المعرفة وحدودها عند محي الدين بن عربي تأويل الوجود تأويلاً متجدّداً على الدوام

عمر كوش

يمثل محي الدين بن عربي إحدى الشخصيات النادرة التي شكلت معايير عصرها وعقائده، وهو يملك خطاباً ذا خصوصية، لا تجعله يقف خارج التاريخ ولا الجغرافيا، أي خارج الزمان والمكان، شأنه في ذلك شأن كل خطاب إنساني. وابن عربي: هو أبو بكر محمد بن عربي الطائي (نسبة إلى قبيلة طيء العربية)، ولد في “مرسية” على الساحل الشرقي للأندلس سنة 560 هـ/ 1164 م، وتوفي في دمشق سنة 638 هـ/ 1230 م، وكان يُعرف بابن سراقة. كان أبوه علي بن محمد من أئمة الفقه والحديث، ومن أعلام الزهد والتقوى والتصوف، فيما كان جده أحد قضاة الأندلس. نشأ ابن عربي وترعرع في الأندلس. عرف الصوفية وانضوى تحت لوائها، حين كان التصوف في تلك المرحلة شكلاً من أشكال الوعي الفلسفي العربي ـ الإسلامي في العصر الوسيط.

وتنهض الصوفية في جوهرها على تجربة انفتاح الأنا على المعنى الباطني للوجود كلّه. لكن هذا الانفتاح مرهون بالقدرة على التواصل بين الأنا والكون التي هي جزء منه، ولذلك فإنه من الطبيعي أن تمثّل التجربة الصوفية تجربة لاحقة لتجربة الوحي النبوي، مع أن الفارق بين تجربة النبي وتجربة الصوفي يكمن في أن التجربة الأولى تتضمن الإتيان بتشريع جديد، فيما يكون فهم الوحي النبوي بالاتصال بالمصدر نفسه، هي مهمة العارف في التجربة الصوفية، وهذا التشابه والتوازي بين التجربتين يؤسس تشابها لغوياً من حيث بنية لغته التعبيرية.

وشكّل التصوف والتجارب الصوفية مقترباً في الوجود والحياة، وأياً كان جوهر التصوف ومحتويات الصوفية، وهي شديدة التنوع والتفرع، فإن الصوفية هي نمط حياة، أو شكل من أشكال انكشاف الإنسان في الزمان. وقد نهض التصوف في الإسلام، أو ما يعرف بالتصوف الإسلامي، على منهج استنباطي للصلة بين النفس والإله، حيث إن لكل متصوف طريقته الخاصة في السير نحو الذات العلية. لذلك تكمن حقيقة التصوف في مجموعة التجارب الذاتية للمتصوفة. وعلى الرغم من اختلاف مضامين ومواضيع ومنطلقات تجارب المتصوفة، فإن هذا لا يلغي وجود صلات تقارب واتصال وتفاهم بينهم في مختلف الجوانب الروحية والفكرية والسلوكية ضمن إطار التجربة الصوفية ومنطقها. ذلك أن التصوف في الإسلام اتصل بالفلسفة وتداخل معها إلى درجة اعتبر فيها الفيلسوف صاحب تصوف عقلي، وهذا لا يلغي المنطق الخاص للتجربة الصوفية.

في هذا المجال تحاول مؤلفة كتاب “المعرفة وحدودها عند محي الدين بن عربي” الإجابة عن أسئلة هامة في التصوف، من قبيل: إلى أي مدى يمكن أن تكون المعرفة الصوفية مفتوحة؟ وما هي حدودها؟ وبالتالي ما هو وجه الاختلاف ما بين المعرفة الصوفية والمعرفة العقلية، وهل يمكن لسواد البشر إدراك أبعاد هذه المعرفة؟ وسوى ذلك من الأسئلة.

وراحت المؤلفة تستقرئ نصوص ابن عربي وكتاباته وعدداً من الكتابات التي تناولته، وتفسرها حسبما تجتهد وتمتلك من فهم ورؤية، أملاً في العثور على الإجابات عن الأسئلة المطروحة في البحث. وهي مهمة صعبة بلا شك، نظراً لأن ابن عربي ـ كما هو حال باقي كبار المتصوفة ـ كان يصرح أحياناً عن ما يريد قوله وتبليغه، وأحياناً أخرى يعمد إلى الإشارة والرمز.

ويتنازع المعرفة اتجاهان أو نهجان: الأول هو النظر العقلي، والثاني هو الكشف الصوفي، وعليه فإن مفهوم المعرفة يجب أن ينظر إليه ليس بوصف ابن عربي متصوفاً يسلك طرق الكشف وحسب، بل بوصفه فيلسوفاً يلجأ إلى النظر العقلي كذلك، إذ هو يُعقلن عالم الغيب، ويشرح ترتيب وتدبير الكون بصدوره عن الواحد المتجلي في تجليات عديدة. ويشرح كذلك في جدل نازل تجليات الحق، وفي جدل صاعد ترقي الإنسان بالتجربة الصوفية إلى مرتبة الألوهية.

وقد أكد ابن عربي على أهمية دور العقل في تحصيل المعرفة، وتراه لا يرفض معرفة الفيلسوف العقلية، ويعطي للحواس والخيال دورين كبيرين في تحصيل المعرفة. وكان يرى أن قوى الجهاز الإدراكي عند الإنسان واحدة، وفسّر الرؤية تفسيراً عقلياً، كما فهم طبيعة الوجد الصوفي فهماً فيزيولوجياً اعتماداً على المعطيات العلمية في عصره. ومع ذلك تبقى قدرة العقل محدودة وعاجزة عن معرفة الله، لأن هنالك طوراً آخر هو طور ما وراء العقل، الذي يمثل السبيل إلى معرفة الله، ومصدر هذه المعرفة هو القلب، وطريقها الكشف والمشاهدة والتجلي. وبالتالي فإنه حتى الصوفي العارف الواصل الكامل يبقى عاجزاً عن إدراك كنه الذات الإلهية، وغاية العارف هي إدراك تجليات الله بأسمائه وصفاته في جواهر الوجود.

غير أن هنالك صعوبة في تحديد مفهوم العقل عند ابن عربي، تتجسد في كونه يبني المفهوم على أساس تصوره أن المشكلة الكبرى لدى الإنسان هي مشكلة المعرفة، وليست مشكلة الوجود. وعلى أساس هذه الصعوبة في تحديد مفهوم العقل، تبدو الأهمية التي يوليها ابن عربي له في تحصيل المعرفة وكأنها شكلية، ومغلفة بغلاف ديني ـ صوفي. ولم يمنع هذا استخدامه للعقل والنظر العقلي في نقد التصورات الدينية التي طرحها المفكرون المسلمون من فقهاء ومتكلمين وفلاسفة في عصره. وهي تصوّرات يترتب عليها من وجهة نظره أخطاء تؤول كلها إلى المنع عن الوصول إلى الحقيقة المطلقة، واستخدم في هذا النقد الأدوات العقلية التي كانت سائدة في أيامه من معارف لغوية ومصطلحات وتعاريف وحجج منطقية وسواها.

ومن خلال نصوص ابن عربي وتأويلها، تبيّن المؤلفة أن المعرفة مطلقة بالنسبة إلى الأنبياء والمرسلين، لكنها محدودة في الوقت ذاته ومغلقة عندما يطال الأمر معرفة الذات الإلهية الأحدية. في حين أن المعرفة بالنسبة إلى الأولياء، الكاملين من البشر، مستمرة ومفتوحة، لأن الولاية مستمرة، مع بقاء معرفة الذات الإلهية حجاباً وسراً مفلقاً.

وتعتبر معرفة الرسل والأنبياء والكاملين من البشر منحة إلهية، مخصوصة بأناس يصطفيهم الله. لكن ابن عربي يترك الباب مفتوحاً على مصراعيه لاكتساب الإنسان العادي المعرفة، ولا يغلق باب الكمال المعرفي في وجهه، إذ يمكن لأي إنسان أن يرتقي في مدارج المعرفة عن طريق الإرادة المجسدة في الرياضات والمجاهدات الصوفية، فتصفو نفسه، وتنجلي مرآته، وتصبح قادرة على تلقي الأنوار الإلهية بواسطة التأويل المستمر للوجود، الذي يتجدد خلقه على الدوام، وعن طريق الحب ودين الحب. فالحب عند ابن عربي أصل العبادة وسرها وجوهرها، إذ لولا المعرفة بالمحبوب ما عُبد. ذلك أن الشيء لا يعبد إلا بعد أن يخلع عليه العابد لباس التقديس، وهو لا يقدسه إلا بعد أن يعرفه ويحبه. كما أن الحب عند ابن عربي هو سبب الخلق، فلما أحب الله ذاته وأحب أن يعرف خلق الخلق.

وتخلص المؤلفة إلى أن ابن عربي يعتبر النظر العقلي ضرورياً للحياة، لكن المعرفة المحصلة بالعقل هي معرفة محدودة. ذلك أن للعقل حدوداً لا يستطيع تجاوزها، تخص معرفة الذات الإلهية. وعليه فإن للمعرفة حدوداً لا يتجاوزها العقل. ومع ذلك فإن آفاق المعرفة تبقى مفتوحة إلى ما لا نهاية، ويجب على الإنسان أن يحاول ارتيادها. لكن الأهمية القصوى في تحصيل المعرفة هي للكشف الصوفي.

وقد شق المتصوفة على طول التاريخ العربي ـ الاسلامي مسارات أساسية للتسامح الانساني الأصيل، وأبدعوا في بناء تفاصيل ومواقف تبرهن على واقعيتهم وابتعادهم عن السجال النظري والإغراق في بناء النظريات. واستخدم ابن عربي في فلسفته الصوفية كل التراث الروحي للإسلام، والتراث الروحي للبشرية المعروف في عصره. واستدعى في زمانه الغابر، التاريخ الديني بمجمله، وتمكّن من صياغته في جغرافيا كونية روحانية واحدة، ولم يلجأ إلى التمركز والفصل والإحالة، ولا إلى أفكار الصراع والصدم، ولا إلى التشويه والتحريف، بل حاول ان يعطي كل نبي من أنبياء البشرية موقعه الوجودي الذي لا يملأه سواه، بناء على منطلق يجعل من الكمال الانساني لبنة أساسية وضرورية في جدار الكمال، ويبقى على أمد الدهر حقيقة روحية محورية للمجتهدين وللسالكين والواصلين. وكان تصوره ينهض على البحث في الحقائق الوجودية الضرورية لبناء عالم روحاني واحد، طريقه المعرفة، ومسعاه إدامة التسامح، وبالتالي فإن من اللازم البحث في عالم اليوم عن ماهية المعرفة التي يمكن أن يضيفها ابن عربي الى ما نملكه من معارف حول شخصه ودوره الروحاني، وإلى تلمّس المدى الذي يمكن بواسطته معرفة مقدار مساهمة رؤية شخص من قبول الآخر والاندماج الانساني معه. فابن عربي ـ كما تشير المؤلفة ـ لم يكن متمذهباً في عقيدته الصوفية، أي لم يكن سنياً ولا شيعياً ولا منحازاً إلى أية طائفة كانت، بل كان متسامحاً، ديانته تنهض على الحب، ويحدوه الحلم بالإنسان الكامل المتعالي الذي يمكنه بناء مجد الإنسان على الأرض.
_________

المصدر : موقع نوافذ .

http://www.almustaqbal.com/nawafez.aspx?StoryID=175180

أضف تعليقاً

Follow by Email
YouTube
YouTube