يقول الشيخ ولي الله الدهلوي : 

« الوجدان في حد ذاته لا يكون إلا مطابقاً للواقع .

ويرد على هذه القاعدة ما سألني عنه رجل فقال : ما تقول في كلامين متناقضين للشيخ محي الدين بن عربي ، فأحدهما صادق لا محالة والآخر كاذب.

قلت : هذا يرجع إلى اختلاف الألسنة . تفصيل هذا : أن لهذا الشخص الإنساني حقائق متكثرة ولكل حقيقة خواص وعلوم ، ولكل خاصة لسان يعبر عنها .

فربما تجرد العارف إلى الحقيقة الشخصية ، وربما تجرد إلى الحقيقة الإنسانية ، وكذا الحيوانية … وربما تجرد إلى الوجود الناسوتي ، وربما تجرد إلى الوجود الروحاني ، وربما تجرد إلى الوجود الجبروتي ، وهو يتكلم بكل لسان ولا يجب أن يجمع كل الألسنة في حالة

واحدة . فربما بقى بحقيقة وتكلم بها وذهل عن الحقائق الأخرى ، ثم بقى بحقيقة أخرى فاختلف كلامه ، وليس في الحقيقة تناقض .

قال السائل : ما تقول في مثل اختلاف كلامه في إيمان فرعون وكفره ( فالشيخ في تأليفه الفصوص أثبت إيمان فرعون ، وفي الفتوحات المكية أنكر إيمانه ) .

قلت : الوجدان في الحقيقة أن تجد في ذاتك شيئاً كما يجد صاحب خلو المعدة الجوع وصاحب الامتلاء الثقل ، فكذلك لو تجردت إلى نفسك ، أعني مزاجك من حيث قبل فيضاً شرّياً ، وجدت حب المعاصي والإفساد في الأرض .

ولو تجردت إلى قالبك ، وجدت حب المأكل والمشرب وسائر ما يتقوم به البدن أو يقتضيه .

ولو تجردت إلى قلبك أعني روحك من حيث اختلط بالطبيعة ولم يقبل فيضاً شرّياً بل ملكياً ، وجدت إلهام الملائكة والانشراح والانفساح .

ولو تجردت إلى روحك أعني وجودك الذي قضى به رب العالمين قبل أن يخلق الإنسان بألفي عام ، انتفى عنك كل شر اقتضته نفسك وكل انشراح ونور وإصلاح بين الناس وألفة ألهمه الملك وبقى حكم المثال وفيه القوى الفلكية .

ثم لو تجردت إلى سرك ، وجدت تدبيراً واحداً في الوجود يتلون ألواناً . فهذا كله نوع من الوجدان .

أو أن تجد في نفسك حالة انطبعت فيك حين توجهت إلى حقيقة شاهقة ، أو سافلة كما تنطبع الصورة في المرآة ، فتجعل هذه الحالة المنطبعة في نفسك آلة لملاحظة ما عليه ذلك الشيء كما تجعل المرآة آلة لملاحظة ما خفي عنك ، وهذا نوع ثان من الوجدان .

فالوقائع الخارجية علمها بالوجدان إنما يكون بوجوه :

منها أن يتمثل لك شيء في المنام أو يتكلم معك ملك ، وهذا مختلط بالحس محتاج في الأكثر إلى التعبير اللهم إلا لنبي مرسل .

ومنها أن تتوجه إلى تدبير الله في خلقه ، وهنالك معدات ومقتضيات للشيء ومقتضيات لعدمه ، ثم يقضي الرحمن بالخير النسبي . فربما انطبع فيك اقتضاء فتكلمت به ولم ينطبع فيك ما آل إليه الأمر بعد اجتماع الاقتضاءات وقضاء الرحمن بالخير يومئذ ، فأمثال هذه قد يقع فيه اختلاف وتناقض ، ولكن غرض العارف بيان ذلك الاقتضاء فقط وهو صادق فيما قال إثباتاً ونفياً ، ولا يتعلق غرضه بالواقعة إلا على الفرض … فإن تأملت حق التأمل فليس في الوجدان تناقض »(1) .
__________

الهوامش

(1) – الشيخ ولي الله الدهلوي – التفهيمات الإلهية – ج1 ص20 – 22 .

أضف تعليقاً

Follow by Email
YouTube
YouTube