يقول الدكتور حسن الشرقاوي :

« الأنس : هو فرح وسعادة غامرة تملأ القلب بالمحبوب الذي هو الله ، وهو حال يصل إليه السالك ، معتمداً على الله ، ساكناً إليه ، مستعيناً به . وفي الأنس ترتفع الحشمة وتبقى الهيبة مع الله ، وبذلك يكون الأنس طمأنينة ورضا بالله .

كتب مطرف بن عبد الله بن الشحير إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز كتاباً قال  فيه : « ليكن أنسك بالله  وانقطاعك إليه ، فإن لله تعالى عباداً استأنسوا بالله فكانوا في وحدتهم أشد استئناساً من الناس في كثرتهم وأوحش ما يكون الناس ، ما آنس

يكونون ، وآنس ما يكون الناس أوحش ما يكونون » …

وقد حكي عن داوود الطائي أن أحد الدراويش رآه مرة مبتسماً فقال له : يا أبا سليمان من أين لك هذا الانشراح ؟

فقال داوود  :  «  أعطوني الصباح شراباً يقال له شراب الأنس ،  فاليوم يوم عيد أسلمت نفسي  للابتهاج  فيه » .

ويبين لنا الإمام الغزالي أن الأنس والخوف والشوق من آثار المحبة ، بيد أنها جميعاً تختلف بحسب نظرة المريد الصادق وما يغلب عليه في وقته ، وإذا غلب على حاله الأنس لم تكن له رغبة إلا في العزلة والخسارة والانفراد ، وذلك كما حدث لإبراهيم بن أدهم ، فقد سئل مرة : من أين أقبلت ؟ فقال : من الأنس بالله … ذلك لأن الأنس بالله يلازمه التوحش ، أي شعور بالغربة مع غير الله ، ولهذا فإن أثقل الأشياء على المريد الصادق أن يجد في قلبه ما يعوق تلك الخلوة بالله ، ولذلك يقول أحد الصوفية : « يا من آنسني بذكره ، وأوحشني من خلقه » .

وقال بعض الحكماء : يقول : « عجباً للخلائق كيف أرادوا بك بدلاً ؟ عجباً للقلوب كيف استأنست بسواك عنك ؟ ».

وعلامة الأنس ضيق في الصدر من معاشرة الخلق ، والتبرم منهم ، وعدم الإحساس بعذوبة الذكر في مجلسهم ، وإذا أجتمع الأنس بالناس فهو وحيد مع الجماعة ، وجالس بينهم في وحدة ، كأنه غريب في مدينة ، وحاضر في سفر ، وشاهد في غيبة ، وغائب في حضور ، يخالط الناس بالبدن لكنه منفرد بنفسه وبقلبه ، مستغرق في عذوبة الذكر .

ويروى عن علي بن أبي طالب   قوله في وصف أصحاب الأنس بالله : « هم قوم هجم بهم العلم على حقيقة الأمر ، فباشروا روح اليقين ، واستلانوا ما استوعر

المترفون ، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، صحبوا الدنيا بأبدانهم ، أرواحهم معلقة بالمحل الأعلى ، أولئك خلفاء الله في أرضه ، والدعاة إلى دينه .

هذه هي علامات الأنس بالله ، وهذه حقائقها ومعناها » .

_______
المصدر :  د . حسن الشرقاوي – معجم ألفاظ الصوفية – ص 60 – 62 ( بتصرف ) .

أضف تعليقاً

Follow by Email
YouTube
YouTube