سمة الحروب والغزوات على المستويين الاممي والقلبي هي التي كانت سائدة في عصر نزول الرسالة الإسلامية ومعها كانت الفوضى الاجتماعية فلا حدود ولا قيود لمنظومة أخلاقية ، ولا ركائز لعقائد أو أفكار او ثقافات ، ورياح الهوى والانحلال والتجبر والتعسف تهب هنا وتضرب هناك ..

كان لتلك المجتمعات جذور دينية سماوية او غير سماوية ولها ايضا خلفيات أخلاقية متمثلة بتركيبات الأعراف  والتقاليد الاجتماعية ، ولكن كل ذلك بدى وقتها وكأنه هامشيا في دنيا الناس لكونه اقرب الى النظرية منه الى الواقع الذي كان الناس يتعايشون معه في عملهم ومعاملاتهم .

خيارات الإصلاح في خضم واقع متردي بالشكل الذي وصف محدودة جدا ، ودواعي الانهيار والتردي متكاتفة متكالبة ، والحياة على رتابتها الظاهرة تنطوي على هرج ومرج متلاطم الأمواج بين طياتها ..

ولكن ومع كل ذلك كان لدى العرب ثوابت تمسك بها أفاضلهم وهم كثر بل تعصبوا لها فكانوا يحرصون على المحافظة على الأنساب والأحساب ، وكان لديهم اعتزاز بالكلمة الفصيحة والأسلوب البليغ وهوى بالسجال والمفاخرة فظهرت عندهم نجوم في الخطابة وفطاحل في الشعر ، حتى قيل : ان بيتا من الشعر يرفع قبيلة ويضع أخرى ، وكانوا اهل حفظ وفطنة وذكاء ، واما خُلق الكرم والسخاء عندهم فلم تشتهر فيه امة من الأمم إلى الآن كما اشتهروا فيه حتى ان احدهم لا يكون عنده الا فرسه او ناقته فيأتيه الضيف فيسارع إلى نحرها بل ان بعضهم لا يكتفي بإطعام الناس ويذهب إلى إطعام الوحش والطير ، وأما خصال المروءة والشجاعة ونجدة المحتاج ، فمما كانوا يعتزون به فيأبون ان ينتهز الضعيف او العاجز او المرأة او الشيخ ، ويأنفون الذل والضيم والاستصغار والاحتقار ..

المجتمعات الإنسانية كما النفوس البشرية فيها الخير كله وفيها الشر كله  ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها  والتركيز على هذا المفتاح في الفهم والتعامل كان خيار الإصلاح الذي انطلقت منه الرسالة الإسلامية .. فالتأمل في النفس الإنسانية ومعرفة الخصائص المشتركة بين الفرد والمجتمع واكتشاف حلقات الربط الخفية التي تجعل الجزء الواعي يؤثر في لاوعي الكل هو ما انتهى إليه رسول الإنسانية  خلال خلواته وانقطاعه في كهف النور .

ان التعامل مع النفس الإنسانية من خلال معرفتها على ما هي عليه وبما ينبغي ان تعامل به يرتقي بالمصلح فوق الإقليمية والعرقية والمذهبية والطائفية وكل الفوارق والتمايزات التي تفرضها النظرة الأحادية ، وهذا الارتقاء الفوقي يكسب حلول المصلح بعدا عالميا شموليا وكأن قوانينه أدوية بايولوجية تعالج الجسم ابيضا كان او زنجيا .

ان المصلح الإسلامي الكامل ينطلق من قاعدة ربانية تتمثل في السعي نحو التجديد والتطوير والتغيير انطلاقا من قوله تعالى :  ان لله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم  فالنفس الاجتماعية الواحدة وتغييرها هي حجر الأساس في إعادة هيكلة وبناء المجتمع الإنساني بشكل عام ، والتغيير يقتضي المعرفة بمواطن الخلل اولا وسبل الإصلاح النفسي ثانيا وأخيرا السعي الجاد في السير على الطرق الموصلة نحو التغيير.

إيجاد الحلول والإصلاحات لا تستورد من الخارج بل تنبع من النفس اذا ما زكت وتنورت فوقتها تدرك الحقائق على ما هي عليه وترى الأمور بالمنظار الذي ينبغي ان تراها به ، مواكبة لعصرها ووقتها ، ومستفيدة مما هو متوفر في واقعها ومحيطها بالشكل الأمثل الذي يحقق أهدافها والصورة الأكمل التي توصلها إلى غايتها . هذه الحقيقة تجسدت بشكل واقي ملموس بعد خروج رسول الله  بالرسالة الإسلامية ، التي أعطت حلولا جذرية لواقع عالمي ، فلم تنكر واقعها كله ، ولم تأخذ به كله ، بل زكت ما يناسب أهدافها في الإصلاح الإنساني العالمي وقننت البعض الآخر ونهت عن بعض .   

أضف تعليقاً

Follow by Email
YouTube
YouTube