الطريقة : الطريق المحمدي إلى الله عز وجل – 1 –

الطريقة : الأفعال المحمدية الشريفة

كلمة الطريقة هي المصطلح القرآني الذي يشير إلى ما اصطلح القران على الإشارة أليه بـ (التصوف) . وتبين الأدبيات المختصة بان مصطلح (تصوف) هو من المصطلحات المعقدة وذات المعاني العميقة والمتشعبة . ولعل أفضل أسلوب للتعرف على حقيقة ما يمثله التصوف هو التطرق إلى الدلالات التي تحملها التسميات العديدة التي أطلقت على من سلك درب التصوف . ومن أكثر هذه التسميات انتشارا في أدبيات التصوف مصطلحا متصوف و صوفي، ينبغي في البدء الإشارة إلى احد الأخطاء الشائعة عند الباحثين في تعاملهم مع مصطلح صوفي وذلك هو الاعتقاد بان هذه التسمية دخلت المصطلحات الإسلامية في عصور أسلامية متأخرة . ففي تفنيد هذا الرأي يشير الشيخ أبو النصر السراج الطوسي إلى أن هذه التسمية استعملت من قبل الشيخ الحسن البصري:: قدس:: تلميذ الإمام علي بن ابي طالبكرم الله وجهه وربما قبل ذلك أيضا ، فقد ورد عن الشيخ الحسن البصري قدس الله سره قوله ( رأيت صوفيا في الطواف فأعطيته شيئا فلم يأخذه وقال معي أربعة دوانيق فيكفيني ما معي ) (1). ويشير الطوسي أيضا إلى حديث ورد في كتاب أخبار مكة الذي جمع فيه عن محمد بن اسحق بن يسار وغيره فحواه أن ( قبل الإسلام قد دخل مكة في وقت من الأوقات حتى كان لا يطوف بالبيت احد وكان يجئ من بلد بعيد رجل صوفي فيطوف في البيت وينصرف ). ويعلق الطوسي على هذه الحديث قائلا (فإن صح [يقصد صيغة الحديث] (2) ذلك يدل على إن قبل الإسلام كان يعرف هذا الاسم وكان ينسب له أهل الفضل والصلاح ) (3) .
اما في اصل مصطلحي (صوفي) و (متصوف) فقد أشار إلى إن الصوفيين سموا بهذا الاسم للبسهـم الصـوف (4) ولرب من علاقة بين هذا الرأي وبين ما ذكره ابن سعد من الإمام علي بن ابي طالب ، الذي يرجع اليه المتصوفة ، (كان يوم بدر معلما بصوفة بيضاء) (5). فيما يشير الكلاباذي إلى انهم سموا صوفية لقرب أوصافهم من أوصاف أهل الصفة [صفة المسجد النبوي الشريف] الذي كانوا على عهد رسول اللهﷺ وان هناك طائفة تقول انما ( سميت الصوفية لصفاء اسرارهم ونقاء آثارهم ) (6) وحين سُئل أبو الحسن القناد عن معنى الصوفي قال بأنه ( مأخوذ من الصفاء وهو القيام لله عز وجل في كل وقت بشرط الوفاء ) (7) ، الا انه أشار أيضا إلى أن اصل الكلمة هو لبس الصوف (8) ، وقال سهل بن عبد الله (الصوفي من صفا من الكدر ، وامتلأ من الفكر ، وانقطع إلى الله من البشر ، واستوى عنده الذهب والمدر) (9) ، أما الشيخ عمر السهروردي فيقول بان الصوفي هو الذي يكون دائم التصفية ، لا يزال يصفي الأوقات عن شوب الاكدار بتصفية القلب عن شوب النفس . ويعينه على التصفية دوام افتقاره إلى مولاه ، فبدوام الافتقار يُنقى من الاكدار . وكلما تحركت النفس وظهرت بصفة من صفاتها أدركها ببصيرته الناقدة وفر منها الى ربه . فبدوام تصفيته جمعيته وبحركة نفسه تفرقته وكدره . فهو قائم بربه على نفسه. قال الله تعالى : كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ . وهذه القوامية لله على النفس هي التحقق بالتصوف (10)0
وقال بشر الحافي (الصوفي من صفا قلبه لله) (11) . الا أن القشيري يرى ان تسمية صوفي ليس لها اصل لغوي عربي وإنما يرُجح انها كاللقب ، وفي هذا يقول ( هذه التسمية غلبت على هذه الطائفة فيقال رجل صوفي والجماعة صوفية ، ومن يتوصل إلى ذلك يقال له متصوف وللجماعة المتصوفة ، وليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية قياس والاشتقاق والأظهر فيه انه كاللقب . فأما قول من قال انه من الصوف وتصوف إذا لبس الصوف كما قال يتقمص إذا لبس القميص فذلك وجه ، ولكن القوم لم يختصوا بلبس الصوف ، ومن قال انهم منسوبون إلى صفة مسجد رسول اللهﷺ فالنسبة إلى الصفة لا تجيء على نحو الصوفي ، ومن قال انه من الصفاء فاشتقاق الصوفي من الصفاء بعيد من مقتضى اللغة . وقوله انه مشتق من الصف فكأنهم في الصف الأول بقلوبهم من حيث المحاضرة من الله تعالى فالمعنى صحيح لكن اللغة لا تقتضي هذه النسبة إلى الصف . ثم أن هذه الطائفة اشهر من ان يحتاج في تعيينهم إلى قياس لفظ واستحقاق اشتقاق) (12) .
من الملاحظ أن الغالبية العظمى من التفسيرات التي جاء بها المتصوفون أنفسهم في اصل كلمتي صوفي ومتصوف هدف أساسا في توضيح دلالات هاتين الكلمتين لا تفسير اصلهما اللغوي . قال الشيخ بن حاج التلمساني يصف التصوف شعرا (13) :
ليس التصوف لبس الصوف ترقعه ولا بكاؤك إن غنـى المغــنون
ولا صـيحا ولا رقصـا ولا طرب ولا اختباط كأن قد صرت مجنون
بل التصوف أن تصـفو بلا كـدر وتـتـبع الحق والقرآن والديــنا
وان ترى خاشـعا لله مكتــئبا على ذنـوبك طول الدهر محزونـا

لقد وصف أصحاب التصوف بأجمل الأوصاف وأقربها إلى المثالية . فوصف الشيخ جنيد البغدادي سالك نهج التصوف بأنه مصدر خير مستمر في كل الأحوال بقوله ( الصوفي كالارض يطرح عليها كل قبيح ولا يخرج منها الا كل مليح ) (14) . ويقول الشيخ أبو بكر الشبلي قدس الله سرهعن قرب الصوفي من الله عز وجل ( الصوفي منقطع عن الخلق متصل بالحق كقوله تعالى : ( وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي)(15) . وقال ذو النون المصري مشيرا الى حال الرضا الدائم لسالكي طريق التصوف (الصوفي من لا يتعبه طلب ولا يزعجه سلب) وقال ايضا ( الصوفية آثروا الله تعالى على كل شيء فآثرهم على كل شيء فكان من إيثارهم ان اثروا علم الله على علم نفوسهم وإرادة الله على إرادة نفوسهم )(16). وقال ابو تراب النخشبي ( الصوفي لا يكدره شيء ويصفو به كل شيء) (17) .
اما الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس الله سره فقد وصف السائر على نهج التصوف قائلا : ( الصوفي من صفا باطنه وظاهره بمتابعة كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فكلما ازداد صفاؤه خرج من بحر وجوده وترك ارادته واختياره ومشيئته من صفا قلبه كان النبي ﷺ سفيرا بينه وبين ربه عز وجل كما كان جبرائيل . أساس الخير متابعة النبي ﷺ كما كان في قوله وفعله ، كلما صفا قلب العبد رأى النبي ﷺ يأمره بشيء وينهاه عن شيء يصير كله قلبا وينعزل على بينه ويصير سرا بلا جهر صفاء بلا كدر . اخرج الكل من القلب قلع الجبال الرواسي يحتاج الى معاول المجاهدات والصبر على المكابدات ونزول الآفات ) (18).
إن (صوفي) و(متصوف) ليستا التسميتين الوحيدتين اللتين أطلقتا عل أهل التصوف .
اذ عرف الصوفي بـ (السالك) أيضا إشارة إلى أن التصوف هو السير على الطريق الى الله عز وجل . ولان من صفات السالك على طريق التجرد من كل علائق الدنيا سوى ما يقربه من الله عز وجل فقد أطلقت عليه تسمية (الفقير) أيضا . فالفقير هو الذي يعطي كل شيء في سبيل الله ولا يأخذ احد سوى الله عز وجل . وجاء ذكر الفقراء في القران العظيم في غير موضوع ومنها قوله عز و جل: ( لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمٌْ)(19) . ومن التسميات غير العربية التي أطلق على المتصوف هي تسمية (درويش) والتي تعني (العابد ) . إلا أن التسمية الأكثر شيوعا في الوقت الحاضر هي (المريد) والتي تشير ، كما يبين الشيخ محمد الكسنزان قدس الله سره، أن سالك نهج الطريقة هو مريد الوصول إلى الله عز وجل: ( فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )(20) .
إن ما تقدم يوضح بعض دلالات كلمة (الطريقة) القرآنية من خلال مضامين كلمة (تصوف) التي تناظرها معنى . اما كلمة (طريقة) فقد جاء ذكرها في القران العظيم في اثنتين من الآيات الكريمة هما : ( قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى )(21) ، و ( إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً ) (22) . من السياق الذي وردت فيه كلمة موضوع واحد وذلك في الآية الكريمة : ( وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً )(23) .
وتخصيص الله عز وجل لكلمة (طريقة) في هذه الاية الكريمة بالذات بصيغة التعريف هو اشارة الى انها في هذا الموضوع ذات معنى خاص غير عام ، أي انها تشير الى طريق معين . فمعنى مصطلح (الطريقة) في هذه الآيات الكريمة هو ما يعرف بنهج التصوف الإسلامي إن (الطريقة) مصطلح قراني ، ولما كان (القران يفسر بعضه بعضا ) ، فلا أفضل ولا اسلم من الاستعانة بالقران العظيم لتفهم دلالات مصطلح (الطريقة ).
بالرغم من ورود كلمة (الطريقة) مرة واحدة في القران العظيم فان هناك إشارات ضمنية كثيرة لها في القران العظيم . اذ بما أن كلمة (الطريقة ) جاءت مرتبطة بفعل الاستقامة في قوله تعالى : ( وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً ) . فان الإشارة إلى (الطريقة) متضمنة في كل آية من الآيات الكريمة التي تتحدث عن موضوع الاستقامة . فعلى سبيل المثال ، بالرغم من ان مصطلح (الطريقة) لم يذكر في الآيتين القرآنيتين التاليتين : ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ )(24) ، و ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (25) ، فان كلتي الآيتين تشيران إلى (الطريقة) ضمنيا لان حقيقة معنى الاستقامة التي تتكرر في القران العظيم هي (الاستقامة على الطريقة) ، كما بينته آية الطريقة . فالطريقة هي طريق الاستقامة الذي أمر الله عز وجل الناس بسلوكه للوصول إلى الامان ومرتبة : ( فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) . تمثل ثنائية (قول ربنا الله ) و(الاستقامة) التي أكد عليها الله عز وجل في الآيتين أعلاه شكلا لغويا أخر للمفهوم المركب من (الايمان) و (العمل الصالح) الذي أشار إليه الحق في مواضع كثيرة من القران العظيم مبينا انه جوهر الصراط المستقيم وطريق الوصول إلى رحمته . فمت الآيات الكريمة التي تتحدث عن ثنائية (الأيمان ) و(العمل الصالح) قوله : ( وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً )(26) ، وقوله الكريم : ( وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ )(27) والقول بان صطلحي (الأيمان ) و (العمل الصالح ) هما عنصرا مفهوم مركب واحد وليس مفهومين مختلفين أو منفصلين يأتي من حقيقة كون الاثنين مرتبطين ببعضهما جوهريا إلى الحد الذي يجعل كل منهما يستمد أسباب وجوده من الاخر ، فلا وجود لاحدهما دون وجود الأخر . فليست هناك (ايمان ) بلا (عمل صالح ) كما أن أي عمل لا يكون (عملا صالحا) الا إذا جاء من قلب قد حل فيه (الايمان) . ففي قيام (الايمان ) على (العمل الصالح) جاء تعريف الله عز وجل في المؤمنين بدلالة اعمالهم الصالحة فقال سبحانه وتعالى : ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ )(28) كما جاء عن الإمام جعفر الصادق ﷺ عن جده رسول ﷺ : (الايمان اقرار باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالاركان ) (29) فيما تستبين حقيقة ان العمل لا يكون بمنزلة (العمل الصالح ) الا اذا صدر عن انسان مؤمن من الاية الكريمة : ( وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْماً وَلَا هَضْماً)(30) وذلك في الحديث الشريف (انما الاعمال بالنيات ) . وعلى سبيل المثال ، لا تصح (صلاة) من غير (ايمان ) ، كما ان ليس هنالك (ايمان ) لمن ليس له (صلاة) ، اذ قال الرسول ﷺ : (تارك الصلاة كافر ) وقال ﷺ: (الصلاة عماد الدين فمن ترك صلاته فقد هدم دينه) ، وقال ﷺ: (ان بين الرجال وبين الشرك والكفر ترك الصـلاة) (31) قال الجلاجلي البصري (الايمان موجب يوجب الشريعة فمن لا شريعة له لا ايمان له ولا توحيد له ) (32) وعلى نفس القياس يمكن الاستنتاج بان (قول ربنا الله ) و(الاستقامة على الطريقة ) لا يمكن ان يتواجد أي منهما في معزل عن الاخر . فالقول بالاخلاص بربوبية وواحدية الله عز وجل لا بد وان يتجسد في استقامة الافعال ، وذلك فان كل افعال تجسد الاستقامة لا يمكن الا ان تكون وليدة الايمان بربوبية الله سبحانه وتعالى وواحديته .
ان (الطريقة ) التي يجب الاستقامة عليها تفسرها الاية الكريمة :فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ (33) وهي الاية الكريمة التي لثقلها قال عنها سيدنا ﷺ : ( شيبتني هود ) . فهي الطريق الذي امر الله عز و جل رسوله الكريم ﷺ بالسير عليه . ومعالم هذا الطريق رسمته اوامر القران العظيم التي فسرها الرسول ﷺ في حديثه الشريف . وفي هذا المعنى قال الشيخ جنيد البغدادي قدس الله سره(من لم يحفظ القران ولم يكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الامر [يقصد نهج الطريقة]لان علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة ) (34) وفسر الرسول ﷺ بان الطريقة بانها افعاله الشريفة فقال في حديثه الشريف (الشريعة اقوالي والطريقة افعالي) . اذا (الاستقامة على الطريقة) ، أي العمل الصالح هي افعال الرسول ﷺ ، أي ان النهج المقصود بكلمة (الطريقة) هو الطريق السوي الذي حدد معالمه سيدنا محمد ﷺ والذي اقامه بهدي من تعاليم القران العظيم .
ان ثنائية قول ربنا الله و الاستقامة على الطريقة والتي تناظرها ثنائية الايمان والعمل الصالح هي اصل الاسلام وجوهره لأنها في الحقيقة تمثل دلالات آيتي الشهادة : لا اله الا الله (35) ، محمد رسول الله [الفتح : 29]ٍ . فتلاوة اية التوحيد هي تسليم الانسان بعبوديته وعبودية كل شيء اخر وبربوبية الله عز وجل وواحديته ، وهذا التسليم (الاسلام) هو اول منازل(الايمان) ، أي ( قول ربنا الله ) . اما التسليم بنبوة سيدنا محمد ﷺ فهو العهد بالشروع بـ (الاستقامة على الطريقة ) أي البدء بالاتيان بـ (العمل الصالح) اقتداء بافعال الرسول ﷺ .
اذا فالطريقة هي الاعمال الصالحة التي تنبع من وفي نفس الوقت تؤدي الى الايمان بالقران العظيم والاحاديث النبوية الشريفة ، أي بالرسالة المحمدية ، حيث ان الاعمال الصالحة هي افعال الرسول ﷺ التي تمثل التطبيق المتكامل والمثالي لتعاليم القران العظيم ففي ارتياط الطريقة في القران العظيم والحديث النبوي الشريف قال الشيخ الجنيد البغدادي قدس الله سره ( علمنا هذا مشيد بحديث رسول الله ﷺ )(36) ، كما قال: (مذهبنا هذا مقيد باصول الكتاب والسنة ) (37) وفي حقيقة ان الطريقة هي العمل الصالح الذي يحاكي الافعال النبوية الشريف يقول الشيخ جنيد البغدادي (ما اخذنا التصوف عن القيل والقال ولكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات) (38) ويؤكد الكلاباذي صلة الطريقة بالعمل فيقول (ان علوم الصوفية علوم الاحوال ، والاحوال مواريث الاعمال ، ولا يرث الاحوال الا من صحح الاعمال ) (39) اما ابو نصر السراج الطوسي فعرف اصحاب الطريقة بقوله (هم العلماء بالله ةباحكام الله ، العاملون بما علمهم الله تعالى ، المتحققون بما استعملهم عز وجل) (40) فالطريقة اذا هي نهج متكامل من الايمان بالقران العظيم والاقتداء بالافعال النبوية المحمدية ، ولا يمكن الفصل بين ركني الطريقة او الالتزام باحدهما وترك الاخر .
من المهم الاشارة الى ان اية الطريقة تشير من سياق ورودها في سورة الجن في القران العظيم الى ان (الطريقة) هي طريق شامل لخلق الله عز وجل من الجن مثلما هي طريق ما خلق من الانس . فما جاء ايضا في القران العظيم في شمول الرسالة المحمدية للجن ايضا هو صرف الله عز وجل وامره لنفر من الجن للاستماع للقران العظيم ومن ثم انذار قومهم : ( وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ.قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ)(41)ويبين القران العظيم بان رسالة سيدنا محمد ﷺ هي عامة شاملة لكل الخلق دون استثناء ، ومن غير حدود زمانية او مكانية ، فقال سبحانه وتعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)(42) .

الهوامش :
(1) الطوسي – ص 22.
(2) كل ما موجود داخل اقواس مربعة ضمن حديث مقتبس هو ليس من صلب النص الاصلي للحديث وانما حتمت اضافته ضرورة توضيح المعنى .
(3) الطوسي – ص 22 .
(4) الطوسي – ص 22 .
(5) ابن سعد – ص 14.
(6) الكلاباذي – ص 5 .
(7) (الطوسي – ص 26 .
(8) الطوسي – ص 27 .
(9) السهروردي – ص 43 .
(10) السهروردي – ص 44 .
(11) الكلاباذي – ص 5 .
(12) القشيري – ص 138 .
(13) السيد ابي – ص 5 .
(14) السهروردي – ص 44 .
(15) القشيري – ص 139 .
(16) السهروردي – ص 43 .
(17) القشيري – ص 139 .
(18) الكيلاني – ص 77 .
(19) البقرة : 273 .
(20) الروم : 38 .
(21) طه: 63 .
(22) طه: 104 .
(23) الجن : 16 .
(24) فصلت : 30 .
(25) الاحقاف : 13 .
(26) الكهف : 88 .
(27) سبأ : 37 .
(28) المؤمنون : 1- 9.
(29) الكلاباذي – ص 52 .
(30) طه : 112 .
(31) مسلم ج 2 – ص 70 .
(32) الطوسي – ص 143 .
(33) هود : 112 .
(34) القشيري – ص 20 .
(35) محمد : 19 .
(36) القشيري – ص 20 .
(37) القشيري – ص 20 .
(38) السهروردي – ص 39 .
(39) الكلاباذي – ص 58 .
(40) الطوسي – ص 26 .
(41) الاحقاف : 29- 30 .
(42) الانبياء : 107 .
المصدر : الطريق الى الطريقة – ص 6-15 .

أضف تعليقاً

Follow by Email
YouTube
YouTube