالفه في شيء من أحواله ، ويتحبب إليه بمحبة أوليائه ، ولا يفتر عن ذكره طرفة عين .

العارف : هو الذي لا يكون لغيره لاحظاً ولا بكلام غيره لافظاً ، ولا يرى لنفسه غير الله تعالى حافظاً .

العارف : هو الواقف بعلمه على همة يعرف بها كل هم يخطر على قلبه .

العارف : هو الذي رأى حقيقة معلوم الأشياء .

العارف : هو الذي يكمل الأعمال بالعلم والأحوال بالسر والأفعال بالأدب .

العارف : من كان على جانب كبير من سلوك طريق الحق مع المواظبة والاستقامة عليه ، فلا يتركه دقيقة واحدة .

وأهل العلم والعبادة يتفقدون أحوالهم ، وأهل المعرفة يتفقدون قلوبهم مع الله عز وجل .

العارف : هو إكسير العالم ، وتستمد منه الأشياء صلاحها ، فهو الذي لا يكدره شيء ، ويصفو به كل شيء ، ومعاشرته كمعاشرة الحق ، يحتملك ويحمل عنك ، لأنه متخلق بأخلاق الحق ، متصف بصفات السنة ، وهو كالمطر تنتفع به كل جهة أصابها ، فهو الخليفة الأعظم ، إذ لا اسم له يختص به ، فإن أسماء الوجود كلها أسماء له لتحققه بمراتبها ، ولكونه هو الروح في جميع الموجودات ، فما في الكون ذات إلا وهو الروح المدبر لها والمحرك لها ، والقائم فيها ، ولا في كرة العالم مكان إلا وهو حال فيه ، ومتمكن منه ، فبهذا الاعتبار لا إسم له يتميز به عن الوجود ولا مكان يختص به دون آخر .

العارف : هو البرزخ بين البحرين : بحر الشريعة وبحر الحقيقة ، من أيهما شاء اغترف ، قال تعالى :

 مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ  ، فلا تبغي الشريعة على الحقيقة ، ولا الحقيقة على الشريعة ، فهو دائماً بين ضدين ومشاهدة نقيضين ، ينفي ويثبت ، وينفي عين ما أثبت ، لا يستقر به قرار ، ولا تطمئن به دار ، متحرك ساكن ، راحل قاطن  .

العارف : هو من جعل الله قلبه لوحاً منقوشاً بأسرار الموجودات ، ويمده بأنوار حق اليقين ليدرك بها حقائق تلك السطور على اختلاف أطوارها ، ويدرك أسرار الأفعال ، فلا تتحرك حركة ظاهرة وباطنة في الملك والملكوت إلا ويكشف الله له عن بصيرة إيمانه وعن عيانه يشهدها الله قلبه علماً وكشفاً ، وهو الذي يصعد بسره في أكوان الملكوت كالشمس فلا يطاق النظر إليه ، وصفته أن يكمل الأعمال بالعلم و الأحوال  بالسر .

العارف : هو من يشغله علم الله تعالى عن جميع الأسباب ، فإذا نظر إليه الخلق استجهلوه ، ويكون أبداً في ميدان العظمة ولِهاً بين الخلق ، فإذا رأوه استجنوه ، ويكون بكليته فانياً بحب جلال عظمته تعالى ، مشغولاً عن من سواه ، فإذا أبصروه استدهشوه ، ولا يقدر أحد يخبر عن المعرفة بالله تعالى ، فإنها منه بدت وإليه تعود ، فالعارف فانٍ تحت اطلاع الحق تعالى باقٍ على بساط الحق بلا نفس ولا سبب ، فهو ميت حي وحي ميت ، ومحجوب مكشوف ، ومكشوف محجوب ، تراه والهاً على باب أمره هائماً في ميدان بره ، متدللاً تحت جميل ستره ، فانياً تحت سلطان حكمه باقياً على بساط لطفه ، العارفون صارت أنفسهم فانية تحت بقائه وسلطانه عن كل حول وقوة ، تراهم باقين بحوله وقوته ، متلاشين عن كونهم وأسبابهم تحت جلال ألوهيته ، ملوكاً به دون مملكته فقرهم به وغناهم وعزهم به وذلهم به .

العارف : لا يكون عارفاً إلا إذا عرف الله من كل الوجوه . ولكلٍّ وجهة هو موليها . وليس للعارف إلا وجهة واحدة ، وهي ذات الحق :  فَأَيْنَما تُوَلّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ   ، أي : أينما تولوا حواسكم في المحسوسات ، أو عقولكم في المعقولات ، أو أوهامكم في الموهمات ، فثم وجه الله ، ففي كل أين عين ، والكل لا اله إلا الله .

 العارف : هو من طهر قلبه ، وزكت نفسه ، وأفيضت عليه الأنوار من قبل الواحد الأحد ، وهباً وفضلاً .

العارف : هو الغريب في الدنيا والآخرة … زهد في الدنيا كما زهد في الآخرة ، والزهد في الآخرة لا تشغله الدنيا والآخرة عن ربه عز وجل لا يسكن إلى شيء سواه حتى يقيده عنه ، فلا جرم يكون غريباً فيهما .

العارف : يجري في دقائق المعاني ، ويظهر كل معنى غامض على العلماء ، وأن يفصل مقامات الكشف ورتبته وأذواقه ، ويعرف كيفية التفريق بين المقامات والحضرات ، والعالم ثابت على ظاهر الكتاب والسنة .

العارف عقله نورٌ ، وقلبه نورٌ ، وروحه نورٌ ، ولا يزال ينمو عليه النور حتى يصير كله نوراً ، وهنالك تصير همته خارقة ، وسريرته بارقة ، وفراسته صادقة ، فلو أن ألف ألف مثل العرش في زاوية من زوايا قلبه لما أحس به . 

العارف : هو في كل ساعة أقرب إلى الله عز وجل مما كان في الساعة التي قبلها ، في كل ساعة يتجدد خشوعه لربه عز وجل وذله له ، يخشع من حاضر لا من غائب .

العارف في الصفة : كالشمس تشرق على كل العالم ، وفي الشكل : كالأرض تتحمل ثقل جميع الموجودات ، وفي الطبيعة : كالماء به حياة قلوب الجميع ، وفي اللون : كالنار يضيء به العالم .

العارف : من تضاء له أنوار فيبصر بها عجائب الغيب .

علامة العارف : أن يكون فارغاً من الدنيا والآخرة .

العارف : ما فرح بشيء قط ، ولا خاف من شيء قط .

العارف : تبكي عينه ويضحك قلبه .

العارف : شخصه مع الخلق ، وقلبه مع الله .

العارف : ساكن ، إذ لا حركة لعارف ، فالعارف ما له حول ولا قوة ولا اختيار ولا إرادة ولا حركة ولا سكون .

العارف : هو الذي عرف شهادته وغيبه وأعطى كل ذي حق حقه .

العارف : هو من عرف شدائد الزمان في الألطاف الجارية من الله عليه وعرف إساءته في إحسان الله إليه .

العارف : هو من أشهده الله ذاته وصفاته وأفعاله بطريق الكشف وأطلعه على معرفته بالذوق والوجدان .

العارف : هو من ورد البحر دون العيون ، وأبرز حقائق المعارف والفنون .

العارف : هو الناسك الذي أرسل نفسه مع مراد الحق بكل ممكن من الفضائل .

 العارف : هو من كان بمراد الله تعالى ، فهو فانٍ عن فعله وقوله وقوته بما شاهده من الحضرة الربانية ، باق بالله .

العارف : هو المستغرق بنور الله تعالى عما سواه ، ينظر به إليه لانكشاف حجاب الغفلة عن قلبه .

العارف : هو من إذا صمت بانت له الكائنات بما كان ، وإذا نطق أجابته سائر الألحان .

العارف بين البر والذكر ، لا الله يمل من بره ، ولا العارف يشبع من ذكره .

العارف : من غاص البحار وما حار ، وجاب الفيافي والقفار ، وما سار ولا خفي عن العيون والأبصار .

  العارف : هو الخليفة على كافة الخليقة ، الساري على شمس الشريعة التي هي عين الطريقة وذات الحقيقة .

وإن أعظم آيات العارف أن تراه : يواكلك ويشاربك ويمازحك ويبايعك وقلبه في ملكوت القدس .

لا يصلح لمتعبد ولا لمتفقه مجالسة أرباب المواهب من العارفين ، فإنه قد يكون ضعيف الهمة ضيق الصدر قاصر النظر قد يرى ما يخالف ما عنده فينكره فيهلك ، والعارفون قد أرتفع نظرهم فلا يرون أفعال الخلق ، ولهم في كل فعل نية وقد قصر نظرهم على الباطن فقط ، وينظرون إلى الخلق نظر الرحمة . والعالم يجالسه العباد والزهاد والفقهاء .

العارفون : هم الطائفة العظمى أصحاب الولاية الكبرى المكتسبة بالتخلق والتحقق ، وهم النازلون في العالم منـزلة القلب من الجسد ، فهم تحت حكم طريق الحق تعالى وتحت رتبة أنبيائه وفوق العامة بالتصريف وتحتهم بالافتقار .

العارفون بالله : هم أفضل الخلق ، واتقاهم لله تعالى ، لأن العلم يشرف بشرف المعلوم وبثمراته ، والعلم بالله وصفاته أشرف من العلم بكل معلوم ، ولا شك أن معرفة الأحكام لا تورث شيئاً من هذه الأحوال . وأكثر علماء الأحكام مجانبون للطاعة ، ويغلب عليهم عدم الخشية . ومما يدل على تفضيل العارفين بالله على الفقهاء ، ما يجريه الله على أيديهم من كرامات ، ولا يجري شيئاً منها على أيدي الفقهاء ، إلا أنهم يسلكوا طريق العارفين ، ويتصفوا بأوصافهم .

الفقهاء استفرغوا المجهود في تحرير الإقامة بالإتيان بالعبادات أو أركانها وسننها وآدابها المتممة لها ، وسموا ذلك : فقهاً والماهر فيه : فقيهاً . والعارفون استفرغوا المجهود في تحرير الإتيان بالعبودية بحقائقها وشروطها وآدابها المتممة لها ، وسموا المتمكن في ذلك : عارفاً أو صوفياً ، وعلمه : معرفة وتصوفاً .

____________

الهوامش :-

موسوعة الكسنزان في ما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان : للسيد الشيخ محمد الكسنزان الحسيني .

الفتوحات المكية : للشيخ محيي الدين بن عربي .

حالة أهل الحقيقة مع الله : الشيخ أحمد الرفاعي .

أضف تعليقاً

Follow by Email
YouTube
YouTube