تبدأ حقيقة الخلوة عند السادة الكسنـزانية من شيخ العائلة الكسنـزانية الأول وهو الشيخ عبد الكريم الذي اشتهر بلقب (شاه الكسنـزان) والذي يعني سلطان الغيب  وذلك حين حُبب إليه الخلاء كما حبب ذلك لجده المصطفى  من قبل ، فانقطع الشيخ عن الخلق انقطاعاً كلياً وذلك في كهف وسط جبل (سه كرمة) يتعبد الله تعالى ، ولم يكن ذلك المكان يصله آنذاك أي إنسان إلا نادراً لوعورة مسالكه ، ولم يعلم أحد مكانه طيلة مكوثه في خلوته مدة أربع سنوات ، جالساً نهاره يذكر الله، قائماً ليله وجل القلب راكعاً ساجداً متقرباً الى ربه جل وعلا .
ولقد حار الناس في سر اختفاء السيد عبد الكريم حتى ظنوه قد انتقل الى جوار ربه ، ومن ذلك الحين اشتهر بلقب كسنـزان أي الذي لا يدري أحد حقيقة أمره ، وهكذا شاء الله تعالى أن تكون طريقته (الطريقة الكسنـزانية) ذات سر عظيم لا يعلمه أحد الى يوم الدين ومشايخها في كل زمان هم سلاطين الزمان وأساتذة الوقت وأغواثه العظام .
فقدر سبحانه أن يميط اللثام عن سر اختفاء هذا الغوث حين انعم على أخيه برؤية عرف منها مكان اختفائه بل مكان خلوته .
ثم سار مشايخ الكسنـزان على هذا النهج النبوي القويم بخطىً إيمانية ثابتة يحيون بها هذه السُنة المحمدية المقدسة  التي تبعث الإنسان من موت الجهل بالله والبعد عنه بحجب الدنيا والنفس الى الحياة الحقيقية التي أشار إليها الحق تعالى في قوله: (أجيبوا داعي الله إذا دعاكم لما يحييكم) فتحييه بنور المعرفة والقرب برفع الحجب بينه وبين ربه ، حتى لقبوا (بشيوخ الجبال وبأصحاب الخلوات والجلوات) .
فكان خاتم هذه السلسلة النورانية المباركة هو حضرة السيد الشيخ الغوث الحاضر محمد الكسنـزان الحسيني الذي توّج هذا المنهج الرباني المحمدي بأن دخل خلوات كثيرة في عهد شيخه وأستاذه ووالده حضرة الغوث عبد الكريم الكسنـزان فكانت لنفسه ، ثم ختم المطاف بأن دخل خلوتين بعد جلوسه على سجادة المشيخة وكانتا لتسليك وتربية مريديه وترقيتهم الروحية .
إن بداية الطريقة الكسنـزانية الممتدة من سلسلة نورانية مباركة بهذه الخلوة المباركة ليكشف ما للخلوة من عظيم الأثر في طريق الوصول الى الله تعالى سواء أكانت الخلوة للمشايخ من حيث مرتبتهم العلية او للمريدين من حيث سلوكهم بناءاً على منهج المشايخ .

أنواع الخلوات عند سادة الكسنـزان
يمكن تقسيم الخلوات عند السادة الكسنـزانية بالنسبة لمريديهم الى ثلاثة أقسام :
أولا : الخلوة العامة
وهي انفراد المريد قلباً وقالباً عن الخلق والانقطاع الى ذكر الحق ، فيكرم بمجالسة الحق جل شأنه ومناجاته كما ورد في الحديث القدسي: (أنا جليس من ذكرني)، ويكون ممن قال عنهم الحق تعالى: (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي)، ولا يدخل المريد هذه الخلوة الا بأمر الشيخ ، لأنها بدون أمره ومراعاته ومراقبته خطرة جداً على المريد بسبب النشاط القوي الذي يبديه الشيطان ضده وتفننه في الغواية ، ولا يسلم من الوقوع في حبائله من لم يكن له شيخ يرشده إذا تاه ويعلمه إذا حار وينبهه إذا غفل ويدله على الطريق الصحيح .

إشكال وإيضاح
قد يقال: إن بعض المشايخ في بداياتهم قد دخلوا الخلوة بدون أستاذ او أمر من شيخ ، كما حصل مع الشيخ عبد الكريم شاه الكسنـزان مثلاً ، او مع حضرة الأستاذ الأعظم سيدنا محمد  ، فكيف يتفق ذلك مع القول بوجوب استئذان الشيخ ومراعاته لداخل الخلوة من المريدين .
فنقول : قد ثبت إن كل الذين دخلوا الى الخلوات وخرجوا منها بالمراتب العلى ، كانوا مسيرين في ذلك لا مخيرين ، وهـــو ما يعــبّر عنه بالتحــبيب  ، فيقال : حبب إليه الخلاء ، وقسم منهم يجذبون بأمر الله تعالى . فالأنبياء والكبار من الأولياء يجذبهم الله تعالى إليه سبحانه فيكون جل جلاله هو مجتبيهم ومعلمهم : (واتقوا الله ويعلمكم الله) فيكون هو حافظهم ومعينهم ومبعد كيد الشيطان عنهم لقوله تعالى : (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان)(1) .
وأما المريدين أي الطالبين للقرب بواسطة الكسب والمجاهدة فينبغي عليهم أن يحتاطوا لهذا الأمر فيسلكوا على يد من سلّكه الله تعالى ، ليدلوهم على الطريق الذي دلاهم عليه الحق تعالى . فشتان بين من يريده الحق وبين من يريد الحق ، فالأول مراد والثاني مريد ، والأول مطلوب والثاني طالب .

ثانياً : الخلوة الخاصة
وهي خلوة من جنس الخلوة الأولى أي تشمل قالب المريد وقلبه وهي التي أوصى بها السيد الشيخ الغوث إسماعيل الولياني لتصفية نفوس المريدين وترقية أحوالهم وهي ليست فرضاً عليهم وإنما ممارستها أمر اختياري لزيادة التقرب الى الله تعالى ومدتها (120) يوماً مقسمة الى ثلاث مراحل لكل مرحلة أربعون يوماً ، وبنفس الاسلوب المتبع في الخلوة الكسنـزانية العامة ، وفيها يصبح قلب السالك لا يرى الا الله وينسل قالبه البشري الى الروحانية ، ولا ينطق الا بالله تعالى ، فيصل قلبه الى اليقين ، فيفوز فوزاً عظيماً إن شاء الله.

ثالثاً : الخلوة القلبية
القلب هو القوة المستعدة لقبول العلم الإلهي بما فيه من قوة روحيه ، والخلوة القلبية : هي انفراد القلب بالله تعالى . فقد جعل الله قلب الإنسان كالمرآة الصقيلة ينطبع فيها كل ما يقابلها ، فإذا أراد الله توفيق عبده شغل فكره بأنوار ملكوته وأسرار جبروته ولم يعلق قلبه بمحبة شيء من الأكوان  فتنطبع في مرآته أنوار الايمان والإحسان ، وتشرق فيه أقمار التوحيد وشموس العرفان . ولهذا فنحن نقول: الخلوة القلب والقلب الخلوة .
وإذا كان الغاية من الخلوة الوصول الى اليقين (الحقائق) او الى مرتب الكمال عند الله تعالى فإن السير على منهج الطريقة في هذا الزمن لهو الكفيل بإيصال المريد الى هذه المرتبة.
وان مشايخ هذه الطريقة وهم ورثة الحضرة المحمدية المطهرة لهم القادرين على تسليك مريديهم وإيصالهم الى المراتب العلى في التصوف وهم في منازلهم او في وظائفهم وذلك في حال التزام مريديهم بمنهج الطريقة القائم على أساس الذكر الكثير بأقسامه الثلاث ، أي :
1. الذكر باللسان .
2. والذكر بالقلب .
3. والذكر بالعمل الصالح (سواءاً الدنيوي المبتغى به وجه الله تعالى او الأخروي). على أن يكون ذلك مقروناً بالحضور القلبي التام مع الله تعالى .
إن الطريقة وهي روح الإسلام لتـتفاعل مع الظروف الاجتماعية أتم تفاعل ، وان نورها الممتد من ذوات مشايخها لقادر على تزكية وتطهير نفوس المريدين وقلوبهم من دون حاجة الى الانقطاع في الجبال (وان كان ذلك ضرورياً في حال توفر الظروف المناسبة) .

فائدة :
إن الظروف التي لم تسمح في هذه الفترات بدخول الخلوات العامة او الخاصة ، ودفعت المشايخ الى توصيل مريديهم الى الحق تعالى بواسطة الخلوات القلبية لهي نفس الظروف (من حيث المضمون لا الشكل) التي جعلت حضرة الرسول الأعظم سيدنا محمد   ينهج هذا المنهج مع الصحابة الكرام ، فأوصلهم  الى المراتب الكمالية بواسطة الخلوة القلبية واكتفى بمسألة الاعتكاف والتي تعبر عندنا خلوة مصغرة فهي باباً للخلوة وسراً للجلوة .

مراتب الخلوة القلبية : 
إن للخلوة القلبية في طريقتنا ثلاث مراتب تمثل ثلاث مراحل او قناطر يقطعها المريد للوصول الى الحق تعالى وتلك المراتب او القناطر هي ما عرف في طريقتنا باسم الفناء ، فتبدأ الخلوة القلبية بفناء المريد في الشيخ ثم تتوسط بالفناء في الرسول  وبعدها تنـتهي بالفناء في الله تعالى .
وخلاصة الفناء في الشيخ هو أن يفرغ المريد قلبه من التعلق بكل شيء سوى شيخه ، فيحضره ويجسده داخل قلبه في كل حركاته وسكناته ، بل في كل لمحة ونفس .
ولما كان الشيخ حاضراً على الدوام في الحضرتين المحمدية والإلهية وقلبه عرش لأنوارهما وتجلياتهما وأسرارهما ، فان تجسيد المريد لحقيقة الشيخ في قلبه يعني انتقال الإشعاعات النوارانية من ذات الشيخ الى ذات المريد ، فالشيخ في قلب كل مريد خال الا منه ، أنى كان ولهذا فنحن نقول: قلب المريد خلوة الشيخ .
أن تخلية المريد لقلبه الا من شيخه لهو الطريق الى محبته وطاعته الطاعة الكاملة الموصلة الى المرحلة الثانية وهي محبة حضرة الرسول الأعظم  وطاعته حق الطاعة والمعبر عنها بالفناء في الرسول ، ثم تتحول كل تلك الطاعة والمحبة لله تعالى .


المصادر : [1]- الحجر : 42.

أضف تعليقاً

Follow by Email
YouTube
YouTube