الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
العمل الصالح... الترجمة العملية للعلاقات في ضوء التربية الإسلامية
الزهد ليس انقطاعاً عن العمل

 ورد لفظ "العمل" في القرآن الكريم في (359) موضعاً، أما في الحديث الشريف فيصعب حصر عدد المواضع التي ورد لفظ العمل فيها، وفي جميع المواضيع المشار إليها يلحق بالعمل إحدى صفتين اثنتين: إما صفة الصلاح أو صفة السوء فيوصف العمل بأنه "عمل صالح" أو "عمل سوء".
و"العمل الصالح" هو الترجمة العملية والتطبيق الكامل للعلاقات التي حددتها فلسفة التربية الإسلامية بين المسلم من ناحية، وبين كل من الخالق والكون والإنسان والحياة والآخرة من ناحية أخرى (1).

يقدم القرآن الكريم نماذج للعمل نذكر منها
العمل العلمي والثقافي:  يرفع  الله  الذين  آمنوا  منكم  والذين  أوتوا ا لعلم  درجات والله  بما  تعملون  خبير (11المجادلة).
العمل العقائدي: وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على" قوم يعكفون على" أصنام لهم قالوا يا موسى جعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون .
 إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون  (139الأعراف).
العمل السياسي الشامل: فقد تحدثت الآيات الأخيرة من سورة الأنفال عن سياسات الأمة المسلمة الداخلية وعلاقاتها الخارجية ووصفتها بأنها عمل يبصر الله ظاهره وباطنه: إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى" يهاجروا وإن ستنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على" قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير (72 الأنفال).
العمل الزراعي: ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون  (35يس).
العمل المهني: أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا ( 79الكهف).
العمل الصناعي: أن عمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير  (11سبأ).
العمل الوظيفي: إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها (التوبة:60).
العمل الفكري والتربوي: ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا (فصلت:33).
العمل الاقتصادي عامة : يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون  (277-276 البقرة).
العمل القضائي: ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم  (283البقرة).

العمل الاجتماعي
فقد تحدثت الآيات (230 - 236) من سورة البقرة مثلاً عن علاقات الرجل والمرأة وتنظيم الأسرة ومسؤولياتها، ثم ختمت الحديث بأمثال قوله تعالى: أن  الله  بما  تعملون بصير  ،  والله بما تعملون خبير  (233-234البقرة).
العمل العسكري: يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى" إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم  من  قبل  فمن  الله  عليكم  فتبينوا  إن  الله  كان  بما  تعملون  خبيرا  (94النساء).

