الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
ذوات الارواح في الفن الاسلامي
رموز ودلالات صوفية وروحية في جمالية التكرار


مجيد السامرائي
خشية الانزلاق الى الوثنية، ومضاهاة الله في خلقه، توقف الفن العربي عند حدود صارمة للتجسيم، لذلك ظل الفن العربي فناً مجرداً وكان هذا التجريد داعيا الى ازدهار الفن الاسلامي (الرقش) وهو على وفق تعريف بهنسي (صورة مرسومة وملونة او منقوشة نافرة ذات اشكال هندسية جاذبة نابذة او ذات اشكال توريقية مكررة، وفي الحالين تحمل معنى صوفيا رمزيا للتبتل والعبادة الاسلامية).   ويعرفه عبد الرحيم غالب بانه (معادل لكلمة Tawriq Astriques الالمانية اي التوريق ولها صلة بالاوراق النباتية، ولكن غالب يرى انها ليست مقصورة على العرب اذ هي متداولة في كل بلاد الاسلام من الصين، وسمرقند، وشمالي افريقيا واسبانيا الى صقلية وايطاليا وفرنسا والمانيا. 
ولعل في استمرار الحرفيين في اطلاق لفظة (توريق) وتشجير على الزخارف النباتية ولفظة تسطير على الهندسية، دليل على استيحائهم للنجوم التي هي في الاصل اللغوي تدل على نبات بلا سيقان وفي معناها الثاني ترتبط بالنجوم السماوية واشكالها الهندسية الثمانية او الست عشرية المكناسية وعين الشمس وغيرها، والتي تتردد في تسميات محلية بالعامية التي تدل على صغائر العناصر الزخرفية التسطيرية والتوريقية كالظفر، والصنوبرة، والخيزرانة، والمجرة، والورقة ، والعقدة والمروحة العنكبوتية. مصادر الارابيسك تعود الى نجمة سومرية او زهرة ساسانية، او ايقونة بيزنطية او معادلة رياضية، او رمز قبطي، او فلسفة افلاطونية، او معتقدات يهودية او صلوات مسيحية، ان الارابيسك في تكراره ان هو الاتراتيل ترمز الى الفكر والعنصر والروح. 
لقد ارتقى الفنان العربي المسلم بهذا الفن الى ارقى ذرى التجريد، حيث ابدع نوعا من الالوان، حين جمع بين المجرد والحركة القائمة على التكرار، حيث اخفق الفنان الحركي المعاصر، حيث حاول مجاورة الوعي (الرياضي) للفنان المسلم، عندها لجأ الاوربيون الى القواعد الرياضية التي تحدد الاصول المطلقة التي سعى اليها فنانو الاغريق وعصر النهضة دائماً للتعبير عن الكمال الالهي من خلال الكمال الانساني. في حين قصر المسلمون موضوعة الخلق بالخالق وحده، وخصوه وحده بقدرته على نفخ الروح في الاشياء حيث تبدوالموجودات كلها من خلال (عين الله المطلقة) التي لا تحدها زاوية بصر ضيقة، انها مبادئ غير رياضية وغير ضوئية لكنها روحية تصاعدية. ان التكرار هنا يحدد رياضيا في اوضاع وحجوم وهيئات متعاقبة في البعد الثالث في خط افقي يحدد مستوى النظر. 
فترتاح الحروف على الاغصان او تتحد معها، او تشكل المضلعات والمتداخلات وكثيرا ما كانت خلفية تلتصق فوقها الكتابة، وربما انتهت الحروف بتشكيلات نباتية، والفت معها لحنا زخرفيا واحدا، وربما تناغمت معها باشكال وخطوط مبسطة لصور حيوانات اسطورية، او لاقنعة او لطيور خرافية وخيول وجمال واسود.. وكثير في ما ندر.. ولعل تكرار ظهور صور الحيوانات بشكل متموج يعتمد اشكالا طبيعية معتمدا الزهريات والورديات والاغصان والاوراق والثميرات مع حيوانات تنضوي تحت خط نسخي متموج يبالغ في تجريد الهيئات الحيوانية بصفة غالب بأنه ينتمي ضمن النظام الجبري (حيث تنفيذ الخطوط بهيمنة القواعد، مع تداخل ملتو لخطوط حرة متموجة في تعانق وتماثل وتقابل وتعاكس (ولعل في اتهام العربي في الخوف من الفراغ ، دعته الى التكرار في النقوش الغائرة، والبارزة في التطعيم والتنزيل، والترصيع، والتكفيت.. 
وثمة من يرجع اصل تكرار المربع، والمُسدس والمثمن وكل المضلعات الى العقيدة الكوكبية لدى السومريين حيث كلما اقتربنا من الدائرة اصبحنا على تماس مع رمز الدوام في السماء والخرسانة العنكبوتية بالحنش، والقلب والشريط المفتول، وخاتم سليمان، والبلوطة، والحاجب والمحارة والضفيرة. 
وهي تعني جميع انواع الزخارف الاسلامية: الهندسية وغير الهندسية، الملونة والبسيطة، الدائرية والمستقيمة، اللولبية والمتعرجة، النباتية والكتابية المنفذة بالحبر والاصباغ والمعادن الشائعة والثمينة، على الخشب والحجر والزجاج، في كل الاماكن وفي كل الادوات واللوازم التي تشكل معاً عالم المسلم الرحب وحياته اليومية، والخاصة في وقت واحد. ففي تضافر النماذج النباتية، والحيوانية المجردة ، وتموجها بشكل متكرر في تقابل وتردد من مروحي وبيضاوي مجدل ومشبك مع تقيد باداء الحركة بانسجام وايقاع متناوب، وتناسب مدروس ، لملء الفراغ و..... لكامل السطح، بدوران هادئ متوازن لا انفعال في تحركه ولا مفاجآت في التفافه، مع المحافظة على عنصر الادهاش في القاء المشاهد وسط متاهات وخطوط على ارضية مربعة او مسدسة او مثمنة او دائرية، ولكن بلا حدود، فالمساحات الهندسية هي الاخرى لابداية ولا نهاية لها، وتدخل الكتابة في التزيين دائماً ويكاد بهنسي ان يرجع خوف العرب من الفراغ الى حد انه يسميه (الفراغ) الى اصول بدائية) (خوف من ابليس) يجعله يشغل نفسه بتكرار ذكر الله، حتى لا يقع تحت طائلة تخريبه الشيطاني، حيث يضيف المسلم عناصر شكلية في تصاوير تشبيهية، او تفريغ عناصر هندسية مجردة في رقشة العربي. 
والباحث يرى ان ترديد مفردة الله حي مرات عدة في الاذكار النبوية، هي محاولة لطرد الوساوس الشيطانية، حيث تعد هذه التسابيح وتعاقبها صورة اولى لنشوء التعازيم التي هي اساس السحر عند البدائيين بحيث يكون تكرارها بتصاعد في المتراتيل مدعاة لنشوء الاصول الاولى للموسيقى..او هكذا يرى شارل لالو في ربطه السحر بالفن بالموسيقى. ان جورج بابا دبولو يسمي ذلك بالدائرة النبوية (بهنسي: ص47) التي مردها الى الحركة اللولبية التي تبدأ بالطوفان حول الكعبة ودوران المولوية وبايسر الحياة الذي عرف عند سومر ووصل الى المسلمين حيث انها عند اتباع الصوفية تصدر من الله. حتى الوصول الى الروح الصوفية بالوجود مع الألق حيث يكون الفن الاسلامي حدسياً فوق الواقع اقرب الى الوهم والهذيان المتكرر وحلم اليقظة السريالي حيث تشغل مجاميع من الاشكال الوميضية التي تشع باستمرار حيث تكون النجوم متلاحمة مع غيرها في نسيج متصل في تشابك لاحدود له. 
ولعل في تراكب الايقاعات البصرية على القوس، ما يبرر ان التكرار في ترداد هذا المنحى في تقابلات منتظمة ان هو الا تأكيد ان القوس ناتج عن قوتين يسببها ضعفان اثنان. لان القوس في المباني تتكون من قطعتي دائرة ، وبما ان كلتا القطعتين ضعيفة جداً بحد ذاتها وتميل الى السقوط، وبما ان الواحدة تقاوم سقوط الاخرى، فان الضعفين يتحولان الى قوة جبرا(413). 
هناك إذاً، تضاد بصري وفيزياوي توحيان بعاطفية في الخط الذي يتصاعد من الارض وينحني من السماء، ليسقط ثانية الى الارض واذ يتكاثر هذا الشكل ويتكرر، فان وقعه في الغالب اشبه بالموسيقى التي تملأ الصدر بجذل وانشراح فجائي يكاد يعجز عن أي تحليل. 
لكن من الارجح ان ظاهرة التكرار اللانهائي لا علاقة له بروح الدين الاسلامي، لان الفن القولي قد ظهر عند العرب قبل ظهور الاسلام، وكذلك ظهر التكرار في الاسلام من خلال تكرار الصلاة والتسبيح، في قراءة القرآن ، وهكذا فالدين الاسلامي مبني على التكرار. ولعل هناك راياً مفاده، ان مرد هذا التكرار لا يعود الى الدين وانما الى البيئة العربية التي نجد فيها ظاهرتين الحرارة والصحراء، وهاتان الظاهرتان تفسران لنا ظاهرتي الثبات على التقاليد والتكرار، فالثبات كان ظاهرة عامة تمثلت في حب العربي للتقاليد سواء كانت تقاليد دينية ام فنية. ان الصحراء تمتد بصرياً في تتال فيزياوي الى ما لا نهاية في ضوء التكرار تنشأ الوحدة في العمل الفني. وعودة الى النصوص القولية هو الجناس في المحسنات البديعية اللفظية. حيث يقع التشابه والتكرار في تأليف حروف الكلمة ومن هذا تشابه ركني كلمة واحدة منها المتشابه من جناس ومنها: 
اذا ملك لم يكن ذا هبة 
                        
فدعه فدولته ذاهبة

الاولى معناها صاحب هبة، والثانية تعني زائلة. 
ومنها قول الشاعر: 
فدراهم مادمت في دارهم 
                 
وارضهم ما دمت في ارضهم

وارضهم الاولى من فعل امر بالارضاء وارضهم الثانية هي الارض اسم. الكلمة في تكرارها هنا لها طابع الاشارة الايقاعية وبفضل ذلك فان الحركة والايقاع يؤخذان من العدم ليصبحا مادة محسوسة. 
ويقابل ذلك ما يعرف بالصيغ المقدسة، والفاظ التعاويذ وفي الشعر يصبح الصوت مادة وشكلاً يصب في الايقاع. وبالكشف عن مرونته الخاصة. وعن قيمه الذاتية التي يرجع الفضل فيها الى فهم الايقاع بوصفه فكرة، ومن خلاله ينسق ميدان التفكير. 
ويلاقي الشعر نقداً ، بسبب ايلائه الايقاع وتكرار القافية، اهمية عظمى فهذا غوته يقول (ان الايقاع مُعز، فلقد امتدحوا قصائد سخيفة تماماً، وذلك بفضل ايقاعها الناجح). 
ان الايقاع في الفن هو الذي يمثل العمل الاجتماعي تمثيلاً كاملاً وهو من خلال ذلك يمثل المبدأ النشيط الخلاق في الكون، انه يمثل نبض الكون، وهو مبدأ جوهري يسري في كل عصر، وفي كل انسان، انه قوة موضوعية. يقول غاتشيف (ص61) ان حركات الجسم الايقاعية او الحركات المنتظمة ومن ثم الاغنية، بعد ان تظهر كوسيلة لتنظيم العمل التنظيمي هادفا في خلق البنية الجمالية في العمل الفني. إذاً هناك حركات جسدية لها ايقاع (في الجمباز مثلاً) ثم ايقاعات بهلوانية، ثم ايقاع الخطوط المنمقة الى ايقاع التصورات هذا الانتقال يؤدي الى ان الانسانية، وهي تكتسب شكلا اكثر رقيا وتعقيدا من أجل التعبير عن نفسها باشكال اكثر بساطة. ان الفيثاغوريين يرون وفق (علم الكونيات الجمالي) يرون الكون لا يتكون الا من انسجام وموسيقى وعدد. 
ان ضجيج البحر في تكرار والخادمة التي تصفق الباب كل صباح، والتي تكرر ذلك، ثم تدور في وعينا تشبه تماماً قطيعا من الابل - عند الواسطي في حركات متناوبة تم له تفادي الرتابة التي كانت ستنتاب نفوسنا، وذلك بتصويره الحيوانات في درجات عديدة من اللونين البني والاسمر والضارب الى الصفرة، وجعل معظم تركيب الاجسام الخاصة، موازنة غير جامدة والشيء المجتمع فيها ايضا هو ايقاع الانحناءات المتعرجة الكثر من الاعناق التي تنتصب فوق عدد محير من السيقان. 
كما صور الفنان العربي لاغراض الزينة والتزويق مثل المنمنات المزينة برسوم طيور الكراكي المتحركة. في مخطوطة الكتب العلمية التي تخص الحيوان في صور ذات طبيعة محورة، صورت الحيوانات وهي تمزج بين العرض الشكلي المعتاد والواقعي، وبين الترتيب الزخرفي. 
ان الطبيعة هنا تصور لا كما تراها العين بل كما يفهمها العقل، حيث ان الفن الاسلامي هو فن عقلي تركيبي يحلل الاجزاء ومن ثم يعيد تركيبها لا على شاكلتها القديمة وانما بشكل جديد، وهو بذلك فن مضموني الا انه غيب تلك المضامين نتيجة لعوامل مرجعية مهيمنة، قدسية او اجتماعية كابتعاد المصور المسلم عن تصوير المواضيع الدينية والقدسية التي تصور الحج والصلاة او تمثيل الانبياء والرسل بشكل واقعي.. انه في تجنيه تصوير ذوات الارواح استعاض عن ذلك بتكرار مجموعة من الرموز والاشارات الدالة كالحروف والكتابة او بتجريد الاشكال من واقعيتها ولسمو التجريد وغايته في ذلك الوصول الى الجوهر، وصولا الى التجريد المطلق ويرى الباحث ان لجوء الفنان المسلم الى المتواليات الهندسية التجريدية ، راجع الى اعتقاده انه بتجريده كل هيأة ادمية او حيوانية سيؤاخذ عليها بعجزه يوم القيامة عن نفخ الروح فيها، لذلك لجأ الى تمثيل اللامتناهيات المطلقات بتحويل ما هو (كائن)الى حي او غير ناطق من الجمادات الى ما ينبغي ان يكون، لذلك فان فنه خيالي لا تشخيصي التمس (المادة) لتجسيد افكاره عن العدم والغيب والمطلق. 
وذلك ما يلاحظ في الزخارف الجصية المكتشفة في قصر الحويصلات في سامراء، والتي ترتقي الى عصرها الاول، حيث اعتمد المزخرف على اغصان واوراق عناقيد العنب الا انه بسيط قليل التفاصيل محور وذو مسحة هندسية، ولعل اوضح مثال في ذلك هو ما عثر عليه من زخارف جصية في سامراء (من طراز سامراء الاول الذي يرتقي الى القرن الثالث الهجري لكن الاستاذ عبد العزيز حميد ينفي عن المزخرفين في ذلك العصر امتلاكهم قوالب خاصة تتيح لاصحاب الدور ان يختاروا ما يشتهون لزخرفة قاعات منازلهم. 
حيث انه استطاع بمقارنة الوحدات الزخرفية بعضها ببعض عن (طريق القياس) اثبات ان الفنانين لم يستعينوا بالقوالب المصنوعة من الخشب او الطين في سبيل الاسراع في انجاز العمل واثبت ان المزخرفين استطاعوا تكرار الوحدات الزخرفية بايقاع متتال مثلما فعلوا بالطرازين الاول والثاني وهو الحفر والقطع بادوات خاصة مثل السكين والازميل وما شابه.ان الفنان العربي في المحافظة على تكرار الوحدات الرقشية يسعى الى استجلاء الظاهر المحسوس من الباطن الذي يتضمنه اللوح المحفوظ. ويمثل المعجزة الكلامية اللامادية الخالدة بالنسبة للعقيدة العربية والاسلامية التي اظهرت التكرارات لعناصر الوحدات الزخرافية (آدمية او حيوانية او نباتية) المجردة وتوحيدها بمختلف الاشكال والمسارات الخطية المتباينة وباستخدام الخامات والسطوح التصويرية.
المصدر : موقع الف ياء .
http://www.alefyaa.com/index.asp?fname=news200718-01601.htm&storytitle
 
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: احمد عبد الكريم      البلد: مصر       التاريخ: 14-03-2007
بسم الله التي بها نفتتح الفضل والعطاء وبالصلاة علي الحبيب سيدنا محمد يكون الترقي والوفاق والصلاة والسلام علي ال بيته كما أشار الرحمن وعلي المؤمنين في كل عصر وأوان وبعد.
الحمد لله أن جعل التكرار كما أشار الكاتب سر الوصال فقال الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا(استمروا علي ما قالوا) فلا يشغلهم شاغل عن الاستمرار في قراءة القران بالتلاوة والتكرار وذلك لاستمرار الأنوار في الوصال لقوله ما كنت علي لسانه, فما دام النطق نور فاستمراره مثل موجات التيار الكهربي لو لم تتابع ما كان مظهر النور لنا فبالتكرار مداومة صلة الأنوار وإظهارها حدث نري أثارها فاستقامة العبد علي الفعل دليل الصدق والمتابعة تحقيق وتوثيق,
فلا عجب في ذلك الفضل والسلام.


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة