يقول الشيخ أبو سعيد الخراز : الصبر اسم لمعان ظاهرة وباطنة ، فأما الظاهرة فهي ثلاث :

فأولها : الصبر على أداء فرائض الله تعالى على كل حال : في الشدة والرخاء ، والعافية والبلاء ، طوعاً وكرهاً .

ثم الصبر الثاني : هو الصبر عن كل ما نهى الله تعالى عنه ، ومنع النفس من كل ما مالت إليه بهواها مما ليس لله ، تعالى فيه رضا ، طوعاً وكرهاً . وهذان صبران في موطنين : هما فرض على العباد أن يعملوا بهما .

ثم الصبر الثالث ، هو : الصبر على النوافل ، وأعمال البر ، مما يقرب العبد إلى الله تعالى : فيحمل نفســــه على بلـــوغ الغايـــة منه للذي رجاه من ثواب الله  .

وهكذا يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عن ربه قال : {ما تقرب إلي عبدي بمثل ما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه}(1).

والصبر الرائع : هو الصبر على قبول الحق ممن جاءك به من الناس ، ودعاك إليه بالنصيحة ، فيقبل منه ، لأن الحق رسول من الله جل ذكره إلى العباد ، ولا يجوز لهم رده . فمن ترك قبول الحق ورده فإنما يرد على الله تعالى أمره !

وهذا ظاهر الصبر الواجب على الخلق الذي لا يسعهم جهله ، ولا بد لهم منه .

وبقي شرح حقائق الصبر وغايته ، الذي يكون مع الصابرين بعد إحكام هذا الصبر الذي ذكرناه .

قلت : فالصبر ، في نفسه ، ما هو ، وما موجوده في القلب ؟

قال : الصبر : هو احتمال مكروه النفس .

وموجوده : إذا وقع بالنفس ما تكرهه تجرّعت ذلك ، وأنفت الجزع ، وتركت البث والشكوى ، وكتمت ما نزل بها .

لأنه يروى في الحديث :من بث فقد شكا.

ألم تسمع الله تعالى يقول :{والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس}( آل عمران : 134 ) .

أفلا ترى : أنه كظم ما كره ، وشق على نفسه احتماله ، فصار صابراً ؟ فإذا أبدى الجزع وكافأ من أساء إليه ، ولم يعف عمّن أساء إليه : خرج من حد الصبر على هذا القياس .

قلت : فبماذا يقوى الصابر على الصبر ، وبماذا يتم له ؟

قال : يروى في الحديث :إن الصبر على المكاره : من حسن اليقين.

ويروى :إن الصبر : نصف الإيمان ، واليقين : {الإيمان كله}(4).

وذلك : أن العبد لما آمن بالله تعالى ، وصدق قوله في الذي وعده وتواعده ، قامت في قلبه الرغبة في ثواب الله تعالى الذي وعده ، ولزمت قلبه الخشية من عقاب الله الذي تواعده ، وصحّت عند ذلك رغبته ، وقامت عزيمته في طلب النجاة مما يخافه ، وهاجت آماله في الظفر بالذي يرجوه ، فجد عند ذلك في الطلب والهرب ، فسكن الخوف والرجاء قلبه ! فركب عند ذلك مطية الصبر ، وتجرّع مرارته عند نزوله ، ومضى في إنفاذ العزائم ، وحذر من نقصها ، فوقع عليه اسم الصبر .
_________

الهوامش :

(1) – صحيح البخاري – باب التواضع – ج20 ص 158 .

(4) – شعب الإيمان للبيهقي – ج1 ص 54 .

المصدر : – كتاب الصدق للشيخ أبو سعيد الخراز – ص 20 – 23 .

أضف تعليقاً

Follow by Email
YouTube
YouTube