ويمكن تصنيف جميع أشكال العمل المشار إليها في ثلاثة مظاهر هي
عمل ديني، عمل اجتماعي، عمل كوني. وتعريف العمل بهذا الشكل يقودنا إلى مبادئ خمسة تتصل بالعمل نفسه وهي:
المبدأ الأول: تكامل مظاهر العمل وعدم فاعلية أي منها دون الآخر لأن العمل الديني يتضمن أهداف الحياة ومقاصدها، بينما يتضمن العمل الاجتماعي والعمل الكوني الوسائل المناسبة لتحقيق هذه الأهداف والمقاصد. ولذلك إذا وجدت الوسائل ولم توجد الأهداف فإنه لا فائدة من الوسائل، وكذلك إذا وجد العمل الديني ولم يوجد العمل الاجتماعي والعمل الكوني فإن العمل عقيم لأن الأهداف التي لا وسائل لها يستحيل تحقيقها والوصول إليها.
لذلك كله لا يتصور وجود مسلم أو إنسان صالح بدون عمل. فصورة المؤمن المتنسك العاجز صورة غير إسلامية وهي بعض رواسب تراث الكهانة التي سبقت الإسلام، ولذلك أيضاً لم يكن الزهد والورع والتقوى انقطاعاً عن العمل، وإنما هي بعض مواصفات "العمل الصالح" تكسبه طابعه وتميزه عن "العمل السوء"، والحديث النبوي يقرر أن الزهد ليس بتحريم الحلال وإضاعة المال، وإنما الزهد أن يكون الإنسان أوثق بما في يد الله منه مما في يده، فيهون عليه البذل ولا يتردد في التضحية.
المبدأ الثاني: أن العمل الصالح لا يقتصر على جلب الخير النافع وإنما يتعداه إلى محاربة الشر الضار.. فالعمل الصالح إذن من حيث أثره ينقسم إلى قسمين:
1 عمل هدفه جلب النافع للإنسان والمرضي لله.
2 عمل هدفه دفع الضار بالإنسان والمغضب لله.
والإنسان الذي يمارس القسمين من العمل يطلق عليه اسم (الصالح المصلح) والذي يقتصر على القسم الأول يطلق عليه اسم (الصالح) فقط، والقيام بأحد القسمين لا يغني عن الآخر لأن القسم الأول يفيد في النماء والتقدم، بينما يفيد القسم الثاني في منع أسباب الفساد والتخلف والانحطاط.
والإنسان الصالح المصلح هو النموذج الذي تسعى التربية الإسلامية إلى إخراجه، ولذلك جاء في القرآن أن الخراب لا يلحق بالأمم التي تتكون من أفراد وجماعات صالحين مصلحين: وما كان ربك ليهلك القرى" بظلم وأهلها مصلحون  (117هود)، ولكن الخراب ينزل بالأمم التي تضم أفراداً وجماعات صالحين غير مصلحين: وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون ( 168الأعراف).
ويقدم الحديث النبوي تفصيلات واسعة ودقيقة عن الماضين من الأمم الذين اكتفوا بالصلاح وآكلوا غير الصالحين ورضوا بأفعالهم فكان ذلك سبباً في شمول الجميع بالعذاب.
المبدأ الثالث: إن العمل الصالح من حيث صفته ينقسم إلى قسمين: عمل أخلاقي وعمل ناجح.. واجتماع الصفتين أمر ضروري في التربية الإسلامية لأن العمل إذا كان أخلاقياً ولكن غير ناجح لا يجلب منفعة ولا يدفع ضرراً وإذا كان ناجحاً ولكن غير أخلاقي فإنه لا يجلب سعادة ولا أمناً.. فإذا اجتمعت الصفتان فيه كان نافعاً غير ضار جالباً للسعادة والاستقرار.
لذلك لا يتصور أن يكون هناك (عمل صالح) غير ناجح، والذين يؤولون حديث "إنما الأعمال بالنيات" تأويلاً يفصل بين العمل ونتيجته هم أناس يتأولون الحديث على غير معناه. والذين يبررون الأخطاء والارتجال والقصور بأمثال القول: "ليس ضرورياً النجاح وتحقيق الأهداف وإنما المهم هو العمل هم أناس لا يرسخون في مفهوم العمل ولا يحيطون بقوانينه.
المبدأ الرابع: مبدأ النفعية أي أن العمل مقصود به منفعة العامل.. فالتربية الإسلامية لا تتنكر لمبدأ النفعية أبداً بل تشدد عليه، وتتكرر الإشارة إلى مصطلح "النفعية" ومشتقاته في القرآن الكريم إيجاباً وسلباً في خمسين موضوعاً من ذلك قوله تعالى:
والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس (البقرة:164). ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم (البقرة:102). وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض (الرعد:17). أما في الحديث النبوي فيتكرر مصطلح "النفع" ومشتقاته في مئات المواضع من ذلك قوله : اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع(2) .
والذين فصلوا بين العمل والمنفعة هم إما أناس مغالون في المثاليات التي يصعب على الإنسان أن يعيشها، أو أناس متأثرون بمفاهيم تعذيب النفس وإيرادها المشقات التي احتوت عليها الأديان والفلسفات السابقة للإسلام، أو أناس قصدوا أن يجردوا العملَّ الإسلامي من الدوافع التي تدفع إليه وترغب فيه، أو مترفون قصدوا تخدير الكادحين وجعلهم يسكتون على الاستغلال والاحتكار.
ولكن النفعية التي توجه إليها التربية الإسلامية نفعية أكثر اتصالاً بطبيعة الإنسان وفطرته، وهي أشمل تلبية لحاجاته المادية والنفسية والاجتماعية، وهي مرافقة له خلال الأطوار التي يمر بها خلال رحلته الأبدية عبر محطات النشأة والحياة والمصير، وبالتالي فالنفعية التي توجه إليها التربية الإسلامية لا تقتصر على فرد أو جماعة ثم تلحق الضرر بفرد آخر أو جماعة أخرى، ولا تقتصر على مرحلة الحياة أو بعض محطاتها وإنما تشمل مرحلتي الحياة والمصير. ويقدم القرآن الكريم أمثلة عديدة لمنافع (العمل الصالح) فيذكر منها: الأمن والتمكين في الأرض والحياة الطيبة ووفرة الخير والبركة والدرجات العالية والجزاء الحسن والتمتع بنعم الله والصحة النفسية والجسدية والاطمئنان الاجتماعي واليقين ودخول الجنة وغير ذلك، وفي المقابل يقدم القرآن أمثلة عديدة لمضار (العمل السوء) فيذكر منها: المعيشة الضنك، والإجلاء من الأرض وتمزيق المجتمعات والأمم وسقوط المنزلة والانهيار الاقتصادي والدمار الاجتماعي والسقوط الحضاري والاضطراب النفسي والفكري والشقاق والفرقة والأمراض النفسية والجسدية ودخول جهنم، وغير ذلك، والأمثلة لكل من منافع العمل الصالح ومضار العمل السوء أكثر من أن تحصى منها قوله تعالى: من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون( 97 النحل).
أم حسب الذينجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون  (21الجاثية).
المبدأ الخامس: ضرورة الإعداد والتربية والتدريب على العمل الصالح وتوفير بيئاته ومؤسساته وأساليبه ووسائله وخبراته؛ إذ لا يتصور أن يترك بروز العمل الصالح لجهود الأفراد وحدهم أو للمحاولات التلقائية والخبرات السطحية الساذجة أو للمؤسسات التقليدية ، ولذلك ورد العمل الصالح في القرآن مقروناً بالإيمان والعلم والحكمة والجهد المتواصل والتعاون الجماعي على البر والتقوى، وعدم التعاون على الإثم والعدوان، بينما اقترن العمل السوء بالجهل والكسل وما يفرزانه من كفر ونفاق وترف.

الهوامش
(1) للوقوف على تفاصيل كل علاقة من العلاقات الخمس المذكورة، راجع كتاب "فلسفة التربية الإسلامية" الطبعة الثانية.
(2) صحيح مسلم ( شرح النووي)، ج 17 كتاب الذكر، ص 41.

المصدر : جماعة الاخوان المسلمين في سوريا .
http://www.jimsyr.com/07da3wa_tarbia/3amal.htm
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: ياسر أحمد خلفان شنين الغيثي      البلد: محافظة البريمي       التاريخ: 13-05-2008
وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة