موقع الطريقة العلية القادرية الكسنزانية

مسائل في نزول القرآن

يقول الشيخ جلال الدين السيوطي : في نزول القرآن مسائل :
الأولى : قال الله تعالى - شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن - وقال - إنا أنزلناه في ليلة القدر - اختلف في كيفية إنزاله من اللوح المحفوظ على ثلاثة أقوال : أحدها وهو الأصح الأشهر : أنه نزل إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة ، ثم نزل بعد ذلك منجماً في عشرين سنة أو ثلاثة وعشرين أو خمسة وعشرين على حسب الخلاف في مدة إقامته صلى الله عليه وسلم بمكة بعد البعثة . أخرج الحاكم والبيهقي وغيرهما من طريق منصور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : أنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة إلى سماء الدنيا ، وكان بمواقع النجوم وكان الله ينزله على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضه في أثر بعض . وأخرج الحاكم والبيهقي أيضاً والنسائي أيضاً من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال : أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر ، ثم أنزل بعد ذلك بعشرين سنة ، ثم قرأ - ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً . ( وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا ) . وأخرجه ابن أبي حاتم من هذا الوجه وفي آخره : فكان المشركون إذا أحدثوا شيئاً أحدث الله لهم جواباً . وأخرج الحاكم وابن أبي شيبة من طريق حسان بن حريث عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا ، فجعل جبريل ينزل به على النبي صلى الله عليه وسلم أسانيدها كلها صحيحة . وأخرج الطبراني من وجه آخر عن ابن عباس قال : أنزل القرآن في ليلة القدر في شهر رمضان إلى سماء الدنيا ليلة واحدة ، ثم أنزل نجوماً . إسناده لا بأس به . وأخرج الطبراني والبزار من وجه آخر عنه قال : أنزل القرآن جملة واحدة حتى وضع في بيت العزة في السماء الدنيا ، ونزله جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم بجواب كلام العباد وأعمالهم. وأخرج ابن أبي شيبة في فضائل القرآن من وجه آخر عنه : دفع إلى جبريل في ليلة القدر جملة واحدة فوضعه في بيت العزة ، ثم جعل ينزله تنزيلاً وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق السدي عن محمد عن ابن أبي المجالد عن مقسم عن ابن عباس : أنه سأل عطية بن الأسود فقال : أوقع في قلبي الشك قوله تعالى - شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن - وقوله ( إنا أنزلناه في ليلة القدر - وهذا أنزل في شوال وفي ذي العقدة وذي الحجة وفي المحرم وصفر وشهر ربيع ، فقال ابن عباس : إنه أنزل في رمضان في ليلة القدر جملة واحدة ، ثم أنزل على مواقع النجوم رسلاً في الشهور والأيام . قال أبو شامة : قوله رسلاً : أي رفقاً ، وعلى مواقع النجوم : أي على مثل مساقطها . يريد أنزل في رمضان في ليلة القدر جملة واحدة ، ثم أنزل على ما وقع مفرقاً يتلو بعضه بعضاً على تؤدة ورفق .
القول الثاني : أنه نزل إلى سماء الدنيا في عشرين ليلة قدر ، وثلاث وعشرين أو خمس وعشرين في كل ليلة ما يقدر الله إنزاله في كل السنة ، ثم أنزل بعد ذلك منجماً في جميع السنة . وهذا القول ذكره الإمام فخر الدين الرازي بحثاً فقال : يحتمل أنه كان ينزل في كل ليلة قدر ما يحتاج الناس إلى إنزاله إلى مثلها من اللوح إلى السماء الدنيا ، ثم توقف هل هذا أولى أو الأول . قال ابن كثير : وهذا الذي جعله احتمالاً نقله القرطبي عن مقاتل ابن حيان ، وحكى الإجماع على أنه نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا . قلت : وممن قال بقول مقاتل الحليمي والماوردي ، ويوافقه قول ابن شهاب آخر القرآن عهداً بالعرش آية الدين .
القول الثالث : أنه ابتدأ إنزاله في ليلة القدر ثم نزل بعد ذلك منجماً في أوقات مختلفة من سائر الأوقات وبه قال الشعبي . قال ابن حجر في شرح البخاري : والأول هو الصحيح المعتمد . قال : وقد حكى الماوردي قولاً رابعاً أنه نزل من اللوح المحفوظ جملة واحدة ، وأن الحفظة نجمته على جبريل في عشرين ليلة ، وأن جبريل نجمه على النبي صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة ، وهذا أيضاً غريب . والمعتمد أن جبريل كان يعارضه في رمضان بما ينزل به في طول السنة . وقال أبو شامة : كأن صاحب هذا القول أراد الجمع بين القولين الأول والثاني . قلت : هذا الذي حكاه الماوردي أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس قال : نزل القرآن جملة واحدة من عند الله من اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا ، فنجمته السفرة على جبريل عشرين ليلة ، ونجمه جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم عشرين سنة .
تنبيهات : الأول قيل السر في إنزاله جملة إلى السماء تفخيم أمره وأمر من نزل عليه ، وذلك بإعلام سكان السموات السبع أن هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم قد قريناه إليهم لننزله عليهم ، ولولا أن الحكمة الإلهية اقتضت وصوله إليهم منجماً بحسب الوقائع لهبط به إلى الأرض جملة كسائر الكتب المنزلة قبله ، ولكن الله باين بينه وبينها فجعل له الأمرين إنزاله جملة ثم إنزاله تشريفاً للمنزل عليه . ذكر ذلك أبو شامة في المرشد الوجيز . وقال الحكيم الترمذي : أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا تسليماً منه للأمة ما كان أبرز لهم من الحظ بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم ، وذلك أن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم كانت رحمة ، فلما خرجت الرحمة بفتح الباب جاءت بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن ، فوضع القرآن ببيت العزة في السماء الدنيا ليدخل في حد الدنيا ، ووضعت النبوة في قبل محمد ، وجاء جبريل بالرسالة ثم الوحي ، كأنه أراد تعالى أن يسلم هذه الرحمة التي كانت حظ هذه الأمة من الله إلى الأمة . وقال السخاوي في جمال القراء : في نزوله إلى السماء جملة تكريم بني آدم وتعظيم شأنهم عند الملائكة وتعريفهم عناية الله بهم ورحمته لهم ، ولهذا المعنى أمر سبعين ألفاً من الملائكة أن تشيع سورة الأنعام ، وزاد سبحانه في هذا المعنى بأن أمر جبريل بإملائه على السفرة الكرام وإنساخهم إياه وتلاوتهم له . قال : وفيه أيضاً التسوية بين نبينا صلى الله عليه وسلم وبين موسى عليه السلام في إنزاله كتابه جملة ، والتفضيل لمحمد في إنزاله عليه منجماً ليحفظه . وقال أبو شامة : فإن قلت : فقوله تعالى ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) من جملة القرآن الذي نزل جملة أم لا ؟ فإن لم يكن منه فما نزل جملة، وإن كان منه فما وجه صحة هذه العبارة ؟ قلت : وجهان . أحدهما : أن يكون معنى الكلام أنا حكمنا بإنزاله في ليلة القدر وقضيناه وقدرناه في الأزل . والثاني أن لفظه لفظ الماضي ومعناه الاستقبال : أي ننزله جملة في ليلة القدر انتهى .
الثاني : قال أبو شامة أيضاً : الظاهر أن نزوله جملة إلى سماء الدنيا قبل ظهور نبوته صلى الله عليه وسلم . قال : ويحتمل أن يكون بعدها . قلت : الظاهر هو الثاني ، وسياق الآثار السابقة عن ابن عباس صريح فيه . وقال ابن حجر في شرح البخاري : قد خرج أحمد والبيهقي في الشعب عن واثلة بن الأسقع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أنزلت التوراة لست مضين من رمضان ، والإنجيل لثلاث عشر خلت منه ، والزبور لثمان عشرة خلت منه ، والقرآن لأربع وعشرين خلت منه وفي رواية وصحف إبراهيم لأول ليلة قال : وهذا الحديث مطابق لقوله تعالى - شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن - ولقوله ( إنا أنزلناه في ليلة القدر - فيحتمل أن يكون ليلة القدر في تلك السنة كانت تلك الليلة، فأنزل فيها جملة إلى سماء الدنيا ، ثم أنزل في اليوم الرابع والعشرين إلى الأرض أول - اقرأ باسم ربك - قلت: لكن يشكل على هذا ما اشتهر من أنه صلى الله عليه وسلم بعث في شهر ربيع . ويجاب عن هذا بما ذكروه أنه نبي أولاً بالرؤيا في شهر مولده ، ثم كانت مدتها ستة أشهر ثم أوحى إليه في اليقظة . ذكره البيهقي وغيره : نعم يشكل على الحديث السابق ما أخرجه ابن أبي شيبة في فضائل القرآن عن أبي قلابة قال : أنزلت الكتب كاملة ليلة أربع وعشرين من رمضان .
الثالث : قال أبو شامة أيضاً : فإن قيل ما السر في نزوله منجماً ؟ وهلا أنزل كسائر الكتب جملة ؟ قلنا : هذا سؤال قد تولى الله جوابه ، فقال تعالى - وقال الذين كفروا لولا أنزل الله عليه القرآن جملة واحدة - يعنون كما أنزل على من قبله من الرسل فأجابهم تعالى بقوله (كذلك - أي أنزلناه كذلك مفرقاً - لنثبت به فؤادك - أي لنقوي به قلبك ، فإن الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى بالقلب وأشد عناية بالمرسل إليه ، ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه وتجدد العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز ، فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة ، ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان لكثرة لقياه جبريل . وقيل معنى لنثبت به فؤادك : أي لتحفظه ، فإنه عليه الصلاة والسلام كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب ، ففرق عليه ليثبت عنده حفظه ، بخلاف غيره من الأنبياء فإنه كان كاتباً قارئاً فيمكنه حفظ الجميع . وقال ابن فورك : قيل أنزلت التوراة جملة لأنها نزلت على نبي يكتب ويقرأ وهو موسى ، وأنزل الله القرآن مفرقاً لأنه أنزل غير مكتوب على نبي أميّ . وقال غيره : إنما لم ينزل جملة واحدة لأن منه الناسخ والمنسوخ ، ولا يتأتى ذلك إلا فيما أنزل مفرقاً . ومنه ما هو جواب لسؤال ومنه ما هو إنكار على قول قيل أو فعل فعل ، وقد تقدم ذلك في قول ابن عباس : ونزله جبريل بجواب كلام العباد وأعمالهم ، وفسر به قوله ( ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق - أخرجه عنه ابن أبي حاتم . فالحاصل أن الآية تضمنت حكمتين لإنزاله مفرقاً .

المصدر :- كتاب الإتقان للشيخ جلال الدين السيوطي .