الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
سؤال حول ( المساجد والتكايا )

السائل : عامر محمد الحيالي القادري
البلد : العراق – الموصل
السؤال :
لماذا يعمد السادة الصوفية الى اتخاذ ما يسموه ( بالتكايا ) مقراً لهم ولإقامة شعائر طرقهم الشريفة وهي غير المساجد المأهولة بالمصلين في حين أن الآية الكريمة تقول  في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيه أسمه ..

الجواب :
الإجابة على هذا السؤال تتلخص في ثلاث محاور :
المحور الأول : التعريف بمصطلح التكية من الناحيتين اللغوية والتاريخية
المحور الثاني : التعريف بالأصل الشرعي للتكية
المحور الثالث : لمحة عن دور التكية في الإصلاح الديني والاجتماعي
اما الأصل اللغوي لمصطلح التكية يرجع إلى اللغة الكردية ، وهي مؤلفة من مقطعين مركبين وهما: (تاك كاه) ، والمقطع الأول وهو (تاك) يعني باللغة الكردية (الواحد أو الفرد) والمقطع الثاني (كاه) يعني (المكان أو المحل) وعليه يكون المعنى عند جمع هذين المقطعين (مكان التوحيد) ، والتوحيد هو ذكر لا اله الا الله محمد رسول < . أي ان معنى التكية الاصطلاحي استنادا إلى اللغة الكردية هو المكان او المحل الذي يلتقي فيه اهل الطريقة لذكر الله تعالى . ان هذا الأصل اللغوي والإصلاحي الثابت عند أهل الطريقة لينفي بشكل قاطع مزاعم الذين ذهبوا إلى أن هذه المصطلح مأخوذ من الفعل (اتكأ - يتكئ - اتكاءً) وقالوا: محل الموضع منه (تكية) فهذا الزعم غلط لغوي كبير ، حيث إن المحل أو الموضع من الفعل (اتكأ) هو (المتكأ) وهو موضع (الاتكاء) قال تعالى : واعتدت لهنّ متكأً (1) ، أي انه لا علاقة  (للمتكأ) من حيث الاشتقاق اللغوي لمصطلح  (التكية) . إن محاولة ربط كلمة (التكية) بالاشتقاق من (المتكأ) لهو تجاهل وتدليس له جذور عميقة من المتحاملين على التصوف وأهله بغية نعت الصوفية بما لا يليق ، فعند حملهم معنى  (التكية) على (الاتكاء) فإنهم يرومون بهذا التكييف اللغوي أن يقولوا : أن المتصوفين هم أهل الكسل والسبات والتواكل لأن المتكأ مكان الراحة الجسدية . والحقيقة خلاف هذا القول تماماً ، إذ أن التكية مكان المشقة الجسدية ، مكان مخالفة كل ما تتوق إليه النفس البشرية ، مكان المجاهدات والرياضات والعبادات المتواصلة آناء الليل وأطراف النهار، مكان مراقبة النفس في كل المواطن لا مكان الغفلة والسبات وتضييع الأوقات كما يزعمون . ان هذا المصطلح تم اشتقاقه من اللغة الكردية قبل قرنين من الزمان تقريبا وذلك بعد سقوط الدولة العثمانية ، حيث وَلمَع التصوف الإسلامي وترعرع في مناطق كردستان العراق وإيران لأسباب جغرافية ، فالطبيعة الجبلية لمناطق الكرد لعبت دوراً رئيسياً ومهماً في مساعدة السادة الصوفية على الانقطاع إلى الحق تعالى وذلك من خلال خلواتهم الخاصة ، كما لعبت دورها مع حضرة الرسول الأعظم صلى الله تعالى عليه و سلم قبل بعثته . ولأجل هذا كان من الطبيعي أن تتأثر بعض المصطلحات الصوفية بواقع حال الكرد ، إذ كما ان التصوف أثر على نفوس الكرد وصقل أرواحهم ، فهم في مقابل هذا أثروا عليه بإدخال بعض المصطلحات الكردية في الأدب الصوفي ، وكان من أبرز المصطلحات التي أضيفت كلمة (التكية). واما المعنى الحقيقي للتكية عند أهل الطريقة فهو يطابق عندهم تماما معنى الصفة في المسجد النبوي الشريف على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم ، فالتكية عند أهل الطريقة - من حيث المعنى - هي امتداد حي لصفة المسجد النبوي الشريف ، والصفَّة على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم كانت عبارة عن « بيت صيفي مسقوف بقضبان النخل وغيرها »(2) وأهل الصفَّة وقتها كانوا « جماعة من فقراء المهاجرين يقيمون في هذا المكان المظلل في مسجد المدينة المنورة ، ويرعاهم رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم»(3) ، وقد حدد الإمام جعفر الصادق عليه السلام  صفاتهم بقوله : « أهل الصفة : هم الذين لم يؤثروا الدنيا على الآخرة ، بل بذلوها ولم يعرجوا عليها ، واعتمدوا في ذلك على ربهم وطلبوا رضاه وموافقة الرسول  »(4) . ويرى القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: للفقراء المهاجرين (5) ان اهل الصفة هم « فقراء المهاجرين ... وهم أهل الصفة وكانوا نحوا من أربعمائة رجل وذلك أنهم كانوا يقدمون فقراء على رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم وما لهم أهل ولا مال فبنيت لهم صفة في مسجد رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم فقيل لهم : أهل الصفة ، قال أبو ذر : كنت من أهل الصفة »(6) وهذا يعني ان هناك بيتا او مكانا في المسجد النبوي الشريف إضافة إلى مكان الصلاة يقيم فيه أهل الصفة فيأكلون وينامون ويتذاكرون ويتعبدون الله تعالى في غير أوقات الصلاة . وقد فصّل الحاكم النيسابوري في مستدركه على الصحيحين شيئا من أحوالهم وأمورهم وكونهم المرجع الأول للتصوف والتكايا في الإسلام فقال : « تأملت هذه الأخبار الواردة في أهل الصفة فوجدتهم من أكابر الصحابة (رضي الله عنهم) ورعاً وتوكلاً على الله عز وجل وملازمة لخدمة الله ورسوله  صلى الله تعالى عليه و سلم اختار الله تعالى لهم ما اختاره صلى الله تعالى عليه و سلممن المسكنة والفقر والتضرع لعبادة الله عز وجل وترك الدنيا لأهلها وهم الطائفة المنتمية إليهم الصوفية قرنا بعد قرن فمن جرى على سنتهم وصبرهم على ترك الدنيا والأنس بالفقر وترك التعرض للسؤال فهم في كل عصر بأهل الصفة مقتدون وعلى خالقهم متوكلون »(7). التكية في الطريقة الكسنـزانية توفر للمريدين ما كان يوفره بيت الصفَّة في المسجد النبوي الشريف للرعيل الأول من الصحابة الكرام ، إذ يقصدها الزهاد والعباد واغلبهم من الفقراء او الطبقة المتوسطة ، ولتسهيل أدائهم للعبادة ، تم استخدام هذا المكان والراحة والنوم ايضا ، فضلا عن حلقات الدرس وطلب العلم ، كما كان معمول به في صفة المسجد التابعة للمسجد النبوي الشريف ، ومعنى هذا انه لا اختلاف بين التكية وبيت الصفة الا في اللفظ او التسمية ، كما قد اصطلح عليها تسميات أخرى مثل الرباط والزاوية والخانقاه وغيرها حسب الظرف والزمان والمكان ، ولا مشاحة في الاصطلاح . واما دور التكايا في الحياة الاجتماعية ، فلو تصفحنا التأريخ الإسلامي في العهدين النبوي والراشدي ونظرنا إلى الفتوحات الإسلامية في مجالاتها الإنسانية والعلمية والمعمارية وغيرها ، واستعرضنا أسماء الرجال الذين أسهموا بذلك كله لوجدنا ان أسماء اهل الصفة تتكرر هنا او هناك في مختلف الميادين وعلى كافة الأصعدة ، وهذا ان دل على شيء فإنما يدل على هذا البيت ( الصفة او التكية )  لم يُعد لغرض العزلة واجتناب الحياة الاجتماعية ، انما هو اشبه ما يكون بمحطة ينـزل فيها السالك إلى الله تعالى لفترة وقتية يتزود خلالها من الإيمان والتقوى والعلم والقوة ما يجعله عضوا صالحا في المجتمع كما يصفه الشيخ محمد الكسنـزان  . ان الدور الذي لعبته صفة المسجد النبوي الشريف هو نفسه الذي لعبته كل التكايا والزوايا والربط الصوفية على مر التاريخ من تخريج العلماء والمجاهدين وأهل التقوى .. الخ ، والشواهد على ذلك اظهر من ان تذكر ، منها جيوش القادرية التي حركها حضرة الشيخ عبد القادر الكيلاني  تحت أمرة صلاح الدين الأيوبي وما حققته من انتصارات وتحرير لبلاد المسلمين ، ودور المرابطين في فتح المغرب العربي لبلاد الأندلس ، ونشر الصوفية للإسلام في القارة الأفريقية والهند وغير ذلك من الإنجازات الكبيرة المشهورة . فلو لم تكن التكايا منفتحة على الحياة الاجتماعية ، لما كان لها الباع الطويل في شتى الميادين ، واذا انتقلت إلى عصرنا هذا ونظرت في التكايا الكسنـزانية فسوف تجد الأطباء والمهندسين والأساتذة والموظفين وأصحاب الحرف ، ولوجدتهم جميعا منفتحين في إيمانهم وأعمالهم على الآخرين . ومعنى هذا ان التكية ليست مكان للعزلة والانزواء ، بل هي مكان للتزود بالقوة الروحية عن طريق التوحيد بالإكثار من ذكر الله تعالى الذي يقوي القلوب :الا بذكر الله تطمئن القلوب(8) لكي يتعاملوا مع المجتمع بطريقة خلاقة تتجسد فيها كل معاني الإنسانية السامية . ومع ما تبين من عدم وجود الفرق بين ( صفة المسجد ) وبين ( التكية ) من حيث المعنى ، الا ان الشيخ محمد الكسنـزان  يرى : يفضل تسمية التكية بـ ( بيت الذكر ) عملا بقوله تعالى :  فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ . رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (9) ، وذلك جائز لما روي عن ابن عباس ، في قوله: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ  يعني: كل مسجد يصلي فيه، جامع أو غيره(10). ولما روي عَنْ عِكْرِمَةَ: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ قَالَ:  هِيَ الْمَسَاكِنُ الْمَسْكَنُ يَعْمُرُونَهُ وَيَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهَا, وَلَيْسَتْ بِالْمَسَاجِدِ الَّتِي سَمَّاهَا اللَّهُ بِأَسْمَائِهَا »(11). ولما أخرجه ابن مردويه عن أنس بن مالك وبريدة قال : « قرأ رسول الله هذه الآية  فِى بُيُوتٍ  الخ فقام إليه عليه الصلاة والسلام رجل فقال : أي بيوت هذه يا رسول الله؟ . فقال صلى الله تعالى عليه و سلم بيوت الأنبياء عليهم السلام
فقام إليه أبو بكر فقال : يا رسول الله هذا البيت منها بيت علي وفاطمة رضي الله تعالى عنهما ؟ قال : نعم من أفاضلها (12) . والتكايا ومع انها مكان للتوحيد وذكر الله تعالى في كل ساعة من ساعات الليل والنهار الا انها لا تغني عن المسجد او الجامع بحال من الأحوال ، ولهذا تجد التكية او بيت الذكر الكسنـزاني ملحق بالجامع او المسجد الذي تقام فيه فروض الجمعة والجماعة وحلقات العلم والوعظ ، فلا غنى للصوفي عن المسجد وبيت الذكر ( التكية ) .
الهوامش:
[1] - يوسف : 31 .
[2] - المعجم العربي الأساسي – 739 .
[3] - المعجم العربي الأساسي – 739 .
[4] - حقائق التفسير – ابو عبد الرحمن السلمي - تفسير للقرآن الكريم على الطريقة الصوفية – رسالة ماجستير – دراسة وتحقيق واعداد ، سلمان نصيف جاسم التكريتي – اشراف الاستاذ الدكتور محمد علي ابو ريان – جامعة القاهرة – كلية العلوم – 1975 – ص 1401 .
[5] - الحشر : 8
[6] - تفسير القرطبي – تحقيق احمد عبد العليم البردوني – دار الشعب – القاهرة – ط2 – 1372 – ج3 ص 340 .
[7] - المستدرك على الصحيحين - محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري – تحقيق مصطفى عبد القادر عطا – دار الكتب العلمية – بيروت – الطبعة الأولى – 1990 – ج3 ص 18 .
[8] - الرعد : 28 .
[9] - النور : 36- 37 .
[10] - جامع البيان في تأويل القرآن – محمد بن جرير الطبري – تحقيق أحمد محمد شاكر – مؤسسة الرسالة – ط1 – 2000م – ج19 ص 188 .
[11] - تفسير ابن حاتم - طبعة المكتبة العصرية ـ بيروت - طبعة الثانية - 1999م – ج10 ص 152 .
[12] - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني - شهاب الدين محمود ابن عبدالله الحسيني الألوسي – تحقيق علي عبد الباري عطية – دار الكتب العلمية – بيروت – ط1 – 2001 م – ج13 ص 449 .
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: على ابراهيم      البلد: السودان       التاريخ: 16-04-2006
بسم الله الرحمن الرحيم
نشكر لكم على هذه التفسير الشيقة
والنيره والواضحه فى توصيل المعلومه
لمن فى نفوسهم شئ من الشك فى فهم التصوف والصوفية.
واسأل الله أن يزيدكم من العلم والفقه
لهذه الامه
اخوكم فى الله على
وشكراًًًًًً


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة