المقامات في الطريقة الكسنزانية – التوكل

التوكل لغة : إظهار العجز والاعتماد على الغير , اتكل فلان في أمره إذا اعتمد عليه , وواكله مواكلة إذا اتكل كل واحد منهما على صاحبه (1) .
وهو الأيمان بقدرة الله تعالى على أردة الأمور وتوجيهها والتصرف بالعبد كيفما يشاء سبحانه وتعالى , وعند ذلك يسلم العبد الأمور لله ويوكلها اليه وهو أول المقامات في الطريقة فبدون التوكل لا يدخل المريد ولا يعد سالكا في الطريق القوم .


مشروعية التوكل في القران الكريم وردت في آيات عديدة منها
قال تعالى : ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه)(2) .
وقال تعالى : ( وعلى الله فليتوكل المؤمنون)(3) .
وقال تعالى : ( فإذا عزمت فتوكل على الله)(4) .
إن الله سبحانه وتعالى جعل التوكل من صفات المؤمنين وقرنه بالأيمان فالإنسان المؤمن المتوكل يعتمد بقلبه على الله سبحانه وتعالى ويعتقد حق الاعتقاد بان الله هو المعطي للأشياء منعا أو بسطا وان العبد بحركته وجهده لا يزيد في الرزق وبترك الطلب لا ينقص من رزقه مع عدم ترك الأسباب لان الله سبحانه وتعالى قسم الأرزاق فمنها يأتي يطاب ومنها يأتي بلا طلب , قال الرسول ﷺ : ( لو توكلتم على الله حق توكله أرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتعود بطأنا)(5) .
وهذا توكل العامة , إما توكل أهل الطريقة السالكين فيكون في أمر الآخرة التي لم يعلموا أمرها أما الرزق في الدنيا فقد علموا إن الله كفى العباد ذلك .
قال الشيخ الحسن البصري قدس الله سره : ( من توكل وقنع ورضي أتاه الشيء بلا طلب )(6) .
وقال ابرهيم ابن ادهم : (التوكل إن يستوي عندك أفخاذ السباع والمتكئ على الحشايا )(7) .
وقال يحيى بن معاذ: ( التوكل ثلاث درجات أولها ترك الشكاية والثاني الرضا بالمــقسوم والــثالث المحــبة )(8) .
ويرى ابن معاذ إن ترك الشكاية هو من صفات المتوكلين الصالحين أي استسلام واعتماد على الله في جميع الأحوال سواء كانت يسرا وعسرا وإما الرضى بالمقسوم فيعدها من صفات الموكلين الأبرار , وإما توكل المحبة لله فيرى ابن معاذ انه توكل الأنبياء . وحقيقة التوكل هي الاعتماد الكامل على الله سبحانه وتعالى والثقة التامة به.
قال ذو النون :(التوكل ترك تدبير النفس ونخلاع من الحول والقوة )(9) . ولقد ظهرت أول حالة التوكل بين الصحابة عند أبي بكر الصديق رضي الله عنده عندما سأله الرسول ﷺ : ( ماذا تركت لأولادك). قال : ( تركت لهم الله ورسوله ).
وحقيقة التوكل هي إن يندمج التوكل بالفناء أي بمعنى نسيان التوكل فيكون حالة الطبيعة تصدر بشكل طبيعي لا شعوري أي انه لا يكون من الأعمال التي يشغل بها في السلوك وإنما هو حالة مر بها المريد وانطبعت في نفسه .
قال السيد الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس الله سره : ( يا موتى , القلوب , ما قعودكم عندي ؟ يا عبيد الدنيا والسلاطين , يا عبيد الغلاء والرخص , لو بلغ ثمن حبة من الحنطة دينارا لا أبلي , المؤمن لا يهمه رزقه لقوة يقينة واتكاله على ربه عز وجل لا تعد نفسك من المؤمنين انعزل منهم سبحان من أوقفني بينكم ) .
الأقسام قد فرغ الله عز وجل منها , لا يزيد فيها ذرة ولا ينقص منها ذرة . قال النبي ﷺ : ( فرغ الله عز وجل من الخلق والرزق و الأجل , قد جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة) لا تشتغلوا بطلب ما قد قسم فان ذلك الاشتغال لعب وحمق . جميع أحوالكم قد دبرها الله عز وجل وأرخها في أوقات معلومة . ما دامت غير مطمئنة بالمجاهدة فهي لا تؤمن بهذا , ولا تترك الحرص اللجاج قبل الطمأنينة , تؤمن به دعوة باللسان . كونوا عقلاء , تهذبوا بما أقول لا تشتغلوا بطلب القدور المكون الذي لا بد منه ومن وجده عندكم ومجيئه أليكم في أوقاته المؤرخة في علم الله عز وجل .
عن النبي ﷺ : ( لو قال العبد اللهم لا ترزقني لزرقة على رغم انفه). يا غلام , إن الدين عند الله الإسلام , وحقيقه الإسلام الاستسلام . عليكم بتحقيق الإسلام ثم بتحقيق الاستسلام . صفوا ظواهركم بالإسلام وصفوا بواطنكم بالاستسلام سلموا أنفسكم إلى ربكم عز وجل . اجعلوا جميع ما يأتي به قدر مقبولا عندكم . ربكم اعلم بكم منكم .
ارضوا بكلامه موقفين . استقبلوا أوامره ونواهيه بيدي القبول . استقبلوا دينه بكل قلوبكم , اجعلوه شعاركم ودثاركم . اغتنموا حياتكم قبل المجيء يوم لا مرد له من الله , وهو يوم القيامة . ويلك لا تكن أبلها تنازع الله عز وجل , وتناظره بحماقتك وجهلك , فتخاطر براس مالك الذي هو دينك . أغمض , اطرق , تأدب , اعرف من أنت , اعرف قدرك , وما ذلك إلا بان تعرف نفسك . أنت عبد والعبد وما يملك لمولاه , ليس له في نفسه تصرف . العبد يجب عليه إن يترك أرادته لا إرادة سيده , اختيار لا اختياره , قوله لقول سيده . أنت تترواح على الله عز وجل لأجل نفسك والقوم يتوقحون على ربهم لأجل الخلق , يسألونه فيهم ويحلونه عليه لأجلهم . هم الذين ودعوا الخلق , طهروا قلوبهم عن الخلق , لا يبقى في قلوبهم ذرة من الخلق , هم قيام معه وبه وله . هم في بسط كلي بلا قبض , عز كلي بلا ذل , عطاء كلي بلا حرمان , أجابه كلية بلا منع , قبول كلي بلا رد فرح كلي بلا ترح , قدره بلا عجز , قوة بلا ضعف , نعمة بلا نقمة , قد البسوا خلع الكرامة وسلم إلى أيدي قلوبهم التوفيق بالتفويض والتمكين والتكوين , صار التكوين في أيديهم كنزا لا ينفذ , ومعينا لا ينضب . كلما خافوا زادهم أمنا , كلما تأخروا قدم لهم . لهم قول مسموع , وشفاعة مقبولة . فوض اليه ممك أليهم ملك الدنيا والآخـرة مـن وراء معـقول الخلق ,  ينادون فـي المـلكوت عظماء )(10) .
وقال الإمام القشيري : ( واعلم إن التوكل محله القلب والحركة بالظاهر لا تنافي التوكل بالقلب بعدما تحقق العبد إن التقدير من قبل الله تعالى , فان تعسر شيء بتقديره وان اتفق شيء فبتيسيره) .
والمتوكل يجب عليه إن يتخذ الأسباب إقتداء برسول الله ﷺ قال تعالى : (لقد كان لكم في الرسول الله أسوة حسنة لم كان يرجوا الله واليوم الأخر وذكر الله كثيرا)(11).
وقال سهل ابن عبد الله ألتستري : (التوكل حال النبي ﷺ والكسب سنته فمن بقي على حاله فلا يتركن سنته) . وقال أيضا : ( من طعن في حركة فقد طعن في السنة ومن طعن في التوكل فقد طعن الأيمان ) .
ويعرف سهل بن عبد الله التوكل فيقول : ( التوكل هو الاسترسال مع الله تعالى على ما يريد , أي الاسترسال مع الله في كل ما أرده سبحانه وتعالى في الجهاد , في الضرب في الأرض طلبا للرزق . في التزود من معلم , في حسن الخلق وهذا يقضي إن يسكن الإنسان إلى النتائج بعد إن يكون قد اتخذ الأسباب بقدر طاقته ويقضي أمرا أخر هو الابتعاد عن كل ما لا يريد سبحانه وتعالى ) .
ومن أثار التوكل عدم الاعتماد على احد من البشر أيمانا بان الخالق الرازق الفعال لك شيء هو الله وان من دونه لا يملكون ضرا ولا نفعا . ومن أثار العملية للتوكل تعويد الإنسان على احترام نفسه وذلك بحفظ كرمتها وترفعها عن المذلة والمهانة بسؤال الناس والتسول والطلب منهم وهذا ظاهر فيما حدث مع ابرهيم بن ادهم , وكما روي عن حذيفة المرعشي وقد كان خدم إبراهيم بن ادهم، فقيل له : ما عجب ما رأيت ؟
فقال :  بقينا في طريق مكة أياما لم نجد طعاما ,ثم دخلنا الكوفة فأوينا إلى مسجد خراب فنظر إلى ابرهيم وقال يا حذيفة أرى بك الجوع .
فقلت : هو ما رأى الشيخ .
فقال : علي بدواة وقرطاس . فجئت به اليه فكتب بسم الله الرحمن الرحيم . أنت المقصود إليه بكل حال , والمشار اليه بكل معنى , وكتب شعرا .
أنا حامد أنا شـاكر أنا ذاكر    أنا جائع أنا ضـائع أنا عار
هي ستة وأنا الضمين نصفها    فكن الضمين لنصفها يا باري
مدحي لغيركم لهب نار خضتها   فاجر عبيدك من دخول النار
ثم دفع إلي الرقعة فقال : اخرج ولا تعلق قلبك بغير الله تعالى وادفع الرقعة إلى أول من يلقاك , فخرجت فأول من لقيني كان رجلا على بغلة , فناولته الرقعة فأخذها فلما وقف عليها بكى , وقال : ما فعل صاحب هذه الرقعة ؟
فقلت : هو في المسجد الفلاني , فدفع إلي صره فيها ستمائة دينار , ثم لقيت رجلا أخر فسألته عن راكب البغلة.  فقال: هذا نصراني , فجئت إلى إبراهيم وأخبرته بالقصة. فقال : لا تمسها فانه يجيء الساعة , فلما كان بعد ساعة دخل النصراني واكب على راس إبراهيم يقبله واسلم (12) .


الهوامش :
(1) الفخر الرازي- مختار ألصاح .
(2) الطلاق : 3 .
(3) أل عمران : 122 .
(4) أل عمران : 159 .
(5) رواه ابن ماجه في السنن والترمذي وابن حنبل .
(6) النيسابوري تحقيق يوسف زيدان – مقدمة في التصوف وحقيقته – ص42.
(7) المصدر نفسه ص45 .
(8) المصدر نفسه ص47 .
(9) المصدر نفسه ص48 .
(10) الناشر السيد الشيخ محمد الكسنزاني : جلاء الخاطر من كلام الشيخ عبد القادر – ص23.2,21 .
(11) الأحزاب : 21 .
(12) الغزالي – أحياء علوم الدين – ج4ص336 .


المصدر :
السيد الشيخ محمد الكسنزان : كتاب الطريقة العلية القادرية الكسنزانية – ص216 – 220 .

أضف تعليقاً

Follow by Email
YouTube
YouTube