الأدب وأهميته عند أهل الطريقة – ح5

آداب المريد في حلقة الذكر

في الطريقة الكسنـزانية على المريد أن يواظب على حضور حلقات الذكر الرسمي وكذلك اليومي ما أمكنه ذلك ، وان يجتهد أن لا يتخلف أو يتأخر عن الحضور لحلقة الذكر إلا إذا كان مضطرا إلى ذلك .

وتكمن أهمية حضور المريدون لحلقات الذكر عند مشايخ الطريقة في الفوائد الروحية التي يتحقق بها المريدين عند اجتماعهم ففي حلقة الذكر تلتقي القلوب ويكون التعاون والتجاذب ، ويستسقي الضعيف من القوي ، والمُظْلمُ من المُنّور والكثيف من اللطيف ، والجاهل من العالم . وقد يوجد أحد المريدين من أصحاب الصفاء والنقاء ، يذكر بصدقٍ وإخلاص ويغاث بأنوار الذكر غيثاً يستفيد منه كل غافل وجاهل فيخرج ببركة الذكر لا يستثنى منهم أحد ، فيحصل الغافل ما لا يحصل عليه إذا جلس للعبادة سنين طويلة ، وهذه من بركات الاجتماع للذكر ، فكم من غافلٍ ينتبه وكم من قلبٍ نائم يستيقظ وكم من جامدٍ يتحرك . وهناك آداب قبل الذكر ، وأخرى يجب توفرها أثناء حلقة الذكر ، وآداب بعد الذكر مباشرة . وبتحقق المريد بها جميعاً ينال بركة عظيمة لا ينالها لو جلس عابداً وذاكراً السنين الطوال ، ولهذا ينبغي على المريد أن يحافظ على آداب الذكر ليتحقق بأكبر قدر من الفوائد الروحية التي تنفعه في الدنيا والآخرة .

 

آداب ما قبل الذكر :

  • على المريد أن يكون طاهراً متوضئاً كلما أراد الذكر ، فعن ابن

عمر رضي الله عنه قال : إن استطعت أن لا تذكر الله إلا وأنت طاهر فافعل .

  • التوبة النصوح من كل الأعمال والذنوب والغفلات التي ارتكبها قبل حضوره الذكر ليفتح عليه باب الرحمة من الحق تعالى ويكون مهيئاً لاستقبال الفيوضات والأنوار الربانية .
  • ينبغي أن يكون جسده نظيفا نقياً من الحرام كسباً وغذاءً (1).
  • تطييب رائحة جسمه وتعطير فمه وملابسه ويتجنب تناول الأطعمة ذات الروائح الخبيثة قبل الذكر حتى لا يشغل المريدين بها عن التمعن بالذكر.
  • إخلاص النية وهو أن يكون الباعث له على الذكر امتثال أمر الله تعالى لا غير ذلك
  • أن يطهر قلبه للذكر وأن يفرغه من كل موجود سوى المذكور ،

فالقلب محل نظر الحق تعالى ، فعليه تصفيته وتنقيته من جميع الخواطر والعلائق الدنيوية والشواغل التي من شأنها إفساد حضوره القلبي وأن يجاهد في طرد وساوس الشيطان وهواجس النفس، وأن لا يشغل قلبَه في أُمور الدنيا ، وأن يكون متهيئاً لما يَمنُّ الله به عليه من تجليات أفضاله .

  • في حالة الذكر المفرد يستحب أن يجلس في مكان خال ونظيف ، مطرقاً برأسه ، متذللاً متخشعاً بسكينة ووقار ، مستقبلا القبلة ، أما إذا كان الذكر جماعياً فيكون مع بقية المريدين في حلقة سواء في وضع الجلوس أو القيام حسب نوع الذكر .
  • أن يجلس حيث انتهى به المجلس إذا كان الإخوان جلوساً ، وإذا كانوا وقوفاً وقف خلفهم وذكر بذكرهم حتى ينتبه له أقربهم ويفسح له ليدخل بينهم ، وينتظم في حلقتهم حتى لا يقطع عليهم اشتغالهم بالذكر، وأن يكون موافقاً لهم في وضعهم ، فلا يشذ عنهم بمخالفة ، فلا يخترق الصفوف أثناء الحركة لينفذ إلى داخل الحلقة ، بل يرى المكان الفارغ ويقف فيه إن جاء متأخراً .

 

آداب أثناء الذكر :

  • أن يبدأ ذكره بالبسملة والاستمداد من همة شيخه ، وأن يرى أن استمداده من شيخه هو في الحقيقة استمداد من حضرة الرسول الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم ، لأن الشيخ باب المريد للحضرة المحمدية المطهرة .
  • أن يغمض عينيه ليسد طرق الحواس الظاهرة شيئاً فشيئاً ، وسدها يكون سبباً لفتح حواس القلب .
  • أن يرابط مع شيخه روحياً ولا يغيب عنه ليحصل له الاتصال مع الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم روحياً عن طريق سلسلة المشايخ .
  • على المريد أن يكون موافقا لحركة الذاكرين ، إلا لمن صحبه حال وحال دون سكونه فهو معذور ، كما يجب مراعاة صوت الطبلة في الحركة .
  • أداء الحركة الصحيحة في الذكر بكيفيتها التي أمر بها شيخ الطريقة بدون زيادة أو نقصان ، لأنها تنشط الجسم للذكر، وتساعد على حضور القلب مع الله تعالى ، إذا صحت النية ، فالأمور بمقاصدها.

إن هذه الحركة وهذا الاهتزاز جائز شرعا، لما روي عن أبي أراكة انه قال : « صلّيتُ مع علي صلاة الفجر، فلما أنفتل عن يمينه مكث كأنَّ عليه كآبة ، حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح صلى ركعتين ، ثم قلب يده فقال : والله لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ، فما أرى اليوم شيئاً يشبههم ، لقد كانوا يصبحون صفراً شعثاً غبراً ، بين أعينهم كأمثال رُكَب المَعْزى ، قد باتوا لله سجداً وقياماً ، يتلون كتاب الله يتراوحون بين جباههم وأقدامهم ، فإذا أصبحوا فذكروا الله فمادوا [ أي : تحركوا ] كما يميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تَبتََلَّ – والله – ثيابُهم » (2) .

وقد استدل الشيخ عبد الغني النابلسي رحمه الله بهذا الحديث في إحدى رسائله على ندب الاهتزاز بالذكر، وقال : هذا صريح بأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتحركون حركة شديدة في الذكر.

  • موافقة صوته صوت الحلقة من حيث الجهر والإخفاء وحسب النظام المتداول بطريقتنا فلا يجهر في الإخفاء ولا يخفي في الجهر . وأن يجتهد في إخفاء صوته في أصواتهم حتى لا يكون مميَّزاً بينهم .
  • استحضار معاني الذكر وتدبرها ، وعدم الإسراع بالشكل الذي لا يفهم معه ما يقول . فإن كان يستغفر فعليه أن يلاحظ بقلبه طلب المغفرة والعفو من الله تعالى ، وإن كان يصلي على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فعليه أن يستحضر عظمة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بقلبه ، وإن كان يذكر بالنفي والإثبات وهو ( لا إله إلا الله ) فعليه أن ينفي كل شاغل يشغله عن الله تعالى . وفي كل الأحوال عليه ألا يَترك الذكر باللسان لعدم حضور القلب ، بل يذكر الله بلسانه ولو كان غافلاً بقلبه ؛ لأن غفلة الإنسان عن الذكر إعراض عن الله بالكلية ، وفي وجود الذكر إقبال بوجهٍ ما ، وفي شغل اللسان بذكر الله تزيين له بطاعة الله ، وفي فقده تعرضٌ لاشتغاله بالمعاصي القولية كالغيبة والنميمة وغيرها ، وفي هذا يقول ابن عطاء الله السكندري : « لا تترك الذكر لعدم حضور قلبك مع الله تعالى فيه ، لأن غفلتك عن وجود ذكره، أشد من غفلتك في وجود ذكره ، فعسى أن يرفعك الله من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة ، ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور ، ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع وجود غَيْبَةٍ عما سوى المذكور، وما ذلك على الله بعزيز »(3) . فعلى المريد ملازمة الذكر باللسان حتى يفتح القلب ، وينتقل الذكر إليه ، فيكون من أهل الحضور مع الله تعالى(4).
  • ألا يظهر المُريد حاله الذي يطرأ عليه أثناء الذكر ويكتمه قدر المستطاع .
  • عدم مسك صاحب الحال على كتفه ظناً بالتخفف ، بل يمسك صاحب الشوق ، والفرق بينهما : إن صاحب الحال بطيء الحركة لا يؤثر على الحلقة وصاحب الشوق سريع الحركة يقفز قفزات غير مرتبة وسريعة ، يمكن مسكه إذا رؤي انه يؤثر على سير الذكر .
  • عدم ترك حلقة الذكر أثناء سير الذكر لشرب الماء أو الكلام مع شخص آخر فإن فيها ضرراً كبيراًً على حاله .
  • لا يسمح للمرضى بالوقوف متفرجين محتجين بأمراضهم بل عليهم أن يدخلوا الحلقة ويجلسوا في وسطها ، وان يرددوا مع الذاكرين ما أمكنهم ذلك .

آداب ما بعد الذكر :

  • أن يسكن المُريد بعد الانتهاء من الذكر وان يخشع لعله يرد عليه وارد فيعمر وجوده في تلك اللحظة ، ولهذه السكتة البسيطة ثلاثة آداب كما يرى الإمام الغزالي وهي :

الأول : أن يرى المريد نفسه بين يدي الله تعالى وانه عز وجل مطلع عليه .

الثاني : نفي الخواطر كلها وإجراء معنى (الله .. الله ) على القلب .

الثالث : أن يجمع حواسه كلها على الرابطة بحيث لا يتحرك منه شعرة .

  • أن يذم نفسه مراراً وبقدر ثلاثة أنفاس إلى سبعة أو أكثر حتى يدور الوارد في جميع حواسه فتتنور بصيرته وتقطع عنه خواطر النفس والشيطان .
  • عدم شرب الماء البارد بعد الانتهاء من الذكر مباشرةً لان الذكر يورث حرقة وهيجاناً وشوقاً والماء يبرد ذلك .

__________________________
الهوامش :

(1) – عبد القادر عيسى – حقائق عن التصوف – ص 112 – 113 .

(2) – ابن كثير – البداية والنهاية في التاريخ- ج8 ص6، وأخرجه أيضاً أبو نعيم في الحلية -ج1ص76 .

(3) – ابن عجيبة – إيقاظ الهمم في شرح الحكم – ج1 ص 79 .

(4) – عبد القادر عيسى – حقائق عن التصوف – ص 111 .

أضف تعليقاً

Follow by Email
YouTube
YouTube