التصوف وأثره في نشأة الجيل الجديد

انوار ابراهيم / العراق


لو ذهبتُ في رحلة إلى ماضيي البعيد ، لوجدت إني نشأة في مجتمع تحكمه عادات وتقاليد تكاد ان  تكون شريعةً أكثر من حكم الدين له ، فما تربينا عليه في طفولتنا لم يكن إلا ما زرعه الأهل فينا لينبت بنا ويكبر معنا ، حتى أصبحنا بذلك منقادين إليها ، ناظرين إلى ديننا من منظار تلك التقاليد والأعراف مبتعدين عن منهجنا الإسلامي الصحيح الذي بناه وشيد صرحه الرسول الأعظم   .
وإن كان لتربية الأهل تلك تأثير كبير على حيتنا فيما بعد ، فكيف لي ان أتجنب تلك التعاليم أو أتحرر منها ؟ بل كيف السبيل للبحث عن وسيلة اربي من خلالها نفسي تربية صحيحة ، وأنا اجهل طرق تلك التربية وذلك المنهج الذي اتبعه لتربية أولادي فيما بعد ؟ منهجاً يكون وسيطاً بين ما جاء به الإسلام من تعاليم وجب علينا معرفتها والسعي إلى تطبيقها وبين تلك الأعراف التي نشأنا عليها متكبلين بقيودها . وكأننا بذلك نتبع منهج الجاهلية ونردد ما يقولون بأن هذا ما وجدنا عليه إبائنا وأجدادنا .
واذا كنت قد تحدثت في مطلع كلامي هذا عن تربية الأهل العقائدية لنا فلا اقصد بذلك التقليل من قدر الأهل وما قدموه لنا من اسناد ودعم في حياتنا . ولكن كان القصد من ذلك كيف لي التحرر من تلك القيود التي تقيدنا بها مع مر الايام والسنين وأن ابحث لنفسي طريقاً يصل بها الى نور المعرفة والذي ارى به ميزان الحق لازن به الأمور واضعةً ايها في نصابها الصحيح ، خارجةً من دوامة الحيرة والضياع التي تحيط بي . ففي قرارة نفسي كان هناك ما يقول لي بان ديننا الإسلامي جاء بعلوم ومعارف اسمى وأعظم من ان تنقاد خلف هذه الأعراف التي تدفع بنا إلى طريق الحرام بدون أي شعور منا ، تعاليم تسكن روح الإسلام وتحجبنا عنها ألاف وآلاف من المسافات الروحية . تلك الحجب التي تحيط بأعماق روحي تاركةً ايها في سبات طويل وظلام عميق لا أبصر منه خيط نور ينتشلني خارجاً بي إلى طريق الهدايا والمعرفة لأتعلم منها منهج تربية المسلم الحقيقية التي ربا عليها رسولنا العظيم ﷺاصحابه وتابعيه . واوصانا الله سبحانه وتعالى بالاقتداء به والسير على نهجه في قوله: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (1) .
منهج اعمل به ما أراه مناسباً للسير على طريق حياتي بدون تردد وخوف من الانحراف في طريق الخطأ والظلال . اللذان طالما رافقاني في أي عمل اقوم به ، اخذتاً به الضنون من ان يكون غير صحيح او به شيء من الحرام فيضلني ذلك العمل رامياً بي الى جهنم وبئس المصير ، كانت هذه شكوك وضنون ادت الى وئد الكثير من طموحاتي وامالي ، فلربما اضيع في متاهات الحياة اذا ما تركت العنان لهذا الطموحات والآمال ان تكبر حتى تموت في داخلي قبل ان تبصر النور جاعلةً حياتي اكثر مرارةً ، ناظرةً لها من منظار مصفر كئيب والى ديننا الإسلامي لمنهج صعب عسير . واتسائل اين ذلك اليسر واللين في منهج المسلمين ، الم يذكر الله سبحانه وتعالى ايات كثيرة تدل على انه دين يسر وليس عسر كما في قوله تعالى : ( يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) (2) . ان تلك الصعوبة التي كنت اتبعها في تطبيق ما تعلمته من امور في حياتي والتي كانت تصطدم دائماً بما نسمعه من تعاليم ديننا كانت تميل بكفة ميزاني الى التطرف والتعصب في تطبيق تلك التعاليم والمناهج التي عرفناها من خلال مجتمعاتنا مبتعدة بي عن طريق الاستقامة والاعتدال .
ومرت الايام على حالها حتى ادركت حافة الجنون ، فانا بين حياة علي ان أعيشها بما تحكمه علينا وبين امور يجب علي معرفتها بحقيقتها ، ولكن ليس من سبيل الى رؤيتها وإدراكها ، وشاء الله ان يمد الي حبلاً منه ينتشلني من ظلامي ذاك ليغير ما يحيط بي منطلقة من نفسي اولاً كما قال سبحانه وتعالى : (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (3) .  هكذا بدأت حياتي بالتغير نحو الاستقامة والاعتدال لقد حررني ذلك المدد الإلهي من سبات نفسي ونومها العميق خارجاً بتلك النفس الموءودة ببدني الى نور الحقيقة والمعرفة .
كانت البداية من كلمات انارت بصيرتي اسمعني اياها قريب لي ، بعد سؤالي له من خلال حديث طويل دار بيني وبينه عن معنى الحياة بالنسبة له ، شارحةً ما يجول في خاطري واعماق روحي من حزن وألم وما إلتُ اليه من ضياع وحيرة . مفاجأً إياي بجواب لم اكن انتظره منه او من أي احد سواه ، واصفاً لي الحياة بوصف يشرح الفؤاد ويبرد القلب ، وأرشدني إلى التمسك بحبل الله والوقوف على طريق الحق ، ومعرفة الإسلام بروحه وحقيقته وليس بما تعلمناه من عادات وتقاليد وضعتها لنا مجتمعاتنا. أضاءت كلماته قلبي وفتحت امامي أبواب موصدة طال انتظاري على أعتابها اذ نقلني من ظلام الجهل الى نور المعرفة ، وكنت على يقين ان حديثه نابع عن معرفة حقه بامور دينه ودنياه ، وامور اخرى كان صعباً علي ان أعيها انذاك . لم يكن ذلك الشخص كما ادركته من قبل فإن لي معرفة قديمة به ، فهو فيما مضى كان يميل الى التعصب والتطرف لدينه ومعتقده ، ولكن حاله قد تغير الان واتبع منهج آخر ينهل منه العلم والمعرفة فقد سلك في إحدا الطرق الصوفية وهم قوم انكبوا على تربية أنفسهم تربية روحية تبدأ من دواخلهم تاركين ما علموه إياهم الأهل وما اكتسبوه من بيئاتهم الاجتماعية التي ينتمون لها . لينشئوا نشأةً جديدة على أيدي رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، وعلماء روحانيين هم مشايخ الطرق الصوفية . لقد ارتبطت فيما بعد بإحدى تلك الطرق ومن خلال معايشتي لمئات من المتصوفة ، وذلك بعد ترددي على ( بيت الذكر ) وهو مكان يمارسون فيه المتصوفة وطلاب المعرفة شعائرهم الدينية من صلاة وتسبيح وحلقات ذكر والإرشاد فيما بينهم لتعلم كل ما يتعلق بامور دينهم ، عرفت إن لهؤلاء الشيوخ المقدرة على ترويض النفس وجعلها مطواعة وذلك بتربية مريديهم تربية مبنية على منهج القرآن الكريم ذلك المنهج الأخلاقي العظيم الذي على المسلم الحقيقي ان يتخلق به متبعاً بذلك رسول الله   الذي كان خلقه القرآن وكان   قرآناً ناطقاً بين الناس .
ان الخلق العظيم لرسولنا الأعظم    كان لابد له من اتباع على مر الازمان والعصور مهما تطورت وتغيرت أعرافها وتقاليدها . ولا يمكن لمتبعيه الا ان يكونوا من أصحاب النفوس الباحثة عن التطهر والصفاء من أدران الحياة التي تتراكم يوماً بعد اخر ، وان كان صفاء النفوس لا يأتي الا بتهذيبها ومحاولة تخليصها من أدران تلك الحياة وتبعاتها والتي اكتسبتها منذ ولادتها للسمو بها إلى مراتب روحية عالية وإزالة الحجب التي أحاطتها للحصول على المعرفة الحقيقية التي يمكن ان توازن بها بين الدين والدنيا ولا تأتي هذه المعرفة إلا عن طريق إتباع منهج يكون جامعاً لوجهي الحقيقة والتي لا تكتمل إلا بإعطاء كل شيء حقه ، حق الظاهر وما يترتب عليه من امور من قوانين حسية ، وحق الباطن وما يتبعه من أمور روحية ، ولا نجد هذه القوانين الا في منهج التصوف ، ذلك المنهج الذي أدركت يقيناً بأن له الأثر الكبير في إعادة تربية وتنشأة البالغين رجالاً كانوا او نساء مهما تقدمت بهم السنين والأعمار من خلال إرشادات مشايخ التصوف وحثهم الدائم لمريديهم على الذكر الكثير لله سبحانه وتعالى والصلاة على الرسول الأعظم   وكأنهم بذلك مع الله وملائكته الذين يصلون عليه قال تعالى : (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (4)  . لتنجلي بذلك قلوبهم التي تراكمت عليها حجب الحياة كما في قول رسول الله ﷺ : ( إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد ، قيل : فما جلاؤها يا رسول الله ؟ قال : « تلاوة القرآن ») (5)  . ذلك الجلاء الذي يظهر من خلاله نور الفطرة لينير القلوب والذي فطر الله عليه الإنسان لقول: (كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ) (6)  .
فيولد طالب التصوف بذلك النور ولادة روحية وكأنه خلق من جديد تاركاً ما أكسبته الحياة من عادات وأعراف تأصلت فيهم ، مجتثاً أيها من أعماق أنفسهم .
وان كان للتصوف ذلك التأثير الكبير على تربيتنا ونحن كبار ، فكيف له ان يكون على أطفال مازالت قلوبهم خصبة بنور الأيمان الذي ولد معهم . لابد له ان يكون ذا تأثير اكبر وأعمق على أنفسهم لتكوينهم بصورة صحيحة وتنشأتهم تنشأةً مبنية على العلم والمعرفة والخلق العظيم الذي ينبع من عظمة التصوف الذي امتدادها من جذورهُ المتأصلة في قلب ديننا الإسلامي منذ نشأته الأولى متطوراً مع تطور العصور وتحضرها مربياً بذلك أجيلاً وأجيال . فهو في كل عصر يتبع منهج يربي عليه مريديه ومتبعيه كل حسب ذلك العصر والزمن الذي ينتمون له ، والسبب في ذلك يرجع إلى إن مشايخ التصوف جميعاً امتدوا علمهم ومعرفتهم من كتاب واحد أزلي يصلح لكل الأزمان والعصور ، وهو كتاب الله القرآن العظيم الذي يعنى بالأخلاق قبل كل شيء . فالأخلاق هي الأساس الذي تبنى عليه المجتمعات أينما كانت ، وهي اللغة المشتركة التي تربط بين كل شعوب العالم مهما اختلفت أعرافها ومعتقداتها .
لقد كان للتصوف ومشايخه الأثر الكبير في تربيتي وتربيت الكثير منْ مَن عرفتهم من مريديه تربية صحيحة مثمرة سمت بأرواحنا إلى مراتب روحية عالية ، وبذلك وجدت فيه طريق الاستقامة الذي طالما بحثت عنه ، والمنهج الصحيح الذي اتبعته في تربية أولادي ليقف بهم على طريق الحق والصلاح . وأحرى للمسلمين أينما كانوا ان يتبعوا في تربية أولادهم هذا المنهج الإلهي العظيم الذي يضعهم في طريق الاعتدال والحق متعلمين منه ان لكل شيء في هذه الحياة ميزان يجب ان يزان به ما جاء به الإسلام من تعاليم وإرشادات ويبصرون ظاهرها وباطنها مهما تقدمت الحياة وتطورت مبتعدين عن التعصب والتطرف الذي نراه في بعض الجماعات بحجة الدين والانحلال الخلقي لفئات أخرى بحجة التحرر . قال الله سبحانه وتعالى: ( َلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا ) (7)  .


الهوامش:
[1] – سورة الأحزاب – آية : 21 .
[2] – سورة البقرة – آية 185  .
[3] – سورة الرعد – آية 11  .
[4] – سورة الأحزاب  – آية 56  .
[5] – مسند الشهاب القضاعي – (ج 4 / ص 290).
[6] – مسند أحمد – (ج 14 / ص 425) .
[7] – سورة الإسراء  – آية 29  .

أضف تعليقاً

Follow by Email
YouTube
YouTube