الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
التصوف في ديوان مع الله: للشاعر الإسلامي عمر بهاء الدين الأميري
الأستاذة: زهيرة بنيني
جامعة باتنة ـ الجزائر

لقد تزاحمت التيارات المادية في الواقع الحديث مما جعل الاتجاه الديني خاملا و متجمدا فاقتضت الظروف الاهتمام به ليظهر من يحمل العقيدة و ينشأ أدبا إسلاميا ذا نزعة روحية سامية,فكانت الأصوات متعددة منبثقة من نواحي عديدة تريد إيصال الأمل الصادق فأشرقت هذه البارقة في سوريا من الشاعر عمر بهاء الدين الأميري.
إن الأميري يسعى في هذا الديوان إلى السمو الإلهي و الصفاء الروحي,هذا ما يدعونا للبحث في أقاصي قصائده عن تقاطعه مع أفكار و أخلاق المتصوفة.و نحن نبحث إن كان الأميري قد تحلى بصفات هؤلاء.و لعل التصوف يعد بابا للعروج إلى الحضرة الإلهية,ليتجلى له الصفاء. و لهذا اعتبر التصوف:((ظاهرة دينية فريدة لتربية المسلمين تربية ذوقية وجدانية تمس القلب و الروح قبل الجوارح والأعضاء,فهو يرتبط بالمجاهدة و الرياضة و الأحوال والمقامات,فهو روح جديدة يمزجها بالعاطفة الدينية المؤسسة على أعمال القلوب,و تنحصر هذه الأعمال في التصديق و الإيمان و اليقين و الصدق و الإخلاص و المعرفة و التوكل و المحبة و الشوق و الوجد))1.
إن الأميري قد تزود بتربية روحية ساعدته على اجتياز أبعاد الواقع ليكشف أسرارا خفية,لأنه متزود بمبادئ الإسلام لهذا:((تجاوز البصر إلى البصيرة فترى بعينها الثاقبة المتزودة بنور الله ما لا يمكن للعلم بأرقامه و قوانينه الأرضية أن يراها ....فالواقعية الإسلامية هي الرباط السليم المتوازن الذي يجمع بين الأرض و السماء,بين الطبيعة المحسوسة و الطبيعة غير المحسوسة))2
إنه توحد بين الواقع و العقيدة،التي تسمح للشاعر بالتزود برؤية شاملة و واقعية،فينظر للحياة نظرة مغايرة لأجل هدم الظاهر و اختراقه للوصول إلى جوهر الأشياء هذا بجرأة فنية و طريقة جمالية نابعة من ذلك الإيمان الصوفي للشاعر الذي تفاعلت معه تلك الروح السامية و الواقعية المادية ليصهرها فيعطي عملا إبداعيا فيقول في قصيدة شهود:3
خلني أسرح في البون البعيد
                                                     خلني أطلق روحي من حدودي
خلني  أسري  بأطواء الليالي
                                                      خلني أشتف أضواء الوجــود

إنها تجربة عنيفة جعلت من الشاعر إنسانا ثائرا على قيود الواقع ساعيا إلى الحرية من خلال كلمة ((خلني))المكررة في كل بيت من القصيدة.فمن العنوان شهود تتجلى لنا تلك المحاكاة للشهود الصوفي و الذي يقول عنه ابن عربي هو:((المشاهدة في ذاتها هي رؤية في الأصل و هي سبيل للمعرفة))4.لهذا فالشاعر يحاول الخلاص من مادية الواقع المعيشي و السمو  بعقله و  روحه لمعرفة أسرار الكون حتى يرسم طريقا لرؤية الله في كل ما يحيط به:5
رأيتك  في  ضحكي  و البكا
                                                        رأيتك في الليل  محلولكا
رأيتك مـثل الذي تبــتغي
                                                          جهارا و لكن بآلائكــا
رأيتك تــشرق في  خلقكا
                                                        فيبتز روحي سنا وجهكا

من المشاهدة رسم لنا الشاعر رؤية نابعة من نظرته الثاقبة للوجود فكانت((رؤية الأشياء بدلائل التوحيد و رؤيته في الأشياء و حقيقتها اليقين من غير الشك))6.لقد رآه في كل ما يحيط به في هذا الوجود لأنه :((فيض إلهي متى ما  تعاليت هذا العالم و تعاليت عن المعرفة الجزئية و تحررت من عوائق الحس و ارتقيت إلى المعنى تمكن العقل من استلهام نور العلة الأولى؛فسمو النفس الإنسانية يستمد من سمو الله,فجماله من جماله))7.إنها خواطر تحملنا إلى إدراك ذلك الجمال الروحي و الرؤية السامية للشاعر.فمن خلال فعل رأيتك المتكرر يحملنا في رحلة صوفية تعيدنا مرة أخرى إلى حالة من حالات الشهود ألا و هو الفناء :
فأيقنت أن الفنا بالأنا
                                   و أن بقائي فنائي بكا

يتضح لنا التقاطع مع المتصوفة في طريقة الفناء و البقاء المنسوبة إلى المنزلة العليا الحقة.إنه يسعى بعبادته إلى الفناء في الله حتى يحقق الخلود و يضمن البقاء معه, لأن البقاء لا يزول كونه صفة إلهية , و الفناء ها هنا قد تحقق عن طريق وحدة الشهود التي رأيناها من قبل لأنه لم يشاهد إلا الله فكما ذكر القشيري في رسالته:((إذا أراد الله تعالى أن يوالي عبدا من عبيده فتح عليه باب ذكره, فإذا استلذ الذكر فتح عليه باب القرب, ثم رفعه إلى مجالس الأنس ثم أجلس على كرسي التوحيد ثم رفع عنه الحجب و أدخله دار الفردانية ,و كشف له عن الجلال و العظمة فإذا وقع بصره على الجلال و العظمة بقي بلا هوى,حينئذ صار العبد زمنا فانيا فوقع في حظه سبحانه و برئ من دعاوي لنفسه))8. لقد تخلص من كل الشهوات حتى يحقق الفناء  و يبقى في الروضة الإلهية فيتجلى نوره بعد هذه الرحلة السرمدية و تنغرس أغنية قدسية بتراتيل وضاءة تشع بقبس إلهي في سراديب روحه المظلمة ,و هنا يكون:((الحجاب قد زال حيث يبدو النور الإلهي أو يتجلى الله بنوره و تتجلى معه الأنوار الإلهية,الله نور و إشعاعاته هي المخلوقات و كل كائن بوصفه صدورا عن الله))9.فبالنور يهتدي و به يرتقي إلى ملكوته ليكتشف أسرار غامضة كان يجهلها,إنه الشعلة التي تنيره بالإيمان و الصفاء الروحي ليظهر الحب الإلهي الذي يعانق به الشاعر العالم الخفي لأن:((المحبة هي قوام كل شيء في المنهج الصوفي,فالكون خلق بالحب و يدرك بالحب و الله جل جلاله لا تدركه الأبصار و لا تحيط به العقول و لكن الصوفي يوقد مشاعل الحب في قلبه و وجدانه فيمتطي بذلك المعراج الأكبر الذي يصله بربه))10.فكان هذا الحب تجربة ذاتية فيها اتصال روحي :11
سار في تناجي القلوب بالحب روح
                                                     فيه للروح و الحشا خير قوت
في صفوة و نشوة و هــــناء
                                                     و انطلاق من الأسى المكبوت

يتحدث عن الحب النابع من أعماق الوجدان,الحب الذي يتغنى به صاحبه فيجعل كل ما في الكون يرقص على رناته الصافية فيعانق بها تلك الخلجات المكبوتة المندفعة من الحشا؛من لازوردية الروح أين يتقاطع الحب الصوفي مع الأنس الإلهي حيث لكل منهما:((استقلالية ذاته؛الخالق خالقا و المخلوق مخلوقا فضاءات ترفع الإنسان إلى مستوى آخر غير المستوى الطيني الذي خلق منه تعيده إلى الملكوت))12.تتجلى المناجاة الإلهية التي تنبثق من أعماقه متخطيا الواقع المادي المزيف منعتقا من قيود الجسد لأن:((المتصوف حين يجاهد لتحرير جسده من الخارج فإنه يجاهد لتحرير جسده أيضا من الانسحاب إلى داخل الذات,فيسعى إلى الحضرة الكلية فيشهد جسده في الجسد الكوني و يقاوم انفصال الذات عن الجسد فيجعل منه معبرا لمقاومة النفس))13.و يستمر الشاعر في السير على هذا الطريق الرباني الذي انطلق من يقينه لأجل الاستمرار في هذا الحب المتولد في غياهب فؤاده حيث تفاعل مع تجارب الصوفيين في تحقيق صلتهم بالرب فاستقام مسلكهم.ويهيم في الوجود باحثا عن الفناء الروحي فيحترق شوقا للحظة القرب منه  ليصل إلى المجاهدة المنطلقة من غور إيمانه فيتخلى عن آمال نفسه التي تربطه بغواية الأرض محاولا الوصول بها إلى الأعلى فيتخلص من كل الهفوات و يعصمها من الأخطاء:14
إن الجهاد حصـانة و متانة
                                                      وصيانة  في  عزمة  وإبـاء
إن الجهاد  أمانة  ورجولـة
                                                      ومن الجهاد كياسة الحكمـاء
إن الجهاد تقى القلوب وعفة
                                                      المضطر رغم لجاجة الإغراء

إنه الجهاد في سبيل الله و استنشاق لتلك النفحات الإلهية حيث يتزود بالتقوى في فوضى الحياة ويتحلى بالسلوك الإيماني و يتزين بالعفاف,و لهذا اعتبر الجهاد رياضة لأنها:((هي الخروج عن طبع النفس و هي عبارة عن تهذيب الأخلاق النفسية فلما رأت عقول أهل الإيمان بالله تعالى أن الله قد طلب منها أن تعرفه بعد أن عرفته بأدلتها النظرية,علمت أن ثم علما آخر بالله,لا تصل إليه من طريق الفكر فاستعملت الرياضات و الخلوات و الجلوس مع الله بتفريغ المحل و تقديس القلب عن شوائب الأفكار و اتخذت هذه الطريقة من الأنبياء و الرسل))15
لقد تحاور مع هذه الطريقة الروحانية التي تعد بمثابة العلاج لبعض الأهواء النفسية متقربا إلى الله  رغبة في الارتقاء إلى العالم العلوي منشدا النور الإلهي ليعطيه قوة حتى يكون التواصل و يكون التمرد على الحياة المادية باحثا في ملكوت الرب عن الراحة و الخلود :16
لليل فــي ظلمته داجـي
                                              والفجـر في إشراقه  أفصـــح
فكــان للألباب معراجــا
                                              أسرى بهــا نحو السنا الأوضح

لقد تحاور مع الصوفية في العروج إلى الله من خلال الارتقاء إلى أعالي السماء بحثا عن الصفاء و السمو الروحي فتتراءى له وحدة ملتحمة بين شعوره الذاتي و الشعور الروحي النوراني .
في الأخير نلاحظ بأن الشاعر الإسلامي عمر بهاء الدين الأميري قد حقق محاورة مع السلوكات المختلفة للمتصوفة فاستخرج دلالات عميقة عمق التجربة الروحية التي مر بها نستقرئها بين السطور الشعرية لترسم لنا صورة الحب الإلهي و الفناء فيه و المجاهدة ليصل إلى الارتقاء و العروج,فكان التصوف إحدى المدارات التي أثبتت ثقافة الشاعر المعبرة عن ومضاته الإيمانية و الفكرية مما أنتج لنا رؤية صوفية تتوافق مع رؤيته الشعرية تفوح بشذى نوراني و من هنا استطاع أن يعبر عما يجيش في نفسه من أحاسيس و ما يجول في خاطره من أفكار فكانت كل كلمة فيه تعبير عن الإشراق الذي يملأ بفيضه نفسه الخيرة.

الهوامش:
1-د.محمد جلال شرف الدين ,دراسات في التصوف الإسلامي ,شخصيات و مذاهب,دار النهضة العربية,بيروت,1980,ص 21
2-د.أحمد بسام الساعي,الواقعية الإسلامية في الأدب و النقد,دار المنارة للنشر,السعودية ,ط1, 1985,ص17
3-عمر بهاء الدين الأميري,مع الله,دار الفتح ,بيروت,ط2, 1972,ص52
4-سعاد الحكيم,المعجم الصوفي,دندرة للطبع و النشر,ط1, 1981,ص662
5-عمر بهاء الدين الأميري,مع الله,ص52 6-سعاد الحكيم,المعجم الصوفي,ص663
7-محمد نور الدين أفاية,الاهتمام بالجمال عند التوحيدي,مجلة فصول أبو حيان التوحيدي,الجزء3,مجلد15, عدد1,ربيع1996,ص119
8-د.محمد جلال شرف الدين,دراسات في التصوف الإسلامي,شخصيات و مذاهب,ص286
9-أدونيس,الصوفية و السريالية,دار الساقي,بيروت,ط1, 1988,ص32
10-طه عبد الباقي سرور,من أعلام التصوف الإسلامي,مطبعة نهضة صر,القاهرة,ص65
11-عمر بهاء الدين الأميري,مع الله،ص59
12-سارة آل سعود,نظرية الاتصال عند الصوفية,دار المنارة للنشر و التوزيع,جدة,السعودية,ط1, 1995,  ص34
13- شاكر عبد الحميد,حلم عابر و جسد مقيم,قراءة في نماذج من شعر عبد المنعم رمضان,مجلة فصول مجلد.
15,عدد2,الهيئة المصرية العامة للكتاب,صيف 1996,ص213
14- عمر بهاء الدين الأميري,مع الله,ص175
15- سعاد الحكيم,المعجم الصوفي,ص254
16- عمر بهاء الدين الأميري,مع الله ,ص88 
المصدر: موقع رابطة ادباء الشام .
http://www.odabasham.net/show.php?sid=8590
 
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: أسماء عاشقة الجنان      البلد: فلسطين غزة المحتلة والصامدة       التاريخ: 13-05-2008
جدآ الكلام رائع صراحة الحب في الله هوالباقي أسأل الله أن يجعله في ميزان حسناتكم ,,آمين
أختكم في الله ,,


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة