الأستاذ الدكتور الشيخ / نهرو الشيخ محمد عبد الكريم الكسنزان الحسيني

حين تتصفح كتاب ( الطريقة العلية القادرية الكسنزانية ) تجد أنه قد تم تخصيص باب لما يسمى بـ ( مقامات الطريقة ) ، فما هي هذه المقامات ؟

وما أهميتها في حياة المريد الروحية ؟

وهل لها عدد معين في الطريقة ؟

وكذلك هل لها ترتيب مخصص بحيث يتحقق فيها المريد حسب التسلسل ؟

وكيف يعرف المريد في أي مقام هو ؟

للإجابة على هذه الأسئلة ، وما يدور في فلكها من حقائق مستنبطة من عمق التجربة الروحية في الطريقة الكسنزانية كان لجناب الشيخ الدكتور نهرو الكسنزان الحسيني ، الوكيل العام لرئيس الطريقة الكسنزانية في العالم .الحديث عنها من خلال المحاور الآتية :

المحور الأول : التعريف بالمقامات

إن مصطلح ( المقامات ) من المصطلحات التي درج استعمالها على ألسنة أهل الطريقة قديماً وحديثاً ويراد بها المراتب الروحية التي يتحقق بها المريد بعد التعلق والتخلق  كالتوكل والتوبة والزهد والورع فلا تفارقه خصائصها ، ولا يفارق صفاتها ، ولا يصل إلى التحقق بمقام من مقامات الطريقة إلا ذو حظ عظيم وذلك لأن الوصول لها والتحقق بها يقتضي الصبر والمصابرة والمرابطة على مجاهدة النفس بالطاعات والقربات  وبالرياضات والمجاهدات ، ويتطلب إرادة ثابتة  وعزيمة راسخة  وتوجه صحيح ، وكل ذلك يجب أن يكون بين يدي شيخ الطريقة ، وتحت نظره ، وفي فيض همته وبركة صحبته .

المحور الثاني : أهمية المقامات في الحياة الروحية

الحديث عن أهمية المقامات في الطريقة يطول المقام بذكره ويكفي أن نشير إلى أن أهميته تكمن في مضمون كل مقام وما أمر الشارع الكريم لذلك المقام ، خذ مثلاً مقام التوبة  وتأمل العدد الكبير من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية المطهرة الحاثة على طلبها والتحقق بها ، ومن هنا تدرك مدى أهمية هذا جميع المقامات وفي طريقتنا الكسنزانية تبين لنا من حضرة شيخنا محمد الكسنزان  ، أن أهمية التحقق بهذه المقامات تكمن في كونها مقدمات وليس نتائج ، فالتحقق بها كما يؤكد شيخنا  يؤهل المريد للتقرب إلى الله تعالى وإن كانت في حد ذاتها خطوات عظيمة من الخالق العظيم ، إلا أن من يتحقق بها ويتمكن من حالاتها يصبح مؤهلاً قلباً وقالباً للتقرب الروحي الخالص إلى الله تعالى .

المحور الثالث : العدد والتسلسل

 كما هو معلوم للمطلعين على المعارف الصوفية  أن لكل طريقة صحيحة عدد معين من المقامات ، يحددها شيخ الطريقة لمريديه حسب سره مع الله تعالى ورسوله  وبالتأكيد فإن لطريقتنا الكسنزانية بوصفها سيدة الطرق إلى الله تعالى عدداً معيناً من المقامات وهي كما مبين في كتبنا أحد عشر مقاماً أولها التوكل ثم التوبة ، الخوف الرجاء  الصدق ، الإخلاص ، الصبر ، الورع ، الزهد  الرضا والشكر .

أما مسألة التسلسل بمعنى أن المريد يسلك من مقام إلى مقام حسب ما مذكور في الكتاب ، فهذا غير وارد ، لأنه وكما هو معروف أن حالات النفوس تختلف من مريد لآخر ، ما يبدأ به أحدهم ، قد لا يتناسب والثاني  والمسألة متعقلة بشيخ الطريقة  ، فهو وحده بعد الله ورسوله  العارف بما ينفع كل مريد من مريدي الطريقة ، وبنظرته النورانية الخاصة ينير الطريق لكل سالك بما يناسبه ، فإذا توجه المريد في الإتجاه الصحيح أمده ببركة دعاءه ، ودفعه بهمته ، لكي يهون عليه مصاعب الطريق ، ويتجاوز به عقباته ، لأن الطريق إلى الله تعالى وكما يقول شيخنا  : طويل وشائك  ولا بد فيه من مرشد روحي كامل ، يساعده في اختصار المسافة وتجنب المخاطر التي قد تواجهه من الناحية الروحية .

ولكن ، تجدر الإشارة إلى أن هناك حالة تسلسلية واحدة في المقامات أكد عليها  شيخنا محمد الكسنزان   وهي أن الجميع يبدؤون بمقام التوكل ، وذلك لأن التوكل وهو الاعتماد القلبي الكلي على الله تعالى ، هو في حقيقته التحقق بالفقر التام بين يدي الله تعالى ، وهذا الافتقار للغني المطلق يجعل السالك مهيأ روحياً لاستمطار الإمداد الربانية والفيوضات الرحمانية ، قال تعالى :  ومن يتوكل على الله فهو حسبه   ومن كان حسبه الله ، فقد كفي همّ الطريق ، فالتوكل يؤدي بالمريد إلى الاستفادة من قوة الطريقة الروحية ، وهمة شيخ الطريقة النورانية ، فعلى المريد في الطريقة الكسنزانية إذا ما أراد السير والسلوك ، وإذا ما عزم على التقرب من الله تعالى ، أن يتعرف على مقام التوكل ، وأن يوجه قلبه إلى قلب شيخه لينير له طريق هذا المقام ، ويحققه بحالاته ، فيسهل عليه ما سواه .

المحور الرابع : المريد ومعرفة المقامات

الطريقة الكسنزانية كونها متصلة غير منفصلة ، وكون مشايخها أساتذة الطريق إلى الله تعالى في أزمانهم ، إذ ينالون ببركة رسول الله  ، مراتب الغوثية العظمى المعروفة عند أهل الاختصاص  فمن بحر الطرائق سيدنا الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه  إلى حضرة الغوث الأعظم سيدنا الشيخ عبد القادر الجيلاني  إلى حضرة شاه الكسنزان ومن ورثه من أغواث  قدست أسرارهم ، وصولاً إلى شيخنا الحاضر حضرة السيد الشيخ الغوث محمد الكسنزان   .

أقول : كون الامتداد الروحي للطريقة الكسنزانية بهذه الكيفية ، فهي سيدة الطرق إلى الله تعالى ، وكونها كذلك فهي بالضرورة تضم مختلف الخطوط والاتجاهات الصوفية تحت لواءها  فهي ليست مدرسة صوفية فحسب كغيرها من الطرق الصوفية الأخرى  بل هي الجامعة الروحية الكبرى في هذا العصر ، ومعنى ذلك أنها تتضمن عدداً من الكليات المتخصصة لمختلف الأقسام الروحية في الإسلام .

من هنا يتبين التباين الكبير في اختصاصات مريدي الطريقة فلا يقصد الجميع التحقق بمقامات الطريقة بشكل مباشر ، فبعضهم  تجذبه المحبة  وينطلق في آهاتها ونيران أشواقها ، وبعضهم يجذبه الذكر  فلا تراه إلا مسبحاً ربه آناء الليل وأطراف النهار  قد شغفه ذكر الحبيب عما سواه ، وترى آخرين يهرعون في باب الخدمة والعمل الصالح ، فهم يعمرون ويبنون ولا يلوون على شيء ، وآخرين أنارت بصيرتهم قراءة القرآن ، وغيرهم في ميادين العلم وطلبه يسرحون ويمرحون .. وإلى غير ذلك مما تنطوي عليه الطريقة من مضامين ..

ومن كل هؤلاء ، تخصص البعض بالمقامات ومراتبها فبعضهم يكمل الطريق ويتحقق بالشهود ، فيطلعه شيخ الطريقة على ما يشاء مما يراه مناسباً له ، وآخرين يكون الإخفاء أصلح لهم ، فتراهم يرتعون في هذه الرياض النضرة حيناً هنا وحيناً هناك ، فيكون نفع الإخفاء في حقهم كنفع إخفاء ساعة الإجابة يوم الجمعة ، وليلة القدر في العشرة الأخيرة من شهر رمضان  ولا يطلعون على مراتبهم حتى يأتيهم اليقين .

وفي ختام الحديث ، أضاف جناب الشيخ الدكتور نهرو الكسنزان  قائلاً : فهذا ما يمكن الحديث عنه بالعبارة ، وأما ما تنطوي عليه أسرار شيخ الطريقة من أحوال وحقائق بشأن هذه المقامات وغيرها ، فمما يستحيل أن تحويه السطور ، وإنما يكتبه شيخ الطريقة  في قلوب طلاب الحقيقة بحروف من نور ..

وصل اللهم على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .

__________________________________
المصدر :- مجلة الكسنزان العدد الرابع .

أضف تعليقاً

Follow by Email
YouTube
YouTube