الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
الإنسان الناضج متحرر من خبراته السيئة

الدكتورة ليلى احمد الاحدب

من قرأ كتاب "دع القلق وابدأ الحياة" من تأليف ديل كارنيجي يكتشف أنه يتفوق – رغم صغر حجمه – على كل كتب البرمجة اللغوية العصبية وإدارة العقل ومهارات التفكير وغيرها من "العلوم" التي أصبحت صرعات وموضات إن صح منها الكثير فإن منها الكثير مما لا يمكن إثبات صحته إلا إذا غيّب الإنسان عقله رغم أنها تدعي العلاقة بالتفكير والعقل, وعلى سبيل المثال موضوع تغيير الزمن الماضي بالخيال, فهو مما يناقض العقل لأن الخيال أداة من أدوات الفكر لرسم المستقبل, أما الذاكرة فهي وسيلة العقل لاستعادة الماضي, وتغيير الماضي بالخيال هو نوع من الكذب على النفس, ومن يكره الكذب لا يستسيغ ما أتت به البرمجة اللغوية العصبية في هذا المجال, والإنسان العقلاني العملي ينظر إلى الماضي كبنك للمعلومات يعود إليه وقت الحاجة دون أن يسقط في شراك التفكير به والحزن عليه ومحاولة فعل المستحيل لتغييره.
  ما الذي يزعجنا أكثر شيء في الماضي؟ هو الخبرات الحياتية السيئة, وأصعبها هو الحرمان المادي أو المعنوي, علماً بأن خبرات الطفولة هي أكثر رسوخاً فينا من خبرات المراحل العمرية الأخرى, لكنها تتوارى خلف ستار كثيف من التجارب الأخرى, فلا نكاد نلمسها ولكنها تتحكم فينا بشكل لا واعي ويظهر ذلك أكثر ما يظهر فينا كناضجين في أوقات المواقف التي تتطلب منا ردوداً حالية واستجابات آنية, والغريب أن بعضهم ينكر وجود شيء اسمه "اللاوعي" مع أن الكثرة الكاثرة من أحلامنا في نومنا تنبع من تراكمات لاواعية فينا وهي الأحلام التي ليس لها أي تفسير بل تدخل ضمن ما يسمى أضغاث أحلام, وإذا حللناها نرى أن معناها يتجلى في مشاعرنا الكامنة والتي تحتاج ضرباً منا في آفاق أنفسنا وغياهب دواخلنا لنصل إليها ونكتشفها؛ وفي أحوال اليقظة فإن كثيرا من ردود أفعالنا يمكن النظر إليها بالمنظار نفسه, فقد نتصرف ارتكاساً لموقف معين بطريقة ما, وبعد زوال الموقف نتمنى لو أننا تصرفنا بطريقة أخرى, فإذا قارنا بين الطريقتين مع التحليل العميق وجدنا أن الطريقة الأولى نبعت من رد فعل ناجم عن خبرة سابقة كامنة في اللاشعور, بينما الطريقة الثانية صدرت عن محاكمة عقلية صرفة, فمثلا من تعرض لخبرة سيئة نتيجة الحرب فإن ردة فعله لسماع صفارة الإنذار يكون مختلفاً عمّن لم يمر بهذه الخبرة, فالشعور بالخوف من عودة مناظر الرعب والقتلى والجثث تجعل الإنسان يهرع ليجد ملجأ بينما الشخص الآخر قد يستمر في حياته العادية, وبالطبع فإن هذا الكلام لا يعني تجاهل الخبرات الأسرية السابقة وثقافات المجتمع بحد ذاته, فالمجتمع البريطاني مثلا يتميز بردود الفعل البطيئة وهو ما لمسه الدكتور زكي نجيب محمود إبان تحضيره للدكتوراة في الحرب العالمية الثانية, حيث تعجب من مواقف البريطانيين الهادئة مع كل غارة جوية لطائرات النازيين وحلفائها.   هناك بعض الحالات الاستثنائية لدى تعرض أحدنا لموقف خطر في حياته فيقوم برد فعل ينقذ به نفسه من الخطر, كما يحصل عندما يحاول شخص شارد الذهن أن يقطع شارعاً مثلا فإذا بسيارة لم ينتبه لها على وشك دهسه فيقفز قفزة طويلة إلى الأمام أو الوراء ليتفادى الموت, وقد تكون مسافة القفزة أكثر بكثير من قدرته التي يستطيعها في حالة عدم تعرضه لأي خطر, ولم يعرف سبب هذه القدرة سوى أنها نتيجة رد الفعل الانعكاسي الذي أساسه المادة البيضاء في الدماغ وليس القشرة الدماغية المسؤولة عن رد الفعل العاقل, وكثيرا ما يعبّر الإنسان أنه استطاع فعل ما لم يكن يظن أن يستطيعه انطلاقا من "حلاوة الروح".   عندما تتحكم الخبرات السابقة فينا تصبح ردود فعلنا هي المسيطرة علينا وهذا يتناقض مع النضج العقلي لأن الناضج لا يتصرف إلا بعد محاكمة عقلية تطول أو تقصر, وقد يشترك في المحاكمة ضميره الحي, لكن كثيراً ما نلتقي بأشخاص ناضجين عمراً بينما هم أطفال أو مراهقون فكراً وسلوكاً؛ وليس بالضروري أن يكون أذاهم واضحاً مادياً لكن من قال إن الأذى المادي أكبر من الأذى المعنوي؟ قد يوجّه أحدهم لك تهمة أنت بريء منها وعندما تحلل الموقف تستنتج أنه أسقط التهمة عليك لأنه لم يستطع أن يواجه الشخص الذي أخطأ معه فيحوّل الموقف عليك أنت, وهذا نراه مثلا عند الطفل الذي يسقط عدوانه وعنفه على أخيه الصغير لأنه لم يستطع أن ينتقم لنفسه من والده الذي أسقط عنفه عليه – بدوره- نتيجة عجزه عن الانتقام لنفسه من مديره الذي أهانه, وهكذا فإن كثيراً من الآباء هم بحاجة إلى التربية وتعلّم ضبط النفس قبل أن يصبحوا مربين, وإلا فإن السلسلة المعيبة تتوالى من أجيال فاقدة للتوجّه الصحيح بسبب أخطاء التربية المضنية للنفس والروح.   المشكلة عندما يوجه شخص التهمة لك بعد فترة من وقوع خطأ ما عليه, فلا تعرف ما هو السبب لكن عندما تدرك أن الشخصية التي أمامك شخصية غير متوازنة بحيث أنها أقرب إلى الطفولة من حيث العيش في عالمها الذاتي فإنك لا تستطيع إلا أن تعذر هذا الشخص الذي خلق الله فيه ملكة الإحساس أكبر من قدرة الوعي, ولو أدركتْ البيئة التربوية التي تحيط به نتيجة هذا الاختلال لعملت على تداركه برفع قدرات هذا الشخص على التفكير لكن ما يحصل هو العكس فكثيراً ما تزيد التربية الطين بلة, فتعاملُ الطفل على أنه ناضج, وأنه سيكون تتمة للأب أو مكملا للأم, مما يحمّل الطفل فوق قدراته العقلية المبثوثة فيه أصلا, وهذا الطفل عندما ينضج ستبقى فيه الطفولة كامنة وستستيقظ في مناسبة وغير مناسبة, وهو ما يلقي عبئاً ثقيلا على المتعامل معه والذي لا يعرف خلفيته التربوية ولا أنماطه التفكيرية القائمة على الإحساس لا الوعي بحيث أن مشاعره تتحول بسرعة إلى أفكار دون أن يستطيع السيطرة عليها؛ وإذا تجاوزنا دور البيئة الأسرية إلى دور المدرسة فإن هذه الأخيرة تلغي الفردانية بين الأطفال وتتعامل معهم على أنهم كلهم ذوي ميول واحدة وقدرات متساوية, وكلنا يعلم أن المدرسة منذ وقت طويل فقدت وظيفتها التربوية, وفي المجتمعات المتخلفة تقوم المدرسة بتشويه ما تبقّى سليماً من فطرة الطفل إذ يبدأ تدجين الطفل بغاية أن يسهل التعامل معه, فالأطفال المختلفون في القدرات يلقون عبئاً على كاهل الأستاذ الذي يجب أن يبذل جهداً مع التلميذ الضعيف مختلفا عن الجهد المبذول مع التلميذ المتوسط وكذلك عن التلميذ المتفوق, لذلك فالأسهل بالنسبة لكثير من الأساتذة ختم التلاميذ بختم واحد كما يتم وسم الحيوانات في مزرعة, وبذلك تفقد الأجيال كثيرا من مبدعيها الذين يتم وأد إبداعهم في المهد.   هؤلاء الأشخاص الذين ترعرع فيهم الإحساس على حساب الوعي والعقل قد يعتقد أحدهم أنه ذو ضمير حي أو يعتقد الآخرون أنه كذلك, وفي الحقيقة يكون الضمير قد نما بشكل خاطئ, بسبب غياب التحكم العقلي السليم, فالضمير هو صوت الواجب وهو الذي يفرض علينا التعامل الخلقي المنضبط, وإذا لم يكن مرجع انضباطه هو العقل – المستنير بالوحي بالطبع- المتحرر من الخضوع للمشاعر فإن الضمير يصبح أداة للهدم في بعض الأحيان وذلك عندما تسيطر المشاعر الخاطئة فتغيّب دور العقل, ومن أجمل ما كُتب في موضوع العقل هو ما ذكره ابن القيم الجوزية في أحد كتبه من أن الله تعالى لما أهبط آدم إلى الأرض أتاه جبريل عليه السلام بثلاثة أشياء: الدين والخلق والعقل، فقال: إن الله يخيرك بين هذه الثلاثة، فقال: يا جبريل، ما رأيت أحسن من هؤلاء إلا في الجنة، ومدّ يده إلى العقل فضمه إلى نفسه، فقال للآخرين: اصعدا، فقالا: أُمرنا أن نكون مع العقل حيث كان, فصارت الثلاثة إلى آدم عليه السلام.   إذا انتقلنا من الأفراد إلى المجتمعات فأذكر أني شبهت في مقالة قديمة حالة الأمة العربية والمسلمة بالجسد المسجى في العناية المركزة, وهي  تصف حالة المريض الذي دخل في غيبوبة ولكن قلبه يستمر في النبضان ما دام المريض موضوعاً على أجهزة التنفس الاصطناعي؛ وبما أني عايشت هذه الحالة مع أحد محارمي حيث عاد إلى الحياة بعد غيبوبة تامة دامت ما يقارب أسبوعين, فإني تعلّمت ألا أفقد الأمل من هذه الأمة التي ما زال قلبها ينبض بالحياة وإن كانت تعتبر شبه ميتة بالنسبة للأمم الأخرى المتقدمة, فهذا الجسد المسجى من فترة لأخرى يعطي إشارة أنه ما زال حيا حين يرتكس للمنبهات من حوله, ولكن المشكلة أنها ارتكاسات منبعها إما المادة البيضاء وهي لا علاقة لها بالفعل العاقل أو أن المادة العصبية قد نمت بشكل خليط بين الرمادي والأبيض فنتج عن ذلك ارتكاسات مختلطة بين العقل ونقيضه, وهو ما يؤدي إلى تناقضات عجيبة ليس لها حل إلا بالجراحة العصبية وهي أخطر أنواع الجراحة على الإطلاق, وقد نجم الارتكاس الأخير في عالمنا العربي الإسلامي عن تصريحات بابا الفاتيكان الأخيرة, وإذا كنا نعيب على الأساليب التربوية لدينا إنتاجها لأشخاص خاضعين لثقافة اللاوعي فإنه ينطبق على البابا وأمثاله أيضاً فالبابا انطلق من اللاوعي بسبب خبرة أوربا السيئة مع الإسلام في الحروب الصليبية, وهذا ما ينبه إليه ليوبولد فايس (محمد أسد بعد إسلامه) على أنه سبب كره أوربا الصليبية للإسلام.
 

المصدر : موقع الدكتورة ليلى الاحدب .
http://www.drlaila.com/dedt061.htm
 
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: احمد عبد الكريم      البلد: مصر       التاريخ: 29-12-2006
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله واله والتابعين وبعد.
العنوان جميل ولكن هيهات فيما في البعد عن المعصية فلا تكمل الا بالصحبة النادرة فالوجود فتنة فمن يتخلص بنفسة وهو في ظلمات ثلاث فأين ياربي الخلاص لكن الجسد الإسلامي واحد ونشد عضدك بأخيك فيكون لك الناصح والمعلم والرفيق والصديق ويمنعك من الهوي والعجب بالنفس وما تحوي ويلفت نظرك لما انت مقدم عليه فتكون التبصرة والوفاق في البعد عن المعاصي ولكن بنفسك هيهات فالنفس أقوي بكثير ولا بد لك من المعين القدير .


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة