أنواع التوسل والمتوسلون

التوسل: هو طريقة من طرق التضرع إلى الله عز وجل ، وأحد أبواب دعاءه والتوجه اليه سبحانه وتعالى، فالوسيلة هي كل ما جعله الله سببا للتقرب اليه وبابا لقضاء الحوائج منه، قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا اليه الوسيلة﴾([1][1]).

وأما الاستغاثة : فهي طلب الإغاثة ممن يمملكها على وجه الحقيقة وهو الله عز وجل، أو ممن أعطاهم الله بحوله وقوته القدرة عليها، وهم أنبياؤه وأولياؤه.

وأما الاستعانة: فهي طلب العون ممن يملكه على وجه الحقيقة وهو الله تبارك وتعالى أو ممن أعطاهم الله بمنه وكرمه القدرة عليها، وهم أنبياءه وأولياؤه .

فيظهر لنا أن التوسل والاستغاثة والاستعانة شيء واحد ، لأن المتوسل أو المستغاث أو المستعان به على الحقيقة هو الله ، وأما المتوسل به من العبيد فواسطة ووسيلة للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، هذا ولم يختلف أحد من المسلمين في مشروعية التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بالأعمال الصالحة من صلاة وصيام وقراءة قرآن وغير ذلك والدليل على هذا حديث الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار فتوسل أحدهم إلى الله ببر والديه، وتوسل الثاني بابتعاده عن الفاحشة بعد تمكنه من أسبابها، وتوسل الثالث بأمانته وحفظه لمال غيره وأدائه له كاملا ، ففرج الله عنهم ما هم فيه([2][2]).

وأما التوسل بغير العمل الصالح كالذوات والأشخاص فما هو في الحقيقة إلا توسل بعمله الصالح فمن توسل بشخص ما فذلك لأنه يحبه إذ يقدر صلاحه وولايته وفضله تحسينا للظن به، أو لأنه يعتقد أن هذا الشخص محب لله سبحانه وتعالى، فيكون الله تعالى محبا له أيضا قال جل جلاله ﴿يحبهم ويحبونه﴾([3][3]) ولو تدبرنا الأمر لوجدنا أن هذه المحبة وذلك الاعتقاد هما من عمل المتوسل لأنه اعتقاده الذي انعقد عليه قلبه فهو منسوب اليه ومسؤول عنه ومثاب عليه ، فمن قال: اللهم إني أتوسل اليك بمحبتي لنبيك أو قال بنبيك سواء لأنه ما أقدم على هذا إلا لمحبته وإيمانه بنبيه، ولولا المحبة له والإيمان به ما توسل به فهو إذاً توسل بعمله الصالح.

ثم إن المسلم عندما يتوسل أو يستغيث بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أو بالرجل الصالح إنما يتوسل به لما يعلم من كرامته وجاهه عند الله عز وجل ، ولاعتقاده بانه يمكن أن يكون قد أعطى القدرة على الإمداد والإعانة ، ونعني بالجاه المنزلة التي يختص الله بها من يشاء من عباده ، فالله سبحانه وتعالى متصف بصفة تسمى صفة الاختصاص قال الله عز وجل (يختص برحمته من يشاء﴾([4][4]).

والنبوة والرسالة والولاية الخاصة ليست مكتسبة بل هي محض فضل الهي واجتباء واختصاص رباني يكون بسببها لذلك العبد منزلة عند الله تسمى الجاه ، قال تعالى ﴿الله يجتبي اليه من يشاء ويهدي اليه من ينيب﴾([5][5]) وقال سبحانه في إثبات الوجاهة والمكانة لبعض أنبيائه وملائكته عليه السلام كسيدنا موسى عليه الصلاة والسلام ﴿وكان عند الله وجيها﴾([6][6]) أي ذا وجاهة.

وقال في حق سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام ﴿وجيها في الدنيا والاخرة ومن المقربين﴾([7][7]) وقال عن سيدنا جبريل عليه السلام ﴿ذي قوة عند ذي العرش مكين﴾([8][8]) أي صاحب مكانة.

فالإنسان عندما يتوسل إلى الله تعالى بجاه نبي أو ولي فإن ذلك يعني أنه توسل إلى الله تعالى بفعل من أفعاله خلقه لذلك النبي وسماه جاها، وبصفة من صفاته سماها اختصاصا ، وهذا من التوسل إلى الله بصفاته وأفعاله وهو مجمع على جوازه عند أهل الحق([9][9]).

ونحن إذا نظرنا إلى كل فرد من أفراد المتوسلين والمستغيثين بالأنبياء والصالحين لا نجد في نفس أحد منهم إلا التقرب إلى الله تعالى لقضاء حاجاتهم الدنيوية والأخروية ، مع علمهم بأنهم كلهم عبيد لله تعالى ، فقلوبهم موقنة أنه جل جلاله الفعال المطلق المستحق للتعظيم بالأصالة لا شريك له ولا رب ولا موجد سواه، ولا نافع ولا ضار إلا هو ، وأما تعظيمهم لغيره من خواص عبيده فإنما يكون بقدر منزلة ذلك العبد عند الله تعالى بحسب ما علموه ، فها هم يعظمون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من سائر الخلق لعلمهم أنه أحب عبيده تعالى إليه وأقربهم لديه ، ثم يعظمون بعده الأنبياء والمرسلين أكثر من غيرهم لأن درجتهم تلي درجته صلى الله عليه وآله وسلم ، وهكذا سائر عباد الله من صحابته صلى الله عليه وآله وسلم وآل بيته وبقية الأولياء والصالحين على اختلاف درجاتهم وما يمتاوزن به عن غيرهم من علم وتقوى وما خدموا به هذه الشريعة المحمدية ونفعوا به الأمة الإسلامية من العلوم والمعارف والفتوحات والذب عن المسلمين والإسلام ، بعضهم بحد القلم وبعضهم بحد الحسام وما فضلهم الله به من الكرامات وخوارق العادات فهم يعتقدون الاعتقاد الجازم الذي لا يعتريه خلل ولا يشوبه خطأ ولا زلل أنهم كلهم عبيده وأن كل ما هم عليه من مقامات ودرجات إنما هو من فضل الله عليهم ، فقد أثنى عليهم الله تعالى في كتابه وأثنى عليهم نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في أحاديثه مبينا أوصافهم الجليلة وهي كلها ترجع إلى صدق عبوديتهم لله تعالى وحسن خدمتهم له عز وجل فعظموهم لذلك واتخذوهم وسائط لقضاء حوائجهم عنده لكونهم وإن شاركوهم في أصل العبودية له تعالى إلا أنهم امتازوا عنهم بما تفضل الله عليهم به من الرسالة والنبوة والولاية وكثرة العلم والعمل والمعرفة والطاعات وسائر الخدمات التي تليق به تعالى.

([1][1]) سورة المائدة الآية (35).

([2][2]) أخرجه البخاري (215) ومسلم (6884) وأحمد (2/307/308).

([3][3]) سورة المائدة آية 54.

([4][4]) سورة آل عمران الآية 74.

([5][5]) سورة الشورى الآية 13.

([6][6]) سورة الأحزاب الآية 13.

([7][7]) سورة آل عمران آية 45.

([8][8]) سورة التكوير الآية 20.

([9][9]) من كتاب الإسعاد.

أضف تعليقاً

Follow by Email
YouTube
YouTube