قال السيد الشيخ عبد القادر الكيلاني  في الذكر : يا مغترا بغناه وصفائه فعن قريب ينقلب صفاؤك كدرا وغناك فقرا وسعتك ضيقا لا تغتر بما انت فيه عليك بالمواضبة على حلقات الذكر وحسن الظن بالشيوخ العمال والاستماع منهم والاصغاء الى ما يقولون ، يا غلام اني اراك قرين الشيطان وخليفته وقد امنته علة نفسك وصادقته وهو يأكل لحم دينك وتقواك ويضيع رأس مالك وما عندك خبر ، ويحك ادفعه عنك وهبه من عندك بالذكر الدائم فأنه يهلكه ويهزمه ويفرق جمعه . اذكر الحق عز وجل بلسانك تارة وبقلبك تارة ، غير طعامك وشرابك ، استعمل الورع في جميع احوالك استعن على هزم الشيطان بقوله لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم ما شاء الله ، لا اله الا الله الملك الحق المبين سبحان الله وبحمده ، وبهذا ينقلب وتتكسر شوكته وينهزم جنوده ، عرش ابليس على البحر وهو يبعث جنوده على الارض ، اعظمهم عنده حرمة اشدهم فتنة لابن ادم .
عن النبيصلى الله تعالى عليه و سلم  قال:ان هذه القلوب لتصدئ وجلائها قراءة القران الكريم وحضور حلقات الذكر .
مجالس العلماء العمال بالعلم تجلوا القلوب وتصفيها وترقيهم وتزيل قسوتهم .
شكى رجلا الى الحسن البصري قدس الله سره قساوة قلبه فقال له : دم في ذكر الذاكرين الله عز وجل العلماء به ، الاولياء له ، الاولياء له ، هم الملوك على الحقيقة عن الملك فسعوا اليه ملوك رأوا الاخر فصغرت الدنيا في قلوبهم ورأوا الحق عز وجل فصغر الخلق عندهم العزة في طاعة الله تعالى وترك معاصيه . يا عصاة لا تقنطوا من رحمة الله عز وجل ، ولا تيأسوا من روح الله عز وجل . يا موتى القلوب ، داوموا على ذكر ربكم عز وجل ، وتلاوة كتابه الكريم وسنة نبيه صلى الله تعالى عليه و سلم وحضور حلقات الذكر ، وقد حيت قلوبكم كما تحيا الارض الميتة بنزول الغيث عليها اذا دوام القلب على ذكر الله عز وجل وجاءت اليه المعرفة والعلم والتوحيد والتوكل والاعراض عما سواه عز وجل في الجملة ، دوام الذكر سبب لدوام الخير في الدنيا والاخرة ما دامت فيها مع الدنيا والخلق فأنت متأثر بالحمد والذم لأنك موجود في نفسك وهواك وطبعك فاذا وصل قلبك الى ربك عز وجل وصار امرك اليه ، زال تأثرك بهما واسترحت من ثقل عظيم . اذا اشتغلت بالدنيا مع اعتمادك على حولك وقوتك ، انقطعت وتمزقت وتعبت وسخطت ، هكذا اذا اشتغلت بالاخرة تفوتك وتنقطع . واذا اشتغلت بالحق عز وجل جائك الخير في الدنيا والاخرة . استفتح باب المعاش بيد قوته عز وجل والتوكل عليه ، واستفتح باب الطاعات بيد توفيقه ، فاذا وصلت الى مقام طلبه ، فاطلب منه القوة والصدق في طلب قوته ومعونته ، تثبت اقدام قلبك وسرك بين يديه مع الفراف من شغل الدنيا والاخرة .
والذكر لغة الحفظ للشيء تذكر الشيء أجراه على اللسان والذكر جرى الشيء على لسانك . اما عند اهل الطريقة فهو الخروج من ميدان الغفلة الى فضاء المشاهدة على غلبة الخوف لكثرة الحب ، وهو بساط العارفين ونصاب المحبين العاشقين وحقيقته ان تنسى ما سوى المذكور (1) .

اقسامه
أ- ذكر اللسان : هو المستمد من القلب يردده المحب ويستعذب ترداده ويحب سماعه .
ب- ذكر السر : وهو من مقامات الواصلين من خاصة الخاصة ومعناه غياب الذكر في المذكور بالجملة حتى لا يبقى رسم فيكون هو الذاكر .
وذكر اللسان هو البداية والذكر ذكر القلب ولا يعتبر السالك ذاكرا الا ان يذكر بقلبه ومما يؤيد هذا الكلام قول السيد الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس الله سره : (كان ذكرا لله عز وجل بقلبه فهو الذاكر ومن لم يذكر بقلبه فليس بذاكر ، اللسان غلام القلب وتبع له) (2) .
واجمع شيوخ الطريقة على ان عمدة الطريق الاكثار من ذكر الله عز وجل وان لا دواء ولا أي عمل اخر مهما شرف مقامه انجح من ذكر الله عز وجل وان لا دواء ولا أي عمل اخر مهما شرف مقامه انجح من ذكر الله عز وجل في الوصول والفلاح في الطريق ، يقول بن ابي السعود ابن ابي العشائر ( الاصول التي يبني عليها المريد امره اربعة اشياء : اشتغال اللسان بذكر الله عز وجل مع حضور القلب الى ان يقول … والاكبر الذي يقلب عين طينه العبد ذهابا خالصا هو الاكثار من ذكر الله تعالى مع الاخلاص ) (3) .
ان مشايخنا الكرام قد جعلوا الذكر اساس الطريق وعملوا على اشتغال المريد بذكر الله على الدوام طوال حياته لانه سبب اليقظة من الغفلة والدواء السريع المفعول لجلاء القلب ، يقول الشيخ علي المرصفي رحمه الله : (قد عجز الشيوخ فلم يجدوا للمريد دواء اسرع في جلاء قلبه من مداومة ذكر الله عز وجل فحكم الذاكرين كما يجلي النحاس المصدي بالحصى وحكم غير الذاكرين من سائر العبادات كمن يجلي النحاس بالصابون )(4)
والذكر هو الوسيلة التي بواسطتها يهزم الشيطان فالذكر اذا تمكن من القلب صار صار الشيطان يصرع اذا دنى من الذاكر كما يصرع الانسان اذا دنا من الشيطان قال الرسول الاعظم صلى الله تعالى عليه و سلم :اضنوا شياطينكم بقول لا اله الا الله محمد رسول الله فان الشيطان يضني بها كما يضني احدكم بعيره بكثرة ركوبه ويشيل احماله عليه
والذكر ينتقل من اللسان الى القلب اذا داوم المريد على ذكر الله عز وجل واصبح يستعذب ترداده ويحب سماعه ويستأنس به حتى يمتزج بروحه ، فيحس المريد ويشعر بذلك الانتقال حيث يشعر بحرارة تداخل القلب ، وعند ذلك يشتغل القلب بذكر الله عز وجل دائما وفي جميع الاحوال ما لم يتعرض لعارض او لسبب ما او غفلة ، وكيف يغفل عن ذكر الله من  كان  الذكر له  مفتاح  الغيب  وانيس  المستوحش  وجاذب  الخير (5) . 


الهوامش :
(1) لسان العرب – ابن منظور – ج1- ص106 .
(2) الفتح الرباني – الشيخ عبد القادر الكيلاني – ص 106 .
(3) الانوار القدسية – الشعراني – ج1- ص 115 .
(4) المصدر نفسه – ص70 .
(5) حلية الاولياء – ابو نعيم الاصفهاني –ج6 – ص171 .


المصدر : السيد الشيخ محمد الكسنزان الحسيني – كتاب الطريقة العلية القادرية الكسنزانية – ص297-299 .

أضف تعليقاً

Follow by Email
YouTube
YouTube