الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
حوارات منهجية في قضايا نقد متن الحديث الشريف
د. عبد الحميد أحمد أبو سليمان 
  مقدمة
يأتي كثير من القضايا المثارة اليوم في ساحة الفكر الإسلامي نتيجةً لاختلاط المفاهيم واحتدام المعارك الوهمية بين فئات المفكرين والمثقفين من أبناء الأمة، ونتيجةً لما تعانيه هذه الفئات من إشكاليات في الرؤية الكلية وفي مناهج الفكر والنظر، وفي فهم النصوص وتنـزيلها على الواقع. وتحاول هذه الورقة أن تناقش واحدة من هذه الإشكاليات التي تتعلق بمنهج التعامل مع الحديث النبوي الشريف، والتي تتبدى مظاهرها في ثقافة الأمة في النظرة الجزئية، وأحادية المعرفة والفهم الحرفي للنصّ، وضعف الضبط المنهجي في علاقات الأولويات والمبادئ العليا والمنطلقات الأساسية بالتفاصيل والأحداث في واقع حياة الأمة، ومن ثم في تشويه العقلية العلمية والممارسات الحياتية. وما لم يواجه علماء الأمة ومفكروها هذه الإشكالية بصراحة علمية كاملة، فسوف يظل الحوار الفكري حواراً عقيماً يدور في حلقات مفرغة، تكرس التقابل والتعارض والاستقطاب بين مثقفي الأمة ومفكريها، بين تقليدي وعصري، وديني ومدني وعلماني. وفي أثناء انشغال هؤلاء المثقفين والمفكرين في صراع عبثي عقيم، تُتْرَكُ الأمة في غيبوبة وخمود.
إنَّ كثيراً من (الأجهزة) الدينية سيطر عليها إحساس الخوف بالخطر بسبب الهجمة الثقافية الغربية المادية الغازية، وبحكم ضعف القدرة على مواجهتها، لذلك أصبح السائد في خطابها مسحة (الترهيب) والهجوم المضاد على المدني والعلماني، ووصم المخالفين لـهم بالخروج والمروق، هذا من جهة، كما أن عدم اقتناع المدني بمقولات الديني ومناهج فكره وخطابه أدى بدوره إلى إرهابية خطاب المدني والعلماني وعدوانيته، ووسم الديني جزافاً بالتخلف والجهل؛ لأنه لا ينحو منحاه في انبهاره وتقليده الأعمى (للآخر).
هذا التصادم أدى إلى استقطاب هدّام أدى بالمدني والعلماني الجاهل عن معرفة مكنون دينه وحضارته؛ أن يقف من الدين والتاريخ موقفاً يتراوح فيه جلهم بين العداء وعدم المبالاة، كما صرف الديني في الوقت نفسه عما حققته الحضارة الإنسانية من إنجازات ومعارف، خوفاً منه على دينه وتراثه وتاريخه من روح الهزيمة والاستسلام للمستورد من العلوم الإنسانية والعقلية، وخوفاً من تجربة تضاهي تجربة الفلسفة والاعتزال في استخدام "العقل" "بدون عقل" في الانبهار الأعمى بالحضارة الوثنية الإغريقية. وبذلك أصبحت الأمةُ مشلولةً موزعةً بين مدرستين تتسمان بأحادية المعرفة: مدرسة دينية حرفية تقليدية عاجزة، تقابلها وتعارضها مدرسة مدنية علمانية تقليدية حرفية مستغربة، وقد بُني جوهر قصورهما وتعارضهما –في كثيرٍ من وجوهه- على الخوف والعجز والجهل.
لابد لنا بدءاً من نـزع فتيل الإرهاب الفكري في الخطاب لدى كل الأطراف من أصحاب الفكر والمعرفة، ولابد لنا أيضاً من إزالة عجز الجهل بسبب أحادية المعرفة في جوانب فكر المتعارضين. هذا هو السبيل العلمي العملي إلى فتح باب الحوار وإعمال الفكر في القضايا المطروحة القائمة أمام الأمة والتحديات المُشَرعة في وجهها، وأن يحل محلَّ التصادم روحُ التكاتف في بناء المشروع الحضاري الإسلامي للأمة، المشروع النابع من مناهل عقيدة التوحيد والاستخلاف والإعمار، ومن قيم العدل والتكافل والسلام، وبأداة العلم والعقل، وأداء الإتقان والإحسان، وهي قيم ومبادئ سامية، ومطلب صادق لكل مخلص من أبناء الأمة، وهدف يسمو على الأنساب والانتسابات.
مطلب (الكادر) المدني المسلم وغايته –من حيث المبدأ- هو الحصول على قدرة العلمي الكوني السنني، ومطلب (الكادر) الديني الإسلامي –من حيث المبدأ- هو هداية قيم الإسلام السامية، ولا يتعارض –في الحقيقة مطلب (الكادر) المدني المسلم مع الغايات والمقاصد السامية للكادر الديني المسلم، ولكن الإشكال يأتي –في الحقيقة- حين ينطلق الفريقان في الحوار على غير أساس منهجي، ومن منطلقات وتصورات ومخزونات فكرية أحادية قاصرة مشوهة، لا تمثل قاعدة صالحة لفهم مشترك أو حوار بناء.
لذلك يجب تمهيد أرض الحوار ابتداءً، ومن ثم الاتفاق على الثوابت، والاتفاق على الأهداف والغايات، وعرض الإشكالات الأساسية لدى كل فريق بما يسمح بتبادل وجهات النظر، وتبادل المعلومات المتعلقة بقضايا الخلاف والإشكالات المطروحة، وإدراك جوهرها، وإيجاد الحلول المقبولة المناسبة لمعالجة إشكالاتها؛ بما يمهد أرضاً وأهدافاً مشتركة مبنية على الثوابت والغايات المشتركة، وبروح تقبُّل الآخر، وإدامة الحوار المثمر، والتعاون الخير معه، في وحدة حضارية إنسانية خيرة.
يتفق المسلمون وجمهور الدينيين والمدنيين المثقفين على الإيمان بالله الخالق الأوحد، وهداية الوحي، ومقاصده في قيم العدل والخير، وكرامة الإنسان، ومسؤولية العمل، ويتفقون أيضاً على طلب السنن، وواجب السعي، وإتقان الأداء، ومسؤولية الفعل.
يتفق جمعهم على سمو رسالة الإسلام، ويتفق جمعهم على مثالية عهد الرسالة، ويتفق جمعهم على أن الأمة قد انحرفت عن مسار عهد الرسالة، وعن مقاصدها النبيلة، ويتفق جمعهم على أنّ الأمة فقدتْ قدرتها وضعفتْ عزيمتها، وانهارتْ مؤسساتها، وتمزق صفها، وسلبتْ حقوقها، وقهرتْ شعوبها، ودنستْ حرماتها.
يتفقون على ضرورة امتلاك القدرة في العلم والتقنية، وامتلاك أسباب القوة المادية والمعنوية، وضرورة الإصلاح، وتحريك كوامن الطاقة في الأمة، والتزام مكارم الأخلاق.
ولكن هذا الاتفاق يصبح أقرب إلى الأماني والتمني حين لا يؤهل الأطرافُ أنفسَهم للحوار والتواصل بشأنه، على أساس من العلم والمعرفة بما في يد كل طرف من الأطراف، سواء أكان ذلك في ميدان الدين والتراث والتاريخ الإسلامي أم في ميدان التراث الإنساني في علوم السنن الاجتماعية والكونية ومناهج النظر والبحث العلمي فيها.
إن الأمة الإسلامية تعاني في الحقيقة من علمانية عجيبة تتساوى فيها الحالة الفكرية للمدني وللديني؛ التي تنجم عن إصرار كل فريق منهما على الجهل بالآخر، وبحصيلة علم الآخر وفكره وقدراته، مما يحيل الحوار إلى ما يقرب في أحيان كثيرة إلى منابذة الجهلاء وملاحاتهم، ويؤدي إلى تعميق الخلافات فيما بينهم، وسد منافذ اللقاء؛ فيغيبَ ضميرُ الأمة، ويخمدَ عزمُها.
لنبدأ بخلق جيل جديد من العلماء والمثقفين الذين يتحلون بوحدة المعرفة وتكاملها بعلم الوحي والشهادة، بإدراك مقاصد الدين وقيم الأخلاق، وكنوز التراث دروساً وعبراً، وبمعرفة التراث الإنساني المعاصر في علوم الإنسان والاجتماع والمواد، ومناهج السنن الكونية العلمية التجريبية؛ وليأخذَ العلماءُ والمثقفون مناهجهم بتوسيع دائرة معارفهم، وامتلاك ناصية الحوار والتعاون المثمر، وعلى الجامعات ومراكز البحث العلمي أن تقدم المناهج وتهدي إلى المصادر، وتطور المواد اللازمة لثقافة المسلم في جوانبها المعرفية الدينية الإلهية والسننية الإنسانية والكونية، وقد شهدتْ الساحةُ العلميةُ في هذا المجال جهوداً جادة رائدة جعلت التأصيلَ، وإسلاميةَ المعرفة، وإصلاحَ مناهج الفكر (المعرفة من منظور إسلامي)، قضيةً مطروحةً على الساحة العلمية الثقافية الأكاديمية في العالم الإسلامي؛ بحيث أخذت تتبلور على أساسها أدبيات وحدة ثقافة الأمة وغاياتها، ومناهج فكرها، وأساليب تربيتها، وهي جهود يجب تنميتها وتطويرها.
من المطلوب أن يجلس الفرقاء معاً مزودين بالعلم بمعرفة مقاصد الدين وقيمه وطاقات علوم السنن وإمكاناتها وتحدياتها، وأن يدرسوا الأسباب التي تحول دون تمثل عامة الأمة لقيم دينهم وغاياته الخيرة، والتي تضعف الانفعال الإيجابي الاستخلافي الإعماري الخير -الذي هو في طبيعة أصل خلقهم وغايته- وتحول دون تمكنهم من حسن الأداء وقدرة العلم والتقنية، كما أن عليهم معرفة كيف ننقِّي ثقافة الأمة من فكر الشعوذة والخرافة والخزعبلات؟ وكيف نواجه شيوع روح السلبية والخنوع وضعف البُعْدِ العام في بناء شخصية أبناء الأمة، ودور هذه الروح في إخماد روح القوة والشجاعة والمبادرة والبذل والنصرة في أدائهم؟ وكيف تحول هذه الروح دون الاستجابة الفعلية الوجدانية لمتطلبات مواجهة التحديات التي تواجهها الأمة؟
لو تحاور علماء الأمة وعقلاؤها ومفكروها في هذه الظروف الحرجة، وعلى مختلف مشاربهم ومدارسهم، وهم يستحضرون الأساس المشترك من مقاصدهم ومبادئهم؛ لكان أمر لقاء الفكر وإصلاحه يسيراً، ولأمكنهم التعاون على وضع الخطط العملية التي تسع تعاون الجميع لإصلاح الخلل، وبناء القواعد، وتشييد مستقبل الأمة والأجيال.
وثمة أسئلة يختلف فيها الفرقاء الدينيون التقليديون والمدنيون المستغربون على غير أساسٍ منها:
هل يعني التزام المدنيين وطلاب المعارف الإنسانية المنهجَ العلمي السنني بالضرورة إنكاراً لعوالم الغيب وتصريف الله لشؤون الكون وفق حكمته وغاية خلقه، بما لا يحيط بكلياته منطق الإنسان وإدراكه؟
وهل يعني التزام العقل والسببية في عالم الإنسان وتسيير شئون حياته إنكاراً للغيب وما يتعلق به من أقدار الله في تصريف شأن الكون؟
مثل هذه الأسئلة تنشأ عن خلط على الجانبين نحاول في هذه الورقة توضيحه.
  أولاً: اهتمامات المدنيين وملاحظاتهم المنهجية
حينما يتحدث الدينيون عن الدعاء والتوكل والتسليم والحكمة الخفية لأقدار الله في تسيير شؤون الخلق يلقون عادةً بالنصوص والشواهد، ويقدمونها في خطاب وعظي، ويعرضونها مبتورةً عن صورتها الكلية، مُنْبَتَّةً عن أطرها المعرفية، وعن أبعادها الزمانية والمكانية، ودون أن يلقوا بالاً إلى السنن في الخلق وآثارها في الوقائع؛ لأن إعداد كوادرهم وجلَّ فكرهم لا ينفعل بقوى الحركة والفعل في المجتمع، فيأتي وقع قولهم في آذان المدنيين وكأنه غيبة وعي وإلهاء عن واقع الحال، فالدينيون حيناً يتوجهون إلى شعوب الأمة بالقول جزافاً وبقليل من الفكر والروية ليدفعوهم إلى ما يجب في تصوراتهم أن يفعلوه لتغيير أحوالهم والتصدي لتحدياتهم، وفي أحيان أخرى يتوجهون بالقول الواجل بما يجعل قولهم يقع وكأنه مجارات لمشاعر جموع الناس المأزومة، فيكون مجرد تفجير لإحباطاتهم، دون إدراكٍ أو تقديرٍ لواقع حالهم، وإمكانات طاقتهم، مما يفجر على غير هدى أزماتهم؛ فتزدادَ معاناتهم، وتنهكَ كياناتهم، وتبددَ طاقاتهم، وتضيعَ جهود البناء والإصلاح.
وتأتي اعتراضات المدنيين والعلمانيين والمستغربين في آذان الدينيين وكأن تساؤلاتهم المشوبة بالرفض والتقليل من شأن مقولاتهم، والدعوة إلى الإعراض عنهم، ومتابعة الآخر الأجنبي المستعمر، وكأنّها إنكار لقداسة الدين وما يتلوه الدينيون من نصوص، وإنكارٌ لعالم الغيب ولوجوه قدرة الله وعنايته في تصريف شؤون خلقه ونصرة المستضعفين، واستسلام للمعتدين المستعمرين أعداء الأمة والدين.
وإذا كانت الأطراف عامة -ومن زوايا مختلفة- في الحقيقة على اتفاق في المبادئ والمنطلقات التي تؤمن بالله وسننه وتدعو إلى التدبر والعمل: "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز" يحدث هذا الخلطُ مع وجود هذا القدر المشترك بين أبناء الأمة انطلاقاً من مظنة غيبة الوعي من جانب، ومظنة الإنكار والجحود من جانب آخر؟ فكيف يقوم هذا التعارض والاستقطاب؟ وكيف ينقطع الحوار بينهم؟ وكيف تتعارض المواقف، وتثور الصراعات العميقة التي تسهم بقسط وافر في عجز الأمة، وتمزقها، وتبريد طاقتها، وشلل إرادتها وتهميش دورها؟
وإذا كان من المسلم به أن طلب المعارف الإنسانية والكونية أمر مطلوب والاستفادة من مجالاته بما حققته وتحققه الإنسانية بغض النظر عن الزمان والمكان، إلا انه من المسلم به أيضاً عدم سلامة الأخذ والمتابعة العمياء لرؤى الآخرين ومحصلاتهم ووجوب مراعاة اختلافات مكونات المنظومات الحضارية ورؤاها وظروفها وإمكاناتها وما تتصدى من مقاصد وتحديات.
وإشكالية الصفوة الثقافية المدنية في منظومة الثقافة والحضارة الإسلامية في مجاراة التقليد الحرفي الأعمى للمنظومات الأخرى الأجنبية هي حقيقة مفروغٌ منها، إلا أن ضبابية منطلقات منظومة الثقافة والحضارة الإسلامية المعاصرة، وتشتت مصادر معرفتها، وقصور منهجيات فكرها؛ لابد من تصفيته وإعادة رصفه للخروج بالفكر المدني في مجالات علوم الإنسان والكونيات من دائرة المحاكاة والتقليد قبل وضع هذه العلوم الإنسانية على جادة منظومة الحضارة الإسلامية، وفتح آفاق الأصالة والإبداع في مجالاتها.
وهذا يعود بنا إلى أولوية إصلاح منظومة فكر الحضارة الإسلامية، والتعامل مع إشكالاتها، قبل أن تستطيع هذه المنظومة أن تحتوي علوم الدراسات الإنسانية والكونية برؤية بديلة فعالة ومتميزة.
وإشكاليات منظومة الحضارة الإسلامية المعاصرة وما يدور حولها من تعارض ومن خلط ومن لغط، أن جل ذلك مرده في الجوهر إنما يعود في المقام الأول إلى أن دلالة كثير من مُحْكَمَ القول والمنطلقات في الدين، أصبحت تضيع في حرفيات أكداسٍ من الروايات المتعلقة بأحداثٍ ومواقف تناثرت على مدى نصف قرن من الزمن، هو عهد النبوة والخلافة الراشدة؛ التي استندت رواياتها في مجملها - حين نشطت حركة التدوين - إلى سلسلة جموع غفيرة من سالف الرواة، على مدى قرنين من الزمان، تفاوتت درجات وعيهم وإدراكهم، وزوايا رؤيتهم، وسلامة طوياتهم، على اختلاف الزمان والمكان والتحديات في البلاد والصفات والمشارب والولاءات، وما تعرضوا لـه –وتعرضت لـه أجيالهم- من حروب وصراعات، وما توزعتهم من مصالح وتحزبات وعصبيات وآراء وغايات ومؤثرات مدركة وغير مدركة؛ كل ذلك جعل مهمة التدوين والتحقيق، والموضوعية، لكثير من النصوص، مهما بذل من الحرص والإخلاص، من أصعب المهام، بعد مضي هذه العقود والقرون؛ التي يهولك حين تطلع على الأكداس الهائلة من الموضوعات والضعاف، أن ترى معها مدى الجرأة في التطاول على مقام الرسالة بالتحريف والكذب والوضع؛ كل ذلك يجعل من الصعب مع كل تلك العوامل الضبط الكامل والتوثيق الدقيق، ويعسر معها التأكد من سلامة مداخل الرواية التي لا حصر لها، والذي يؤدي ولا شك في مجال الرواية إلى حتمية إمكان الوقوع في كثير من مزالق وقوع كثير من الخطأ والخلط والتهاون والتدليس، والادعاء والكذب والكيد، بسبب ما قد يقع فيه الرواة من ابتسار القول، أو عدم إدراك المعاني، أو خطأ السمع، أو خلط السمع، أو النسيان، أو الهوى، أو طلب السمعة، أو بسبب الغفلة، أو الدس، الذي ينم عن كثير منها ما يمكن أن يلحظه المتدبر للتفاوت والخلط والتعارض بين الرواة بل حتى في الأقوال المنسوبة إلى الراوي الواحد، الأمر الذي يمكن أن يتضح كثير منه عند محاكمات نقد الفحوى والمتن، ولا شك أن هذا القدر سوف يزداد بزيادة من يتناول متن النصوص من أصحاب العلم والاختصاص بالسنن والطبائع والوقائع بالبحث والدرس والتمحيص، لأن مَنْ جمع علم النصوص وأحداث التاريخ، وخبر –في الوقت نفسه- السنَن والأحوالَ في مجاله، كان أقدر على إدراك المقاصد، ومداخل الأخطاء والتحريفات، وسوء الفهم أو القصد، وهو ما تنبه لـه ولمنهجه العلمي في عصر متأخر العلامةُ ابنُ خلدون يرحمه الله، والذي للأسف لم يأبه لـه أهل العلم الديني، ولم يتابعوا ما فتح أمامهم من آفاق ومجالات.
إن من المهم لأهل العلم الديني والمعنيين بدراسات توثيق النصوص أن يدركوا أن أمر النظر في النصوص، ولا سيما نصوصُ السنة، والاهتمام بأمرها، وبحث قضاياها، وما يترتب عليها من الآثار، لم يعد مقصوراً في - كل جوانبه - على أصحاب الاختصاص في علم الرواية وعلم اللغة وعلم الفقه والقانون وحدهم؛ بل أضيف إليهم عملياً فئتان من الناس:
الفئة الأولى هي فئة عموم الأمة الذين أصبح كثير منهم -بسبب انتشار الثقافة، ووعيهم بمجريات شؤون حياتهم وما يؤثر فيها –يطلعون ويقرؤون ويهتمون بكثير من النصوص، وبأشكال مختلفة، ويثيرون حولها كثيراً من التساؤلات، وكثيراً ما يكون أثرُ بعض هذه النصوص في إطار ثقافتهم المعاصرة سلبياً.
الفئة الثانية هي فئة أصحاب الاختصاص العلمي في مختلف شؤون الحياة المادية والإنسانية الاجتماعية، الذين يحاكمون النصوص إلى خبراتهم وعلومهم وحصيلة معارفهم السننية، وبذلك أصبح فحص النص على أيدي هؤلاء يتم على أسس علمية سننية عملية لا يقف عند شكليات الرواية وحرفيات السند وآليات استنباط الأحكام، بل تتعداه بنظرة موضوعية كلية إلى المتن والتطرق إلى فحواه ودلالاته، ورده إلى أصوله وظروفه ووجوه الحق والإمكان فيه، ومحاولة الكشف عن الخفي من الطبع والسنن والظروف والأسباب والملابسات الممكنة علمياً في أمره، مما يوسع نطاق الدراسة والبحث والنظر طلباً للمصالح، ويمتد بها إلى جوانب فكرية علمية سننية موضوعية أوسع كثيراً وأبعد من مجرد الاهتمامات بالشكليات واللغويات والآليات.
اهتمامات الجمهور بشؤون حياتهم وما يؤثر فيها، واهتمام علماء السنن بتمحيص الفكر، يجب أن يقدَّر وينمَّى، وأن يتكامل مع اهتمامات الرواية والسند، لا أن يقابل بالإنكار والرفض بحجة التخصص الفني الشكلي الضيق؛ ذلك لأن نطاق البحث العلمي ذاته ووسائله قد اتسعت وتغيرت، ومازال كثير من طلبة علوم الدين والتراث على جهل بها وبآفاقها وبأدواتها ووسائلها. ومن حق الناس -على ضوء ما يلمسونه واقعاً في حياتهم وما يرون أنه يحقق مصالحهم- أن يحاكموا أهل الاختصاص في نتائج مقولاتهم، وأن يردوهم إلى كتبهم وحلقات درسهم ومعاملهم وأجهزة إحصاءاتهم وحاسباتهم لإعادة النظر المتعِّمق، ومعرفة وجوه القصور إن وجدت، وأخذ واقع الحياة ومقاصد الشريعة ومصالح العباد في الحسبان، حتى تتضح وجوه الصواب قبل أن يجزم في عجلة أو جهل أو تقصير في مصالح حياة الناس.
على الرغم من كل وجوه النقد الجزئية فإن الوسائل والإمكانات العلمية قد تعاظمت بشكل لم يُعرف من قبل؛ مما يعطي إمكانات هائلة للبحث والنظر والتمحيص، يجب الاعتداد بها، والاستفادة منها في تحقيق رؤية كلية، وإعادة صياغة علوم النصوص ومناهجها ووسائلها، بما يحققُ وحدةَ المعرفة وتكاملها، وينقي الثقافةَ الإسلامية التراثية من كثير من القصور فيها، ويمكِّنُ لهداية الألوهية والوحي، ويحولُ دون إساءة استخدام قدسية النصوص: ذلك الاستخدام الذي نراه في كثير من الحالات -بغض النظر عن الأهداف والغايات- يسهم في إبقاء حالة التخلف والجمود والخنوع والسلبية، وييسر سبل تبرير فكر الخرافة ويروِّجه؛ مما يدمرُ العقليةَ العلمية والنفسية الإسلامية، ويعيقُ مشروعَ الإصلاح الحضاري الإسلامي، ويقصر بالعقل المسلم من القدرة على مواجهة تحديات العصر.
  ثانياً: الإمكانات الحديثة والمنهجية الشمولية في قضايا نقد المتن والسند
إن ما روي من الأحاديث والسنن المعتبرة على مختلف الصور لا يزيد فيما نظن على المائة ألف حديث، كثير منها تعددت رواياته بزيادة أو نقص أو اختلاف في اللفظ، وقد تتعارض الروايات ولا تستوي جميعها في مستوى الثقة بالرواية، فمنها الصحيح، ومنها الضعيف، بل ومنها ما قد يعده بعضهم من الموضوعات، وكثيراً ما يختلف تقويم النص الواحد والرواية الواحدة بين طلاب علم الحديث إلى حد يثير الحيرة والتساؤل عن مدى موضوعية المنهج، ودقة تطبيقه، ومدى الحاجة إلى إعادة النظر فيه، والإفادة من إمكانات العصر العلمية وتقنياتها في تطويره، وبرغم ذلك فإنّ هناك مئات الألوف من مزعوم الحديث التي رُفِضَتْ، ولم تروَ، حتى إن الإمام أحمد يرحمه الله يستقر بين يديه ما يقارب الخمسمائة ألف حديث لا يقبل ولا يروي منها إلا حوالي الخمسين ألف حديث، ليست كلها صحيحة، بل كثير منها يُعَدُّ من الضعيف، وهذا أمر هام ومؤلم، يوضح ضخامة الكمِّ الكبير من الروايات المكذوبة التي لا يُعْتَدُّ بها، ومعرفة هذه الحقيقة، والتي وإن ألقت ضوءاً على مدى الجهد الذي بذله علماء الحديث، والصعوبات التي واجهوها، يوضح لنا الحالة النفسية والذهنية وقساوة الصراعات والتيارات التي كانت قد سرت في كيان الأمة، ووجدت في التعبير الديني وسلاح القداسة وسيلةً رائجةً للمقارعة والانتصار، وسمحت بالتحريف وبدس الإسرائيليات والخرافيات وسواها من الأهداف والأغراض العقدية والسياسية، وسمحت برواية هذا الكم الهائل من مزعوم السنة والحديث وتداوله، كما تدل أيضاً على الحالة النفسية لدى كثير من الرواة في تلك العصور التي تولَّدت لديها رغبة شديدة في الرواية وطلب السمعة وتصيد النصوص وتداولها، بأي صورة كانت، دون الحرص – في كثير من الحالات- على تحري وجه الدقة والتمحيص المطلوبين، وليصبح كثيرٌ منها مما ترويه مدونات الحديث مطيةً لكل صاحب غاية أو غرض، ووسيلةً لتضليل العامة والأمة، وتشويش رؤيتهم، وتلويث فكرهم وثقافتهم.
ومن المهم كذلك ملاحظة أن جُلَّ النصوص المروية عدا عشرات من الأحاديث والسنن الفعلية التي تابعها -بحكم طبيعتها- جمهور الأمة لا يرقى إلى درجة التواتر الذي يمكن الجزم بصحة الواحد منها، واستحالة الخطأ أو الكذب فيه، بل إن كثيراً من المروي لا يسهل أن يفهم لماذا يُروى آحاداً وهو بسبب طبيعة عمومية موضوعه وأهميته وطبيعة سعة مجاله كان من الواجب أن يكون متواتراً، بل إن بعضاً من هذا -لشدة الغرابة- لا يخلو من التفاوت والتعارض –حتى للراوي الواحد- في اللفظ وفي المبنى؛ مما لا يسهل -في كثير من الحالات- فهمه، ويستوجب دراسات معمقة لإدراك حقيقة أبعاده.
لقد زهد شيوخ عهد الرسالة وقادتهم في رواية الحديث، والحرص على عدم إشاعة تداوله لإدراكهم خطر سوء فهمه بسبب عدم إدراك الناس للظروف الزمانية والمكانية التي صاحبت أحداثه، وعلاقة ذلك بدور رسول الله  في رئاسة الدولة وبناء الأمة بكل ظروفه الزمانية والمكانية، وهو من الأدوار المتعلقة بالحكمة في تنـزيل المبدأ والمفهوم على واقع بعينه، والذي مع كل الاجتهاد، قد لا تدرك بعض أبعاده المهمة، ولذلك يجب التعامل معه بوعي وحذر شديدين، وهذا الدور من الواضح أنه يختلف عن دوره رسولاً ومبلغاً لرسالة الوحي القرآنية فيما وراء الزمان والمكان، المحفوظة تواتراً والتي دونها يصعب إدراك القصد والدلالة لما صدر عنه من أقوال وأفعال تطبيقية في بناء الأمة والمجتمع المسلم، وتسيير مجريات أمورهم. ولذلك فإن حرص هؤلاء الأصحاب على عدم الرواية أو الإقلال منها أمر يجب فهم حكمته ودلالته عند التعامل مع النصوص، بالقدر الذي يفهم معه لماذا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أحياناً بكتابة حديثه وأحياناً بعدم كتابته، وعلاقة ذلك بمهمته رسولاً أو رئيساً للدولة وبانياً لكيان الأمة والمجتمع والدولة، وتسيير شئونهم، خاصة مع ندرة ما صحب الرواية مما يلقي الضوء الكافي على طبيعة الدور الذي يصدر عنه القول وعن الظروف الزمانية والمكانية والمقاصد التي تعلقت به.
ولو تتبعنا التاريخ نجد إن ما جرّ إلى روايات الآحاد والإكثار منها لدى المتأخرين، صحيحها وضعيفها، بل وبعض ما هو مظنة الوضع والتزييف، وبذلك القدر من التهافت، إلى جانب الأغراض السياسية والعقدية لدى البعض، هو أيضاً من بعض الوجوه بسبب فكر العجز والعزلة لدى كثير آخرون؛ بهدف تغطية عجز الفكر بقهر القدسية، وهي ظاهرة تفاقمت طردياً مع عجز الفكر والنظر وقلة الخبرة والتجربة، فكلما زاد العجز الفكري وعدم القدرة على الاجتهاد وأخذ المبادرات الفكرية الإسلامية في مختلف مجالات الحياة، العام منها والخاص، والقانوني منها والفكري الحضاري؛ لمتابعة المتغيرات كلما ازدادَ طلبُ النصِّ على حساب الفكر والنظر المقاصدي؛ مما يفسح المجال للتقليد الحرفي، حتى أصبح بعضهم يفضل الأخذ بالنص الضعيف على الآخذ بالرأي. والرأي في الشريعة ليس القول الجزاف ولا اتباع الهوى، ولكنه تلمس روح الشريعة ومقاصدها حين لا تتوافر النصوص المباشرة، ولا يسعف القياس عليها في تحقيق مقاصد الشريعة ومصالح الخلق.
وما ورد من نصوص أو دار من خلاف حول كتابة الحديث –نهياً عنه أو سماحاً به- يدل على اختلاف وجهات النظر في أصل سلامة الإكثار من الرواية دون دراية، خشية سوء الفهم لعدم إدراك ظروفها المكانية والزمانية وما يتعلق بمجالاتها، فهل هي أحاديث من باب البلاغ؛ أي تبليغ الرسالة وتبيان معانيها للقاصر من مداركهم وَأَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا البَلَغُ الْمُبِينُ (المائدة: 92)؟ أم هي أحاديث وتوجيهات تتعلق بدور الرسول  في الحكم وبناء الأمة، وإدارة الدولة، وتسير شئون الرعية، والتعليم والتنوير فيما يخص شئون الناس والمجتمع، بحسب حال الناس وإمكاناتهم، وما يعرض لهم من حاجات وظروف وأحداث، يجتهد لهم فيها بحسب حالهم ومدى إدراكهم على ضوء هدي الشريعة المنـزلة: أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِى الأَمْرِ مِنكُمْ (النساء: 59)؟ أم هي أحاديث في طاعة أمرٍ بعينه لن يفصِّله القرآن الكريم لِيُبَيِّنه الرسول  ويفصِّله من باب السنة الفعلية، وهو ما نصَّ عليه القرآن بعينه بشأن الصلاة والزكاة: وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوةَ وَأَطِيعوُا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (النور: 56)، فالصلاة والزكاة ركنان من أركان الدين لم يتعرض القرآن الكريم لتفصيل أمر أدائهما، على عكس أمر عقيدة التوحيد وأمر الصوم والحج اللذين وضَّح القرآن الكريم أساسياتهما في نصِّ متنه، وبذلك كانت السنة النبوية ولا سيما الفعليةُ منها هي المصدر الأساس بشأن أداء الصلاة والزكاة، وكل ذلك يختلف عما كان من قول الرسول  وفعله متعلقاً بشؤون الحياة ومطالب العيش "فإنما أنا بشر".
كما يجب ملاحظة موقف الخلفاء الراشدين وكبار الصحابة ورجال الصف الأول منهم بشأن مَنْ تجرَّأ من آحاد الناس على رواية أقول النبي  وتوجيهاته التي تعاملت مع الأحداث في ظروف بعينها، والحرص على بقائهم في المدينة حتى إن تحدثوا فإنما يتحدثون إلى مَنْ عاصر العهد وكانوا يدركون مقاصد القول وملابسات الروايات.
كما يجب تفهم كليات ما ورد عن الرسول  ذاته في النهي عن كتابة حديثه أو السماح به، وما نمَّ عنه ذلك النهي أو السماح به من مقاصد، وعلاقة ذلك بدوره في البلاغ والبيان ودوره في بناء الدولة وبناء الأمة وتسيير شئون المجتمع وقيادته، ولماذا تعهد الله بحفظ القرآن ولم يشمل الله وهو القدير ما صدر عن الرسول  من القول بتعهد الحفظ، فلابد من أن يكون لذلك حكمة نخطئ إن لم ندركها، وما أظن أن ما عليه حال الأمة إلا لأنها ضلت وأخطأت في فهم أمور كثيرة لابد من مراجعتها حتى تسترد عافيتها، فكلما بعد الزمان والمكان اتضح أثر سوء الفهم وقصور الفكر، ولذلك يجب أن يأتي فهمنا لإشكالات رواية الحديث النبوي بقصدٍ مجرِّدٍ عن العصبية للرأي والمذهب والصنعة، وعلى ضوء ما نعلم مما اعتور الرواية من إشكالات وعقبات. كل ذلك أمر يستحق التفكر والتدبر، ويعين على النظر في تحرير المنهج، لمواجهة ما أصاب ثقافة الأمة من عيوب، وما تواجهه من تحديات، وما انتهى إليه كثيرون من عشوائية وسوء استخدام النصوص، وجعلها مشاجبَ للسلبية والخنوع، وللخمود والجمود، ومداخل للخرافات والأساطير والأغراض والإحن والأهواء، وانتصاراً للعداوات، واستغلالاً للعرقيات، ووسيلةً لقهر ضمير الأمة وإلجام عقلها وإرهاب وجدانها وتمكن تخلفها، وأداةً للنـزاعات والصراعات، ومدخلاً للفرقة والتحزبات، وهي في خاتمة المطاف عوناً وأداةً بيد الأعداء.
من المهم أن نستحضر هنا –بغض النظر عن التفاصيل وموضع أي نص بعينه - أن مجمل السنة ومجمل السيرة النبوية ومجمل تاريخ عهد الرسالة والخلافة الراشدة تكمن ولاشك في أن أحد وجوه أهميتها الكبرى في التاريخ إنما هو في إثبات إمكانية تحقق قيم القرآن ومقاصده في عالم البشر، وأنها ليست قيماً خيالية، وأن على البشر اتباعها وتحقيقها في حياتهم، وتمثلها أفراداً وجماعات على مر العصور بقدر طاقاتهم، والتي تتفاوت بتفاوت طاقات الأفراد والأمم والأجيال من فردٍ إلى فردٍ، ومن جيلٍ إلى جيلٍ، ومن أمةٍ إلى أخرى. من المهم أن ندرك أيضاً أن هذا القدر إلى جانب قدر دروس الاستئناس والتأسي ودلالة تطبيقات مفاهيم القرآن على عالم عصر النبوة قد تحقق بغض النظر عن تفاصيل الروايات ودقة أي نص بعينه من نصوصها إذا كانت مهمة جلها هي تطبيق المفاهيم القرآنية في عصر بعينه بثقافته وإمكاناته وتحدياته، وتتم مهمة التأسي والاستئناس بها إذا ما حكم القرآن في فهمها وتحقيق القصد منها، فيكون القرآن ضابطاً وميزاناً لنقد متونها، كما أن متونها تعطي رؤية عملية توضيحية بيانية -في حدودها الزمانية المكانية- لمفاهيم القرآن الكريم ومقاصده عبر الزمان والمكان.
فإذا أضيف إلى إشكالات الرواية ما نلحظه من ضعف نقد المتن؛ لأن النقد الفعال إنما ينبع من دراية الناقد العلمية بطبيعة الموضوع وخبرته فيه، وهو ما لا يتوافر لكثير من الدارسين في مجالات الرواية، بل لا يتوافر في معظم (كوادر) الدراسات الإسلامية وبرامجها الدراسية الرسمية؛ حيث تقتصر دراساتهم عادة على جوانب لفظية وشكلية وقواعد مستظهرة، بل يكاد القول –عند كثير من المتأخرين- أن يكون "يُعْرَف القول بالقائل"، بدلاً من "يعرف القائل بالقول"، حتى رأينا –بسبب ضعف ملكة الدراية والنقد- كيف يروى للقائل القول ونقيضه بما لا يتفق –في كثير من الأحيان- مع روح الشريعة وبدهيات العقل أو الرؤية العلمية السليمة، وقد بلغ ضعف ملكة التدبر والنقد حد إهمال قياس صحة متن الأحاديث بمقياس القرآن الكريم الذي هو الكلمة الجامعة المقدسة المحكمة الحاكمة والبينة المتواترة مَّا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَبِ مِن شَيءٍ (الأنعام: 38)، كِتَبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (هود: 1) وَلَقَدْ جِئْنَهُم بِكِتَبٍ فَصَّلْنَهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَّوْمٍ يُؤّمِنُونَ (الأعراف: 52)، ونـزلنا عليكَ الكِتابَ تبياناً لكلِّ شئ وهدىً ورحمة (النحل: 89)، وهكذا تراجعتْ لدى الكثير من طلبة العلم – في عصور انتشار فكر العزلة- مكانةُ القرآن الكريم الذي تتصف جُمْلَتُه بعموم التوجيه وتجريده ليكون المنبع والمرجع للفهم والتوجيه والهدى – على اختلاف الأحوال والمواقع والأزمان -وتصدر موقَعه لديهم كثيرٌ من نصوص الآحاد ذات الأبعاد الزمانية المكانية الصحيح منها والضعيف- دون فقه عميق بحقيقة دلالاتها ومقاصدها- طلباً لراحة العقل من عناء التفكر والنظر والاجتهاد ومواجهة المتغيرات والمستجدات، يتضح هذا حينما نقارن الكمَّ الضئيلَ من نصوص السنة؛ الذي استدل به الأئمة المجتهدون في بداية عهد العزلة المدرسي، وفي مقدَّمتهم أبو حنيفة النعمان، والكمَّ الهائل الذي يتزايد كلما مضى الوقت وازداد العجز، والذي تعلو به في العصور المتأخرة -دون علمٍ أو درايةٍ أو تمحيصٍ- حناجرُ كثير من عامة صغار طلبةِ العلمِ.
وكما سبق أن ذكرنا أن كثيراً من هذه النصوص كان -في الحقيقة- من الأمور التي يصعب يشكل جازم ضبطها وتحقيقها ومعرفة حقيقة رجالها الذين لم يرهم مدونو النصوص، ولم يعاصروهم، مِمَّن سبقوا عصرهم من رجال أسانيدهم، وما عُرفوا لديهم إلا بالسماع عنهم في عصور عمَّتها الأهواء والفرق والحروب والفتن، وكان الدين واستخدامه أداة هامة في هذه الصراعات.
ومن ناحية أخرى فإن كثيراً من النصوص التي يدور حول نقد متنها خلافٌ وتتعارض فيه الأقوال -برغم مضي العقود والقرون- هو أمر ما يزال وكأنه مفازةٌ لمن يخوض في بحثها والحديث عنها، حيث تتعارض نصوصها وما يلحق بها من الزيادات بحيث تغيم بشأنها المفاهيم بسبب مناهج الفهم الحرفي؛ فتهدم بها -دون وعي- كثير من مفاهيم الشريعة ومنطلقاتها وأولوياتها، ويتجرأ بالفتوى والوعظ والتعليم بها من لم يبلغ تأهيله الدرجة المطلوبة من التمكن من علوم الشريعة واللغة ومن علوم السنن والخبرة بالأحوال والطبائع والمتغيرات، فضلاً عن أصحاب الأغراض والأهواء، كل هذا أدى وما زال يؤدي -إن لم تتضح الرؤية ويستقيم المنهج وطرق إعداد الكوادر العلمية - إلى الإضرار بثقافة الأمة؛ ويساعد على إشاعة الشعوذة والخرافة والسلبية والترهيب، ويعصف بالروح العلمية والجمعية، ويشوه الرؤية الكلية الكونية، ويقضي على روح التفكر والتدبر والمعرفة الإسلامية. فلا غرابة أن يصبح الإنسان المسلم سلبياً عاجزاً مهمشاً، وأن نرى على أرضه عالماً -في عامته- قد أصبحت يحكمه الأموات تحكمه الخرافات والأشباح، وإذا بالسنن والمقادير تعصف بها شعوذة المشعوذين، وهمهمة المهمهمين، وسحر السحرة، والتمائم، وموهوم سطوة عفاريت المردة والجان.
  ثالثاً: نماذج في نقد المتن: علم الغيب وتلوث الثقافة
ولا بأس في هذا المجال المهم من مَثَلٍ يدل على فداحة ما يواجهه الفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية من إشكالات، فنحن نعلم أن المسلم إنسان إيماني موحد استخلافي سنني يسعى في الأرض إعمارياً متوكلاً قوياً بإيمانه، كاسباً بعمله، متقناً سنناً في أدائه، يسعى بطلب الأسباب ليسخر الكائنات لحمل الأمانة في إعمار الأرض، لا مكان عنده لكهانة ولا عرافة ولا تنجيم ولا عيافة (الخط في الرمل) ولا طيرة ولا طرق ولا سحر ولا جبت، ولا أي شيء على شاكلتها من أمور الشعوذة والخرافة، ومع ذلك نجد الإمام مسلم يرحمه الله يروي في صحيحه عن معاوية بن الحكم أنه قال: قلت: يا رسول الله إني حديث عهد بالجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام، وإن منا رجالاً يأتون الكهان، قال: (فلا تأتهم). قلت: ومنا رجال يتطيرون. قال: "ذلك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدهم" قلت: ومنا رجال يخطون. قال: "كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك"، فيأتي هذا النص وكأن رسول الله  يقر "الخط" وما يؤدي إليه –مما يقصد إليه السائل ولا شكّ- من زعم كشف الغيب بالخط، وهو ما يعارض صريح القرآن، أما إن كان الرسول  قد قصد إلى شيء غير ذلك فهو بالتأكيد حسب النص ليس مما يعلمه السائل أو قصد إليه، وليس في النص كما رواه ابن الحكم ما يدل على ذلك وإذا تقبل الرواة صحة الرواية فأن الأمر في رأينا يدعو إلى العجب من أن رسول الله  وهو من يوحى إليه يقر مزاولة الخط ولكن لا يعلِّم الناس الوجه الصحيح لضرب الرمل حتى يفيدوا، ويفيد رسول الله  ذاته ومن هذه النافذة ومن هذا الوجه العجيب المؤدي – حسب هذا النص- إلى العلم بالغيب استكثاراً للخير قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (الأعراف: 188)، وحتى لا يقع المسلمون -بسبب جهلهم بالوجه الصحيح لخط الرمل- فريسةً لاستغلال الدجالين والمشعوذين، ولكننا لا نعلم أن رسول الله  قد زاول هذه المزاولة النبوية حسب النص ولا علَّمها أحداً من الناس، إن مثل هذا النص بهذا الفهم الصادر من رجل علم شرعي ومكانة شرعية يُعْتَدُّ بها على سبيل المثال، ولا أدري لفهم النص بشكل آخر يقدم دعامة ويفتح منفذاً ويصنع مشجباً "شماعة" للمحتالين والمشعوذين ولأصحاب الأغراض، والقرآن الكريم قد وضَّح –دون لبس- وجه الحقِّ في هذه الأمور، وصدق الله قُل لآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إلا مَا شَآءَ اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرتُ مِنَ الخَيْرِ وَمَا مَسَّنَىِ السُّوءُ إنْ أَنَاْ إلاّ نَدِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤمِنُون (الأعراف: 188) عَلِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً. إِلا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (الجن: 26-27) وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُم عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ (آل عمران: 179) أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (القلم: 47).
ولا يختلف في رأينا عن هذا كثيراً ما رواه الشيخان يرحمهما الله عن عائشة رضي الله عنها -إن صحت الرواية عنها على كل مستويات الرواة اللاحقين من حيث صدق الرواية ودقة النقل- قالت: سأل رسول الله  أناسٌ عن الكهان فقال (ليسوا بشيء) فقالوا: يا رسول الله إنهم يحدثوننا أحياناً بشيء فيكون حقاً، فقال رسول الله : (تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه فيخلطون معها مئة كذبة). وفي رواية للبخاري يرحمه الله عن عائشة رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله  يقول: (إن الملائكة تنـزل في العنان وهو السحاب، فتذكر الأمر قضي في السماء فيسترق الشيطان السمع، فيسمعه، فيوحيه إلى الكهان، فيكذبون معها مئة كذبة من عند أنفسهم).
وهكذا وفقاً لحرف هذه الروايات فإنّ الكهان يعلمون شيئاً من الغيب، يسمعه الجان والشياطين، ويوحون به إلى الكهان، ثم هم يضيفون لما علموا من الغيب ما شاؤوا من الكذب، والقرآن الكريم يجزم أن الغيب لا يعلمه إلا الله، ويقرر أن الحال قد تغيّر، وأن الاستماع منع، ولم يعد ممكناً مع الرسالة الخاتمة وبلوغ الإنسانية مرحلة الرشد والمسؤولية الكاملة التي يحمل بها الإنسان أمانة استخلافه وإدارة شؤون عالمه، فلا يعلم الغيب أحدٌ إلا الله: قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ فَقَالوُا إِنّا سَمِعْنَا قُرْءَاناً عَجَباً (الجن: 1)، وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً. وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَعِدَ للِسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الأنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً. وَأَنّا لا نَدْرِى أَشَرٌ أُرِيدَ بِمَن فِي الأرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً (الجن: 8-10)، عَلِمُ الغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أحَداً. إلا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً. لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَلَتِ رَبّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيءٍ عَدَداً (الجن: 26-28)، وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَهَا رُجُوماً للِشَّيَطينِ (الملك: 5)، إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ (الحجر: 18)، إِلا مَنْ خَطِفَ الخَطفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (الصافات: 10)، قُل لآ أَقُولُ لَكُمْ عِنِدي خَزَآئِنُ الله وَلآ أَعْلَمُ الغَيْبَ وَلآ أَقُولُ لَكُمْ إِنّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إلاّ مَا يُوحَى إلىَّ قُل لا يَعْلَمُ مَن في السَّمَواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلا الله (النمل: 65).
إذا كان القرآن الكريم يوضح بأجل صورةٍ أن عالم ما بعد رسالة "الكتاب" قد بلغت فيه الإنسانية مرحلة الرشد، وأصبح الإنسان يحمل كامل مسؤولية قراره وإرادته، وهذا لا يعني عدم وجود عوالم أخرى؛ فالكون واسع، وذلك من شأن الله، إلا أن المهم أن الإنسان في عهد الكتاب والعلم والعالمية أصبح بإذن الله وعنايته، هو –وليس سواه- يدير عالمه ويُسْأل عنه، وأنه لا مجال بعد رسالة "الكتاب" لأية قوةٍ من قوى العوالم الأخرى أن تتدخل على غير أقدار الله وسننه في مجرى حياة الإنسان وعالمه، حيث لا يمكن لأحد أن يطلع على غيب مجرى حياة عالم البشر ينفذ منها للتحكم في سير حياتهم، فقد أُحْكِمَ الرصدُ، وأُحْكِمَتْ حمايةُ الرسلِ وما ينـزل إليهم من الوحي وشئون الغيب، ومن اجترأ على محاولة استراق السمع فإنه مقضي عليه من قِبَلِ نظام إلهي مُحْكَمٍ من الشهب والرجوم الثاقبة التي حتماً لا تعجز ولا تخطئ، وأن الله بذلك أراد بالإنسان الخير والرشد والحماية من الشر، ومنع تسلط العوالم الأخرى على عالمه وإعاقته عن حمل مسؤوليته غي الاستخلاف وإعمار الأرض، وليس عبثاً أن رواية سورة الجن كانت بصيغة الماضي (كنا) أما (الآن) فإنّ الأمر قد تغيَّر، بل إنّ إخبار الرسول  الجان وعن عالمهم كان بالرواية لا بالمشاهدة "قل أوحي إليَّ". ومع ذلك فإنّ الأحاديث التي أوردناها آنفاً تبدو وكأنها تناقض الصورة القرآنية وتجعل الملائكة –على الرغم من النظام المحكم لمنع الجان والكهان من استراق السمع وعلم الغيب – وكأنها تتهاون، أو لا تدرك، أو تعجز، أو لا تأبه لإذاعة سر الغيب الذي أخبر الله أنه قرر أن يحفظه ولا يطلع عليه أحداً، إلا من ارتضى من رسول، فإن هذا الاستثناء الإلهي الذي يحميه الله ويحمي ما يوحي به من الغيب، وهو ما لا يبدو أنه من المناسب أن نقوله أو نظنه عن ملائكة الله المقربين الذين لا يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ. (التحريم: 6) يقرر ذلك القرآن دون لبس أو غموض في قول الله سبحانه وتعالى: عَلِمُ الغيبِ فلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أحَدَاً. إِلا مَنِ ارْتَضَى من رَّسُولٍ فإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً. لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاَتِ رَبّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّّ شَيءٍ عَدَداً (الجن: 26-28).
فإن صحت مثل هذه النصوص، وما أظن كثيراً منها يصحّ بحرفه -على الأقل من باب الدراية ونقد المتن- وذلك لما قد يكون لحق بها من عيوب الرواية التي يغلب الظن أنه لم يتنبه لها علماء الحديث -وجَلَّ من لا يخطئ ولا ينسى- ولم يستدرك عليها أحد من أولئك العلماء، والسؤال هل المخرج من نقد المتن إذا سلمنا بالرواية فيما سبق أن أوردناه من روايات، أن علينا تأويل النص فيكون تأويله بشيء من الاعتساف، على أنها حوارات قُصِدَ بها أشخاصٌ بعينهم، وعقليات بعينها، أراد النبي  أن يصرفها عن إلحاق الضرر بنفسها ولكن بأسلوب ومداخل تناسب عقولهم وقدراتهم النفسية والعقلية، حيث إن من الممكن بعضهم أن يكون من البدائية على قدر كبير، وفي هذه الحالة إن صح مثل هذا التأويل على ما يبدو فيه من الاعتساف؛ فيكون الأولى بمن روى نص هذا الحديث ألا يرويه إلا أن يوضح الظرف الذي صاحبه ويفسره، دون أن يثور أمر التعارض مع مفاهيم القرآن الكريم، وينشأ معه خلط في المفاهيم وغبش في الرؤية، ولذلك ليس أمام من يصر على أن يقبل في مثل هذا الأمر رواية الآحاد إلا أن ينظر إليها من باب خطاب الناس على قدر عقولهم، وبما يعقلون في مثل هذه الحالات العملية، وبذلك تكون نصوصاً ذات طبيعة خاصة يبررها ضرورة خطاب الناس على قدر عقولهم، وتكون مثل هذه الحالات أمثلة لباب أخف الضررين وليست مفاهيم عامة وتشريعات يتبعها عامة الأمة، يوضحه ما رواه البخاري عن علي رضي الله عنه أنه قال: "حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكّذَّب الله ورسوله" وما رواه مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه "ما أنت بمحدثٍ قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة".
وهكذا فإن علينا لإصلاح فكر الأمة أن نحكِّم ليس فقط نقد السند؛ بل ونقد المتن، وأن نحكِّم التأويل ومنهجه بحيث يكون القرآن الكريم ومقاصده ومفاهيمه الأساسية المحكمة هي الحَكَمُ في قبول ما سوى القرآن الكريم من النصوص والاجتهادات والتأويلات، ونسد بذلك -وعلى أساس من روح الشريعة- كل باب يتأتى منه الخلط والتشويه، والانحراف عن مقاصد القرآن الكريم ورؤيته الكونية ويكون مشجباً للخرافة والشعوذة والتلوث الفكري والثقافي. ولنعلم قبل كل ذلك وبعد كل ذلك، أن السنة النبوية الصحيحة كنـز غني للاستئناس والتأسي وإدراك دلالات المقاصد والمفاهيم القرآنية، ولسنا في حاجة إلى زيادته بما لا نجزم بصحته متناً أو سنداً، أما ما صحَّ معناه ولم يثبت سنده من النصوص - برغم أن عدم ثبات السند لا يعني بالضرورة عدم صحة النص - فإن الأصوب والأحوط أن نستشهد به فقط من باب الحِكَمِ والآثار، وليس من باب قداسة المصدر، ولكن من باب صحة المعنى ونفاسته وأنه يتفق مع روح الشريعة، وذلك إن كانت هناك حاجةٌ من باب زيادة الخير.
وهناك ملحوظة أخرى هامة على مثل هذه النصوص - التي قد تحدث غبشاً في العقيدة والرؤية الإسلامية عند من قل زاده من العلم أو شابت حالته النفسية بعض الضعف - لماذا يتم إيرادها في كتب أريد بها ثقافة العامة؟ ولماذا برغم ذلك يروج لمثل هذه الكتب في هذا العصر وتظل تحضى بالحفاوة والصدارة وكأنها لا يمكن أن يوجد لها بديل؟ ولماذا لم يقم طلاب العلم إلى اختيار مجموعات من النصوص القرآنية ومجموعات من النصوص النبوية، ومجموعات من كنوز التراث ومن اجتهادات العصر، التي تأخذ في حسبانها السقف المعرفي للعصر، والتي تناسب متغيراته، وتأخذ في اعتبارها تحدياته.
ما لم يتيقظ قادة أهل العلم الديني ومؤسساته لمثل هذه الأمور والاستجابة لأحوال العصر ومتغيراته وتحدياته فلن نستطيع أن نفهم حقيقة أسباب تردي رؤية الأمة وأحوالها وأن نفهم موقف المدني وتوجساته من كثير من قضايا الثقافة الدينية وآثارها الاجتماعية والحضارية، ونفهم أسباب انبهاره بالآخر وطلبه الرؤية والمعرفة من منظومات حضارته.
  رابعاً: لا مجال في عالم اليوم لفكر الخرافة باسم الإسلام
من المهم أن نعلم دون غبش أنه مع انتشار العلم والمعرفة لم يعد هناك مجال في عالمنا اليوم لفكر الخرافة والشعوذة وممارسات الدجل، والمعوذتان كافيتان لوضع حدٍّ قاطعٍ لأية هواجس نفسية عند كل مَنْ تسيطر عليهم –لأسباب نفسية أو تربوية وثقافية- عواملُ الخوف من أية أضرار مادية أو غير مادية ما زال يخشى بعض الناس منها نفسياً، وتوسوس بها صدورهم، وتهوِّلها لهم مصادفاتُ الأحداث، وكذبُ الكذابين، وتهويلُ المتحدثين المتحذلقين، وحيلُ المشعوذين، ومكائدُ الدجالين وأعداء الأمة والدين؟ وحتى على عهد ما قبل الرسالةِ الحضارية العالمية -رسالةِ الكتاب والعلم والقلم- أخبر القرآن الكريم بحقيقة أمر الكهنة والسحرة والمشعوذين والدجالين فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (طه: 66)، وَمَا هُمْ بِضَآرّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ (البقرة: 102). فالقرآن في هذا الأمر صريح واضح من أنه لا يمكن أن يأتي من الدجالين والسحرة والمشعوذين نفعٌ في النفس أو المال أو الولد أو الدين، ولا يأتي منهم إلا الضررُ الروحيُّ والنفسي والمادي، ومن يطلب النفع أو درء الضرر من وراء ذلك إنما يطلب الوهم والسراب. ولو كان الدجالون والمشعوذون في أي ثوب يرتدون أو حيلة يصطنعون قادرين على جلب النفع لجلبوه لأنفسهم، واستغنوا بقدرتهم عمن سواهم، وأي دعوى غير ذلك إيغال وجرأة في استغفال البسطاء والمكروبين والمقامرين والطامعين.
إن من المهم أن ندرك أن المعوذتين هما في جوهرهما دعاء إلى الله تعالى لتحصين عقل المسلم وقلبه مما وقر فيهما لأي سبب من الأسباب من تدليس المشعوذين، أو الأوهام والأمراض النفسية، أو من تأثير الموروثات، أو بسبب بعض البلايا والكروب التي لا يعلم وسيلة علمية سليمة –حتى اليوم- للتخلص منها؛ فتكون المعوذتان هي لجوء إلى الله القادر المحيط بكلِّ شيءٍ طلباً لعونه وحمايته من تلك الأوهام والوساوس والشرور والأضرار، أي إنهما وسيلة للحماية الربانية، وحصن رباني من كل الشرور، ونهاية لكل الأوهام، وليستا وسيلةً ولا مدخلاً لانحراف العقيدة وفساد العقل وضلال السعي، وليستا وسيلة لمزاولة الشعوذة والدجل، ولا مشجباً تعلَّق عليه الإسرائيلياتُ والخرافاتُ والأساطيرُ والأكاذيبُ، وسوءُ الفهم والتأويل، وموروثات العقائد والفلسفات الضالة.
فسورة الناس هي قرآن ودعاء يستعيذ فيها الإنسان بالله، ويطلب عونه ضد وسوسة الشياطين والأبالسة من الإنس ومن الجن، وواضح أنه لا علاقة لها بقضايا أوهام السحر وما يلحق به، ولكنها تتعلق بالدس والوسوسة والإيحاء إن كان من شياطين الإنس، أو من إبليس وذريته مما يوسوسون به من الشر والأذى وارتكاب المعاصي في قلوب الناس، وما يلقونه في عقولهم وقلوبهم، وهم ليس لهم –فيما عدا ما يحسه الناس في نفوسهم من الوسوسة- أي سلطان على أحد، وقد أفلح من عصاهم، وخاب في الدنيا والآخرة من تبعهم وأطاعهم وخسر، إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (الحجر: 42)، … وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي … (إبراهيم: 22).
أما معوذة (الفلق) فهي دعاء يستعيذ فيها الإنسان المؤمن بالله من شرار الخلق، ويستعين فيها بالله عليهم، وعلى كيدهم، وعلى شرهم، ويستعيذ به ضد أذاهم ومكرهم، ومنهم المشعوذون والدجالون الذين يمارسون أعمال ما يدعونه سحراً أو قدراتٍ وإمكاناتٍ خفيةً خاصة، وهي فئة شريرة من الناس تتعلم هذه الممارسات التي قد يتوارثها بعضهم عن بعض في عصور الظلام وكهان معابد الحضارات القديمة، ومنهم كهان الفراعنة وملوك بابل وآشور وسواهم، والذين كانوا –في الحضارات القديمة قبل الحضارة اليونانية- يخصون دائرتهم الخاصة بعلومهم، ولا يطلعون عليها أحداً من العامة، وهي تتضمن ولا شكَّ في بعض الأحيان قدراً من العلوم والمعارف التي كانوا يسخرونها للشعوذة والدجل وغش البسطاء، وهي ممارسات عُرِفَتْ في الحضارات القديمة –ذكر الله شيئاً منها من ممارسات عهد الفراعنة-؛ بل إن فئات من بعض شعوب الغجر تمارس حتى اليوم بعض هذه الأنواع من الدجل والشعوذة والحيل، وتتفشى فيهم ممارسات الفواحش والسرقات، ولذلك فإن ما يمارسه بعض هؤلاء قد يكون لـه –في بعض جوانبه- أضراره بسبب المواد التي يعطونها للمتعاملين معهم على أشكال مختلفة تؤذيهم، وتؤثر فيهم بتعاطيها، أو من خلال تلويث ما يستعملونه منها: من مشروبات وأحجبة وما إليها، ونحن نعلم اليوم أن القليل جداً من بعض المواد التي قد ترى أو لا ترى بالعين المجردة قد تؤثر على من يتعرض لها وتضره ضرراً شديداً، وعلى أية حال فإن جلَّ آثار دجل هؤلاء الدجالين وشعوذاتهم نفسيٌّ، ونحن نعلم اليوم الأثر الكبير للإيحاء النفسي في التوهم الذي يجلب على ضحاياه في جل الأحوال الضرر النفسي والعضوي أيضاً، ولذلك فإن الإيحاء ومزاولات الطب النفسي –إذا لم يكن من يتولاه حسن النية وعلى علم بما يفعل، ومن أصحاب الاختصاص في العلاج النفسي- فإنه يكون شديد الضرر، ومن يعرض نفسه لهذا اللون من الإيحاء النفسي من قبل أصحاب الأغراض فإنه يعرض نفسه لأضرار مادية ومعنوية جسيمة، ومن المؤسف أن بعض الناس يلجئون إلى هؤلاء المشعوذين طلباً للعلاج أو النفع، أو سعياً للإضرار بالآخرين والكيد لهم، وهؤلاء لا يجلبون لأنفسهم ولمن حولهم ولأمتهم إلا الخسارة والضرر، ومعوذة (الفلق) هي للمؤمن دعاء إلى الله واستعانة به ضدَّ كيد الحاسدين والكائدين؛ الذين يتمنون ويعملون على زوال النعم عمن عداهم، وهي دعاء ضدَّ كيد المشعوذين ومن يلجأ إليهم، وضدَّ تدابيرهم وأذاهم، وهو أمر غير توهم البسطاء عن امتلاك المشعوذين بعض القوى السحرية الغيبية التي في إمرتهم، ولذلك فإن على سلطات المجتمع محاربة سموم هذه الفئات الطفيلية الضارة وأمثالها بأي دثار تدثروا، وتوعية الناس وتحصينهم ضد دجلهم وشعوذتهم وخرافاتهم وممارساتهم المؤذية نفسياً واجتماعياُ وحضارياً، حمايةً للناس، ودفاعاً عن مصالح الناس وعن الدين والأمة.
  خامساً: عالم ما قبل الرسالة المحمدية وعالم ما بعدها
لا شكَّ أننا ندرك من مجمل الوحي، ومن واقع المرحلة الإنسانية التي نمر بها، أن عالم ما قبل الرسالة المحمدية يختلف عن عالم ما بعد الرسالة المحمدية؛ حيث كان عالم ما قبل الرسالة المحمدية عالماً متسماً بالخوارق والمعجزات، كما كان عالماً متسماً بالخرافة وبمحدودية العلم والمعرفة وتفشي الجهل والعرقية، فيما أصبح عالم ما بعد هذه الرسالة متسماً بالكتاب والعلم والسنن والعالمية والرسالة العالمية الخاتمة.
ولعل من المفيد هنا أن نناقش فهم بعضهم لما ورد في القرآن الكريم بصدد تسخير الشياطين لنبي الله سليمان، وبصدد "الملكين" ببابل هاروت وماروت، وجعل ذلك – بوعي أو دون وعي وبقصد حسن أو غير ذلك- مشجباً يتكئ عليه الكثيرون لتمرير قدر هائل من فكر الخرافة والشعوذة، والتغرير بالعامة والبسطاء، والإيقاع بهم في شباك وأحابيل الأدعياء والمحتالين والمشعوذين والدجالين، مما يضر بالناس ويبقى الأمة في أوحال العجز والتخلف.
يقول الله سبحانه وتعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطينَ كَفَرُوا يُعَلّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنـزلَ عَلَى المَلَكَيْنِ بَبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلّمَانِ مِنْ أَحَدِ حَتَّى يَقُولا إِنّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَِرّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ في الأخِرَةِ مِنْ خَلقٍ وَلَبِئسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (البقرة: 102).
ولو أمعنا النظر في الآية السابقة لوجدنا أنها تتحدث عن أمور وأحداث وممارسات تمت قبل الرسالة المحمدية التي هي رسالة الكتاب والعلم والعقل والبحث والتدبر والعالمية والإنسانية. فالإنسانية قبل الرسالة المحمدية كانت في جوهرها إنسانية بدائية، مجزأة إلى أقوام معزولة ومحدودة العلم والمعرفة، وقد توالت على تلك الأقوام والأمم الرسالاتُ والتوجيهُ؛ بما يأخذ بيدها نحو الترقي الإنساني، بدءاً من ابن آدم الذي لم يكن يعرف كيف يدفن أخاه ويواري سوءاته، وصولاً بها إلى المرحلة المحمدية العلمية العالمية، ولذلك كانت الخوارق إحدى متطلبات المرحلة البدائية، وكانت وسيلةَ الأنبياءِ والرسل في توجيه حياة أقوامهم والوصول بواسطتها إلى قلوبهم وعقولهم التي هي في جملتها ساذجة، ومحدودة العلم والحيلة تمثل قوى الطبيعة وآفاتها قوى وآفات قاهرة مرعبة مستغلقة على معارفهم وأفهامهم لإيجاد اقتناعات محددة لديهم نحو الرسول والرسالة، وهو ما توضحه سورة الجن في القرآن الكريم، كما توضح الفرق بين ما كان وما سيكون مع إنسان الرسالة المحمدية الخاتمة.
وتوضح آية سورة البقرة (102) الآنفة الذكر أن ما سُخِّر لسليمان من أعمال الشياطين، وما سخر لـه من قوى الطبيعة، وما ذُكر في مواضع أخرى من القرآن الكريم، هو من باب العون الإلهي والخوارق النبوية التي سخرها الله لأنبيائه في تعاملهم مع البشر في تلك المراحل من تطور الإنسان وإدراكه وحضارته وليس في ذلك أي مساس بعقيدة سليمان ولا بإيمانه، وليس في ذلك أي سعي منه غير مشروع للتواصل مع العوالم الأخرى والشيطانية منها خاصة؛ لأن من يوصف بأنه من الشياطين -سواء أكانوا من الإنس أم من الجن- يجب أن يكونوا كفاراً مستكبرين عاصين لأمر ربهم؛ بما جعلهم يستحقون هذا اللقب، وما قالوا به من خدمة نبي الله سليمان هو بإرادة الله الخالق القادر، ولا يجب أن يفهم منه مشروعية طلب التواصل مع عوالم الجن وشياطينهم أو إمكان ذلك ولا ينال الغر الجهلاء من محاولة ذلك غير الأضرار النفسية والمادية، يلحقها بهم الدجالون والمشعوذون.
أما أمر "الملكين ببابل هاروت وماروت" فإنه أيضاً يتعلق بفترة ما قبل الرسالة المحمدية بشأن الخوارق وعلاقة عالم الإنسان البدائي بالعوالم الأخرى، حقاً أو وهماً، في تدرُّج الإنسان وعالمه صوب الكمال الإنساني، والاستقلال، وتحمل كامل المسؤولية عن أدائه ضمن دائرة الصراع بين الحق والباطل، والنور والظلام، في نفسه، وفي عالمه، ولذلك فإنه من غير المناسب أن يُفهَم النص القرآني – حتى عن تلك الفترة- من أن ملائكة الله المقربون هم ذاتهم يعلمون الناس الشر والكفر، فذلك ولا شك ما لا يليق بالملائكة، ولا يقبله الحس الإسلامي المرهف السليم، وهو ما ذهب إليه الصحابي الجليل ابن عباس رضي الله عنه، كما ذهب إليه وأكده ابن حبان، فنحن نعلم أن هناك قراءتين لهذه الآية، والقراءة الأولى هي "الملِكين" بكسر اللام، مثنى مَلِك وجمعها ملاك، وقد أشارت القراءات إلى صحة قراءتها أيضاً بالملَكَين بفتح اللام: مثنى مَلَك بفتح اللام ، وجمعها ملائكة، وقراءة الملِكين بكسر اللام في رأيي أوضح للقارئ، ويكون المقصود عندئذٍ إنهم ملوكٌ عبادٌ كهانٌ، فيصبح المعنى أنهم كانوا ملوكاً كهاناً صالحين كأنه "ملائكة" حيث يقال عادةً واصطلاحا للصالح أنه "ملاك" فهم بذلك ملوك كهان صالحون على شاكلة كهان معابدِ الحضارات القديمة التي كانت سائدة في تلك العصور، والذين كانوا يختصون أنفسهم بالعلوم والمعارف التي تمثل لهم مصدر قوة وإبهار أمام عامة الناس، على شاكلة ما ترويه قصة سيدنا موسى عليه السلام مع سحرة فرعون الذين كانوا بحيلهم يوهمون العامة ويخدعون أبصارهم وحواسهم، ولذلك علم السحرةُ المحتالون قدرَ موسى عليه السلام حينما رأوا الحبال والعصي تتحول حقيقة، وليس حيلة، إلى ثعابين حية تسعى، فعصوا فرعون وآمنوا بالله الخالق رب موسى وهارون.
ومن المتصور أن هؤلاء الملوك الكهان العباد الصالحين حينما كانوا يعلمون الناس ما لديهم من علوم ومعارف مما تعلموه وما ألهمهم الله به، والتي -بلا شك أن بعضها إذا أُسيء استخدامه يكون ضاراً- فكانوا يحذرون تلامذتهم من هذه العلوم والمعارف الملهمة والمتوارثة التي إنْ أساءوا استخدامها فهم يكفرون حق العلم والمعرفة ويكونون للناس فتنةً، ويكونون بذلك قد كفروا نعمة الله ومارسوا الشر والأذى، وأضلوا الناس بما لديهم من علم ومعرفة وحيلة عن سواء السبيل، وقد أوضح القرآن الكريم أن سوء استخدام علومهم وقدراتهم في الأذى والضرر والتغرير هو "كفرٌ" بنعمة المعرفة، و"ضررٌ" محضٌ لا نفع فيه، وأن لمن ارتكبه وقام به أو فعله سوء العاقبة، وهذا المعنى أو ما شابهه مما ذكره ابن حبان في كتابه "البحر المحيط"، وهو الجدير بالفهم، وهو اللائق بمقام ملائكة الله، وهو الأولى بالمعلمين الصالحين في ظروف تلك الحضارات السابقة وأساليب ممارساتها، أما أن يقوم ملائكة الله وليس الشياطين بالفتنة وتعليم الكفر للبشر فذلك أمر يجب أن يرفضه الحس الإسلامي السليم، وقواعدُ نقد المتن الصحيحة التي تلتزم روح القرآن ومفاهيمه ومنطلقاته فيما جاء به من شريعة وفيما تناوله من سير الأنبياء والملائكة والصالحين.
ولعل من المفيد أيضاً تقريباً لما ذكرنا من المعاني إلى ذهن القارئ ومخيلته أن نذكِّره بحيل الحركة والصوت والضوء والترتيبات المسرحية في ألعاب السرك و "سحرة" المسارح، بل وفي العروض السينمائية التي لولا أننا نعلم علم الحس واليقين أنها صور مفردة متتابعة وأنها تعرض بسرعة معينة تخدع العين؛ لأقسمنا عند المشاهدة أنها حركة حية حقيقية.
فالدجل والشعوذة وبعض العلم بخواص المواد ومداخل النفوس ألوانٌ مختلفة تمكن من الحيل والنصب والاحتيال، قد تنطلي على بعض الناس باسم السحر حيناً، وباسم الدين أحياناً، وهي -وإن اختلفت في دعوى المصدر المادي أو النفسي أو الديني- تتحد في الغاية والقصد، وهو غشّ البسطاء والجهلاء والمكروبين، واكتساب المال والجاه والمكانة من ورائهم، غير عابئين بما يسببه كذبهم واحتيالهم من الأذى والضرر والغش للناس، وهي كلها أمور لا يليق بالمسلم المؤمن الموحد أن يقع بأي صورة من الصور في ممارساتها أو في حبائلها أو الترويج لها فيفسد بذلك دينه وعقله وماله.
هذا مثال واحد لما ينطوي عليه اختلاف النظر، وتضارب الفكر، وتعارض المناهج، من إشكالات ومخاطر، ومن آثار ضارة على عقلية الأمة، وهو أمرٌ قلما يجلس إليه أصحاب الاختصاصات العلمية المعنية، ويجلون وجوهه، ويسدون ثغراته، ويرسون بشأنه قواعد التعامل الفكري والتربوي الإيجابي السليم، حتى لا تفسد في نهاية المطاف العقائدُ والعقولُ والعزائمُ، ولا تُصرف أو تنصرف عن هدى القرآن الكريم وتعجز بذلك عن حمل مسؤوليات الاستخلاف والإعمار.
خاتمة
كثير من النصوص التي تعد في اعتبار بعض الدارسين صحيحة قد لا تصح -في الحقيقة- لخلل أو آخر في الرواية أو في المتن، لكون الدارس لم يوفق لمعرفة وجه الخلل حتى الآن، بسبب قصور مناهجنا التي يجب تطويرها، خاصة في مجال نقد المتن، وفي مجال دراسة الرجال دراسة مقارنة في ضوء نقد المتن، وبعض النصوص قد يصح، ولكن في ظرفه الخاص، الذي قد لا يعلم المطلع عليه اليوم حال المعنّي به على زمانه، فيخطئ في فهمه –لقصور إعداده أو قلة زاده أو ضعف قدراته أو كوابح ثقافته- فيساعد هذا اللون من القصور في تلويث ثقافةِ الأمة، وعقليتها، ويفتح –بقهر القدسية- باباً للخرافة والشعوذة التي تهدم المسؤولية الاستخلافية الإعمارية، والعقلية العلمية، والطاقة النفسية، لأبناء الأمة.
إن الغاية مما سبق – لما نرى من حال الأمة وحال الدارسين- ليس الجزم في أي أمر من هذه الأمور بالرأي الفصل، ولكن الغاية منه فتح الباب لحوارٍ علميٍّ منهجي رزين بين العلماء والمفكرين المؤهلين بمنهجية وعلم وثقافة متكاملة، نصية، لغوية، فقهية، تاريخية، اجتماعية، كونية، تُحدَّد بها الغاياتُ والأهدافُ، وتُعالج أمورُها على ضوء روح الشريعة ومقاصدها وواقع الأمة وأحوالها وإشكالاتها، وتُحرِّر الثوابتُ، وتُحتوى المتغيراتُ، وتُواجَه التحدياتُ، وبذلك نعمل جادين على تحرير مناهج فكرنا وإصلاحها والانتفاع بما جدَّ من الوسائل والإمكانات، وننقي بها ثقافتنا، ونسد بذلك الطريق على غير مكتملي الأداة وعلى مرضى النفوس وأصحاب الأغراض؛ فيسحب البساط من تحت أرجلهم، وينـزع سلاح قهر القداسة وخطاب الإرهاب من كافة الأيدي، ولا يمكن لأي أحد من الاستمرار في الإضرار بعقل الأمة وثقافتها ووجدانها. عند ذلك فقط يمكن أن تزول غشاوة الانبهار بالمادي الغربي وخدر المتابعة والتقليد، ويوقف أثر الغزو الفكري ويمكن أن تستعيد الأمة عافية رؤيتها، وقيمها وفكرها ووجدانها، وأن تستعيد لكل ذلك قدرتها على جدية الأداء العلمي وإتقانه وقيادة الحضارة والإعمار الإنساني باتجاه الروح والعدل والخير لا باتجاه شريعة الغاب من العنصرية والتظالم وانحطاط قيم الأخلاق، وتلك هي الغاية القصوى لاستخلاف الإنسان في إعمار الأرض.
علينا إذا أردنا أن نـزيل الانبهار عن أعين مثقفي الأمة وجمهورها، وأن نحصنها عن المتابعة الاستهلاكية العمياء للقيم والممارسات الوافدة والغازية لفكرنا وممارساتنا، وذلك أمر لا يختلف بشأنه جمهور المثقفين وان كانوا لا يجدون لعجزهم عنه مندوحة إلا أن نواجه تخلف فكرنا وقصور مناهجنا وغلبة كوابح ثقافتنا المكبلة لقوى الفكر والإعمار والتجدد في نفوسنا، عندئذ فقط يمكن أن تتوحد وجهة مثقفينا وأن تتوحد رؤيتهم ومناهج فكرهم وتنقى ثقافتنا وتغلب العافية والقدرة والفاعلية على نفسياتنا ومؤسساتنا.
من المهم أيضاً أن نذكر أخيراً أن الإشكال الذي نرجو أن يدور حوله الحوار ليس في أصل قبول جناحي المعرفة الإسلامية: وحياً ورؤية كونية ومبادئ وقيماً سامية، أو في أصل الطلب العلمي لأسرار الكون وعلوم الإعمار للحياة والكون، أو في أصل قبول النصوص قرآناً وسنة صحيحة مصدراً للعلم بالإسلام، رسالة وحجة وتأسياً واستئناساً، ولكن الإشكال يكمن في مناهج فهمنا الجزئي القاصر، وما يترتب عليها من الممارسات في حياتنا، والآثار الناجمة عن هذه المناهج القاصرة، قصوراً وغربة في الزمان والمكان.
نرجو في ضوء ما تقدم أن يدور بين جناحي ثقافة الأمة الديني: والسنني الكوني حوار جاد مخلص شجاع، يصحح المسيرة، وينهي غربة الفكر وتشوه الثقافة وقصور المناهج وتخلف الأمة، لتتضح الثوابت وتحرر؛ لأنه ليس كل ما نظنه دون تحرير ثابت، أو على الأقل ليس الصورة التي نظن ثباتها، ولتتكامل المعارف وتصحح المناهج وتتضح الرؤية ويتسع الأفق وتتحدد الجهود وتحقق القدرة وتحمل مسئولية الاستخلاف والإعمار.
أخيراً يجب أن نذكر أن التحدي هو كيف يمكن للديني أن يدرك معارف العصر ومتغيراته وتحدياته، وكيف يمكن في ضوء منظومته الإسلامية أن يعيد صياغة الرؤية الإسلامية، وأن يستعيد تكامل المعرفة وأن يصحح طرق التفكير ومناهج المعرفة الإسلامية، بحيث يحسن فهم النصوص المقدسة بشمولية وحكمة وتفرقة بين الثوابت والمتغيرات الزمانية والمكانية، وبين حياة رسول الإسلام عليه أفضل الصلاة والسلام، وأدائه رسولاً ومبلغاً، وهو دور مستقل عن الزمان والمكان، ودوره بوصفه رئيس دولة وحكومة وباني أمة، وهو دور زماني مكاني؛ من أجل تحقيق أهداف الدين في مقاصده ومبادئه ومفاهيمه العليا في توجيه الإنسان إلى سبل الخير، وتعبيد النفس والمجتمع للحق والعدل، في حمل أمانة استخلاف الإنسان في إعمار الأرض بالسعي الخير، ومقاومة قوى الظلم والشر، في قوة وعزم.
ومن الجانب الآخر فإن التحدي أمام المدني أن يفكر بشمولية، وأن يبتعد عن الفكر الجزئي، وأن يدرك طبيعةَ منظومته الحضارية الإسلامية، وأن يدرك طبائع المنظومات الحضارية الأخرى، وخاصة المنظومة الحضارية الغربية المادية الحيوانية في هذا العصر، وألا يكرر ما سبق أن وقع فيه علماء الأمة من قبل بمنهج جزئي حرفي تقني مكنَّ للانبهار الأعمى بالمنظومة الحضارية اليونانية الوثنية، وأن يستكمل المثقف المعاصر معارفه السننية مستنيراً ومسترشداً بالغايات والمقاصد الدينية الإسلامية التي تحدد طبيعة منظومته الحضارية ومقاصدها وتوجهاتها في حمل مسئولية أمانة الاستخلاف وإعمار الأرض على أسس قانون الروح والنور في الحق والعدل، وليس على أسس شريعة الغاب في تظالم المادية العنصرية المتبدية في سياسات القوة، وفي قوة الهجمات الاستعمارية، وفي التحيزات العرقية القومية، وفي تفشي روح الفساد وانحطاط الأخلاق وتفكك أواصر الأسرة والرحم.
وأخيراً فإننا إذا استحضرنا جوهر قضية هذه الورقة؛ فمن الواضح أن قضية السنة النبوية قضية محورية في إشكالية فكر الأمة، وموقف الفرقاء المثقفين منها، وأن هذه القضية تتعدى الإشكاليات الفنية الأكاديمية إلى قضية تخلف الأمة، وتخلف فكرها، والعداء والتعارض بين فئاتها المثقفة الدينية والمدنية.
إذا أمكن لجناحي فكر الأمة حل الإشكالات المنهجية في تعاملهم مع أزمة المنهج وإشكالات التفكير المسلم على الطرفين؛ لأن الأزمة أزمة الفكر والمنهج، وليست أزمة قداسة النص؛ بحيث يتسم الفكر المسلم في كافة أجنحته بالتوافق حول الثوابت، وانتهاج الشمولية، والتزام بدهيات العقل، وضوابط السنن الكونية، وطلب المصالح في ضوء السقف المعرفي، وفي مواجهة التحديات وأبعادها الزمانية المكانية، عندئذ فقط يكون لنقد المتن مكانة في ضبط قيمة الرواية، وهو أمر يختلف عن قضية قدسية النص ويتعلق بالمعرفة الصحيحة لوجوه عطاء السنة النبوية وقدسيتها المتعلقة بالأدوار المختلفة التي مارسها وكلف بها الرسول  حجة على الناس، وهداية لحركتهم، وحكمة وتأسياً في فهم شريعتهم، وتفعيلها في واقع حياتهم، في انطلاقات أمتهم في التاريخ لحمل أمانة الاستخلاف في التسخير، وبناء الحضارة الإنسانية والإعمار الخير للأرض.
دون وعي جناحي ثقافة الأمة وفكرها ومعارفها واخذ رسالتهم ومهمتهم بالجد والإخلاص ليس أمام الأمة نهضة من كبوة، ولا رسالة للتبليغ ولا حضارة ولا تسخير ولا إعمار للأرض، وسوف تبقى الأمة في سلبيتها وتهميشها الحضاري الإعماري الذي هو سبب وجود الإنسان في الأرض، وهداية هذه الوظيفة هو مهمة رسالة الإسلام، وما أنـزل من الذكر، لتعبيد جهده، وهداية إعماره، لإعلاء سبيل "الحق" وإقامة مجتمع الكرامة و"العدل".
حتى إذا اكتمل مشروع الحضارة الإنسانية في إعمار الأرض، واكتمل أداء الإنسان لمهمته ووظيفته في الأرض وتسخير قواها وإعمارها، أتاها أمر الله إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنـزلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. (يونس: 24)

المصدر : موقع اسلامية المعرفة .
http://www.eiiit.org/article_read.asp?articleID=738&catID=262&adad=297
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة