للأستاذ الدكتور الشيخ نهرو الشيخ محمد الكسنزان الحسيني
مؤسس المركز العالمي للتصوف والدراسات الروحية

 

ان يكون الإنسان وليا من أولياء الله تعالى هو من أسمى الغايات التي تدعو لها الرسالة الإسلامية ، بل لعلها الغاية الأسمى في الدين على وجه الإطلاق ، ومعنى أن يكون الإنسان وليا لله تعالى هو أن تتوازن عنده كفتي ( لإيمان والعمل والصالح ) في كل تفصيلة من تفاصيل حياته الروحية والاجتماعية ، أي أن حياته الروحية المتمثلة بعلاقته الباطنية مع الله تعالى تمد حياته الظاهرية المتمثلة بعلاقته مع المجتمع بما يجعلها فعالة وإيجابية ، وبالمقابل فإن حياته الاجتماعية بما فيها من ممارسات صالحة ومبدعة تؤجج مشاعر الإيمان وتزيد من استلهام القوة الروحية  لديمومتها وتواصلها إن محل الإيمان في الإنسان هو القلب لقوله تعالى : ( وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) لذا فإن كلمة المؤمن تعني من الإنسان أول ما تعنيه فإن قلبه ثم يمتد معناها ليعم كل ملكاته الباطنة وجوارحه الظاهرة ، وأما محل العمل الصالح فهو سائر جسم الإنسان .

فإذا كانت القضايا الإيمانية ذاتية تربط الإنسان بالله تعالى روحيا فإن أعمال الإنسان لها علاقة بالمجتمع الذي يحيا فيه تأثرا أو تأثيرا والأساس الذي تقوم عليه عقيدة الولاية في الإسلام هو تعميق رابطة الإيمان بالله تعالى من جهة واستحضار كمالاته القدسية تعالى قليا للتفاعل مع العمل الذي يقوم به المرء في حياته الدنيا من جهة أخرى وبهذا يصبح الإنسان وكأنه واسطة لتحقيق مراد الحق في الخلق . ومعنى هذا إنه لا فصل بين الجانب الروحي والجانب الظاهري في عقيدة الولاية الإسلامية على اختلاف مستويات هذين البعدين ، قال : ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرء ما نوى ) في إشارة منه ص الى ضرورة الترابط بين باطن العبد وظاهره في أقواله وأفعاله .

إن التناسق بين الجوانب الإيمانية التي محلها ( القلب ) وبين الأعمال الصالحة التي محلها ( الجسم ) يرتقي بالإنسان الى مراتب الاستقامة ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) ، فقولهم : ( ربنا الله ) يدل على الإيمان ، والاستقامة تدل على العمل الصالح ومن يفعل ذلك فجزاءه أن لا خوف عليه ولا هو يحزن وهذه هي مرتبة الولاية في الإسلام لقوله تعالى : ( أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) . والإنسان في هذه المرتبة يصبح مع الحق من جهة ومع الخلق من جهة أخرى فلا تتعطل عنده الظواهر كما هو الحال في الرهبنة و لا تنطمس عنده الروحانية كما هو عند من تتغلب عليهم المظاهر المادية .

كان حضرة الرسول  الأستاذ الأعظم في مجال الروحانيات بلا خلاف وكان حضرته في الوقت نفسه السياسي والعسكري والاجتماعي والاقتصادي .. وقد عقل الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم ذلك عن رسول الله عقل ورعاية ولهذا استمرت بعد رسول الله دولة الخلافة الراشدة تبث في الأرجاء هذا النهج التكاملي للشخصية الإنسانية ، وكان من الصحابة الكرام القادة والولاة والحكماء .. وكان أكابرهم ينبهون على هذه الموازنة ، يقول حذيفة بن اليمان رض : << ليس خيركم الذين يتركون  الدنيا للآخرة ، ولا الذين يتركون الآخرة للدنيا ، ولكن الذين يتناولون من كل >> فأثمر لهم النهج القرب من الله تعالى والقرب من الناس ، فأحبوا الله تعالى وأحبوا بعضهم بعضا وأحبوا الخير لأنفسهم وللناس أجمعين فكان ذلك تجسيدا واقعيا للرحمة المهداة التي زرعها الله تعالى في قلوبهم ..

وعلى أثرهم قال الصوفية بضرورة الجمع بين الاعتقاد والعمل ، فقد اثر عن الشيخ الحسن البصري أنه قال << ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل ، وإن قوما خرجوا من الدنيا ولا عمل لهم وقالوا : نحن نحسن الظن بالله وكذبوا ، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل >> ، بهذا الصورة يؤكد الصوفية على تمسكهم بشقي الإيمان والعمل الصالح دونما أي فصل بينهما فالإيمان الذي يكرم الله به المؤمن وينجيه من النار عندهم ليس مجرد كلمة يقولها بلسانه دون عمل وليس أمنية يتمناها ترفع بها درجته عند ربه ، فما أهون الكلام المجرد عن العمل يصدقه ، وما أكثر الأماني عند المفلسين من كنز العمل الصالح وهذا يلتقي مع الحديث الشريف ( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ) .

كان أبو جعفر الحداد شيخ الجنيد البغدادي يخفي توكله عشرين سنة من خلال كسبه في السوق كما قال ، وكان ينفق ما يحصل عليه إلا ما يسد الرمق .

لقد أدرك أهل الطريقة ما للمعيشة وضنكها من تأثير على نفس الإنسان وقد صنف سفيان الثوري المردود السلبي لهذا الضنك الى أضافة فقال : العالم اذا لم يكن له معيشة صار وكيلا للظلمة ، والعابد اذا لم تكن له معيشة أكل بدنه ، والجاهل اذا لم تكن له معيشة كان سفيرا للفساق . الأمر الذي يلزم بضرورة العمل والكسب جنبا الى جنب الإيمان ولهذا فإن حضرة الشيخ عبد القادر الجيلاني كان يحرص على أن يبتعد المريد عن كل ما من شأنه أن ينزل من مكانته الاجتماعية كالبطالة وسؤال الناس ، فكان يحث مريديه على الاشتغال بالكسب والتجارة بشرط أن يراعوا قواعد الأخلاق والأمانة .

وهو ما أكد عليه مشايخ الطريقة في كل زمان ، يقول حضرة السيد الشيخ عبد الكريم الكسنزان  : << على المريد أ يستغل وقت الفراغ من العمل ليشتغل بالأوراد والأذكار ، فالمريد عامل وذاكر ، طالب وذاكر ، موظف وذاكر موظف وذاكر ، أي يجب ان يتقيد بالمهنية الدنيوية والأعمال الأخروية معا >> .

أن مرتبة الكمال في الرسالة المحمدية تحقق في الإنسان الذي يستطيع التوفيق بين الإيمان بما يتضمنه من أبعاد روحية وقلبية وبين العمل الدنيوي الذي يرد من وراءه صلاح نفسه ورقي مجتمعه . وصيغة هذا التوافق يوضحه بشكل جلي حضرة الشيخ عبد القادر الجيلاني  : << الدنيا في اليد يجوز ، في الجيب يجوز ، ادخارها بنية صالحة يجوز أما في القلب فلا يجوز >> والنية الصالحة التي تبرر ادخار الدينا هي أن تستخدم للإنفاق على الفقراء أو << لصالح عيال الحق عز وجل >> وبهذا يتحدد التصور الصوفي لغرض إصلاح القلب وسلامته من الشواغل التي تحجبه عن الله تعالى ويتحدد مع الإصلاح الاجتماعي الذي يستهدف محاربة الفقر والاحتكار والترف ويعمل على إنصاف الفقراء ، ففي القادرية أن لا يلتفت قلبه للدنيا ، وهو يأخذ منها لينفق على الفقراء ومنهم نفسه << من أخذ من الدنيا على هذه الصفة لا تضره بل يسلم منها ويصفو له أقسامه من نتن كدرها ، فحينئذ يعطي لكل ذي حق حقه بين يديه >> ، ومن هنا قال حضرة الشيخ محمد الكسنزان  : ( أحد أوجه الكمال : أن تملك كل شيء ولا يملكك شيء ) .

إن مرتبة إعطاء كل ذي حق حقه هي مرتبة الإنسان الكامل المؤهل لخلافة الله تعالى في الأرض وهي الغاية العظمى التي جاء الإسلام لتحقيقها في دنيا البشر ، وقد أجتهد أهل الطريقة في إتباع حضرة الرسول الأعظم ص والإقتداء بالصحابة الكرام للوصول والتحقق بهذه الغاية ما أمكنهم ذلك ، ولا زالت قوافلهم تجتاز الأقطار والأمصار ، ليلتحق بها من كتبت له السلامة من يوم الندامة ، ولآت حين نندم .


المصدر : مجلة الكسنزان – مجلة فصلية تصدر عن رئاسة الطريقة العلية القادرية الكسنزانية.

العدد 6 خريف 2008

 

أضف تعليقاً

Follow by Email
YouTube
YouTube