الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
المعقولية... ووجهان للعقل   

العقل "جوهر" مجرد عن المادة، لكن ملاصق لها.. وامتداد ضوئي من داخل الفيزياء إلى الميتافيزيقا.. وهو من أهم الكليات (المدارس) للروح، واضوأ نورٍ لماهية الإنسان، فارقٍ بين الحق والباطل.. وهو "أنا" الذي يعبر عنه القدماء "بالنفس الناطقة".. ومن مقترب المتصوفة: اسم من أسماء جبريل عليه السلام مثلما "النور الأعظم" و "العرش المحمّد"... وفي مصطلح بعض الصوفية: "العقل الجزئي" أو "العقل المجازي"، أو بالأوجه المتعلقة بالأخريات أو الأعماق الميتافيزيقية: جوهر إنساني يسمونه "العقل المَعادي".
إن العقل بمعنى من معانيه هو مركز حارس للروح باعتباره موجهاً للإنسان إلى التفكير والإدراك والفهم والحجز عن القبائح والحث على المحاسن. والفلسفة تتوقف طويلاً عند "العقل"، وعلم الكلام يربط به كثيراً من مسائل "أصول الدين"، وبعض المتصوفة يرونه على صورتي "العقل السماوي" و "العقل الترابي" حسب الخير والشر والمفيد والضار. ونكتفي هنا بهذه الإشارات، لأنها موضوعات تبعية تضيق بها مقالتنا هذه. كذلك نطوي هنا صفحةَ اعتبار العقل سبباً من أسباب العلم، مع أهميته الخاصة. وكذا العقل باعتباره أصلاً للتكليف وعنصراً أساساً للتفكر، والجوهر الأول للمحاكمة، ومميزاً للإنسان عن الحيوان وناقلاً إياه إلى أبواب الصيرورة الإنسانية، وخير هبة من الخالق للإنسان، كلها موضوعات تبعية بالنسبة إلى هذه المقالة القصيرة، قد نعرج أليها هنا بإشارات سريعة للتذكير ببعض أوجهها.
ما نريد أن نستعرضه هنا بإيجاز هو العقل المنشيء (العقل المكوِّن) بالتساند مع الوحي والإلهام والوجدان، وأيضا ضده: العقل الضيّق غير الملتفت إلى الملاحظات الميتافيزيقية، المنسلخ من العلائق السماوية، المحدِّد قدرة مرونته، وذلك حسب "متلقيات" رسالة النور، وفي إطار وظائف العقل. ولا نخوض أثناء البحث، حتى إن وجدت مناسبات من بعض الأوجه، في فرضيات "العقل النظري" و "العقل العملي" من مقترب "كانت" أو في ملاحظات "لالند" عن "العقل المنُشِيء" و "العقل المنشَأ". ونكتفي بهذا التذكير السريع، لأنها مواضيع تستوعب كتباً، ولكن ليس لها آثار ملموسة في الواقع العملي.
العقل باعتبار أعماقه الكامنة، في رأي بديع الزمان النورسي والمفكرين المسلمين، عين تقرأ كتاب الكائنات، وإذنٌ داخليةٌ منفتحةٌ على اهتزازات واسعة ومتنوعة، إذ تربط تقويمات الأصوات والأنغام التي تسمعها بمعانٍ مختلفة جديدة، وإدراك محيطٍ متطلعٍ بتفحصٍ يتجاوز الأشياء والحوادث، وبصر باطني منفسح في كشف عوالم الوجود وما بعد الوجود. والإنسان يقوّم بالعقل ما يراه بالعين ويسمعه بالإذن، فيربطه بحكم، ويسيح بدلالته خلف أستار الوجود، بل يرتقي به إلى مقام مخاطبة الله (جل وعلى)، ويتأهل لحمل مسؤوليات معلومةٍ، جبرية واختيارية، ويتحرى الكائنات والحوادث طراً، ويشخصها، ويشدها على أساس، ويسير إلى الله تعالى. يلاقي العقل في الخير والحسن، منطقَنا ومحاكمَتنا بثراء الوحي والإلهام، ويصير مرجعاً للنداءات الواردة من الأبعاد (الأخرويات). أما في الشر والقبح، فيورد التفسير المنطقي للحدود الإلهية، ويكبح جماح الرغبات المنفلتة للنفس، ويضع خططاً بعيدة المدى ضد هجماتها. وفوق هذا، يمنحنا خططاً آنية وقريبة المدى لخرق شباك الشيطان المختلفة... ويضرب قيوداً وسلاسل على أهوائنا ورغباتنا الجسمانية مصنوعة من جمد ذوب الأفكار المنصهرة في مذاوب المحاسبة والمراقبة. وهو يكبس على النفسانية، ما دام محافظاً على سماويته، ويمنعها من دناءتها المتولدة من خصوصياتها، فكأنه شُرطي حارس أو موظف رقيب يحفظ القيم الإنسانية. وبدهي أن خصال "العقل السماوي" أو "عقل المعاد" هذه، ليس من صفات "العقل الترابي" أو "عقل المعاش" وان الحال مناسب هنا لمباحث مقام العقل وقيمته ومكانه في المسؤولية وحجّيته في القرآن والإسلام. لكننا نريد أن ننحصر فيما هو معقول وغير معقول حسب القرآن الكريم، ومن منظور بديع الزمان النورسي وحده. يُقر في النظام الفكري الإسلامي – من مقترب قرآني – بالعاقل وغير العاقل، والطبيعة والخلقة، والقوة الخلاقة السببية وفوق السببية، والتواجد بنفس الأمر والوجود بإرادة محيطة، أو بتعبير عام آخر: أفق التوحيد وانحراف الشرك. فمنذ وجود الإنسان استمرت مأساوية "مفيستو – فاوست"(1). (الملحوظة الزمنية المربوطة بوجود الإنسان هي من وجهة تواجد خصوصي لمفسّرٍ خارجي. فالأصل من وجهة التفسير المجرد للكائنات والحوادث، شمولية الحال بعينه على ما قبل خلق الإنسان أيضا) وسيدوم أبدا مصارعة الأحياء والأشرار، والمفاصلة بين الشياطين والأرواح الشيطانية، وبين الأرواح المتفسحة للحق والحقيقة. فما فتيء ممثلو "غير المعقول" في كل عصر ومكان، المتعلقون بفكر التكون الطبيعي والسبب المادي والطبيعة في وجود الكائنات والحوادث، يشكلون صفاً، ويتجمعون حيناً حول آلهة الطبيعة المصطنعة، وحيناً آخر حول القدرة الموهومة للأسباب، فلا يتوانون عن محاربة ممثلي "المعقول": الأنبياء والأصفياء والمؤمنين. وقد يبدل هذا الصف استراتيجياته حسب الزمان والمكان، ولكن عزيمة الحرب ومستند الكفاح عندهم واحدة لا تتبدل: فإما يحيلون الخلق والعناية والإماتة والأحياء وأمثال ذلك من ضرورات حقيقة الألوهية إلى ما لا يتجاوز وجودُه الوهمَ كالأسباب والصدف والطبيعة، وأما يحاولون ربط الأفعال الإلهية بهذه المسائل. ولا شك في إلحاد الصنف الأول. أما الصنف الثاني فقد وقعوا في الشرك، لإشراكهم الأشياء التي خلقها الله تعالى، في أفعاله الإلهية. فان التوحيد يقضي بالشرك واللامعقول على أدنى محاصصة أو مماثلة – في أي صورة من الصور – للقدير المطلق، الخالق، المنشيء، المحيي، المميت، الرازق، القيوم، السميع، البصير، المحيط. فمن هذا المنظور، التوحيد (وهو من القواعد الأساسية في القرآن الكريم) موافق للعقل، فهو "معقول"، وربط الوجود بالأسباب والطبيعة وأشياء أخرى مناقض للعقل، فهو "غير معقول". وننوه هنا إلى وجود حال وكأنه يوضح ما هو "عقلي" بما هو "غير معقول".. أو إظهار الشيء بنقيضه. إذن، تحكم الضرورة في حال التخلي عن ربط الأشياء بالتوحيد الحقيقي، بالحاجة إلى مؤثرين كثيرين يمتلكون قوة الآلهة في الخلق والإنشاء والإماتة والإحياء والإبصار والعناية. فتصور كهذا، يقود إلى تقبل محالات متسلسلة كثيرة لا تعد ولا تحصى... وهو تناقض صريح مع العقل. يتحول مفهوم "المعقول" "وغير المعقول" (الذي يلجأ إليه الكلاميون بعناوين متعددة) عند بديع الزمان إلى صوت ونفس قرآني خاص. فسيتعرف المستطلع إلى "المعقول" و "غير المعقول" في القرآن، على المعاني التي يُجَمّعها ويركمها على هذين المفهومين. القرآن الكريم يدعونا أبدا إلى المحاكمة، ويفتح أمام المنطق آفاقاً جديدة، في آيات كثيرة مثل: أم اتخذوا آلهة من الأرض هم يُنشرون. لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، فسبحان الله رب العرش عما يصفون (الأنبياء/22،21). إن القرآن، إذ يحيل المسائل كلها، ما عدا فيوضات أوامره التعبدية، إلى العقل والمنطق والمحاكمة، لا يترك في توجيهاته ونداءاته فراغاً عقليا أو قلبياً أو روحياً البتة. بل صار أبداً صوتا ونَفَساً للفكر السليم والمحاكمة الأصولية والمنطق المنظم ضد الأحكام والمزاعم المختلفة التي يبنيها خصومه الكثيرون على "غير المعقول"... فأفحمهم، هم ومغالطاتهم وديماغوجياتهم وجدليتهم، وحسم الأمر بظهوره عليهم. وهو ما نراه في الوقت عينه، ظهورا لأنبياء الحق تعإلى وللعقل السليم عليهم. وان التقدم والتراجع في التكرر الدائم للتاريخ هو تناوب بين مراحل الفتور إزاء الوحي وإهمال "العقلي"، ومراحل ضمور التنور السماوي والنشاط العقلي. فمتى ما استضاءت القلوب وتنورت العقول بالأنوار التي ينشرها الأنبياء، وانكمشت الجسمانية والمادة في زاويتها، واستقرت الفيزيائية والميتافيزيقية في مكانهما، وتقدم "العقل السماوي" (بتعبير مولانا جلال الدين الرومي) و "عقل المعاد" (بتعبير الإمام الغزالي) على "عقل المعاش" "والعقل الترابي"، فقد تحقق – حينذٍ – تمازجٌ جديدٌ للقلب والعقل، وميلادٌ جديد. هذا الميلاد، هو ميلاد ربط الوجود بمالكه الحقيقي في وعي (وإدراك) العصر مرة أخرى، بتفسير الوجود من جديد، وميلاد خلاص الإنسان من التناقضات الداخلية... ومتى ما عميت الأبصار عن أنوار السموات، وأُهمل العقل، وأُبعد التفكير، ونسي "المعقول" كُلاً (بمعناه الخاص)، فقد ارتفعت رايات "غير المعقول" في كل المجالات، وانكب حشود البشر على وجوههم في التناقضات، فجعلوا زرادشت او عُزيراً (عليه السلام) أو المسيح (عليه السلام) ولداً لله (حاشاه) ووقعوا في انحرافات وضلالات مثل "ثالث ثلاثة"!.. وحينذٍ انقلبت الموازنات والنظم المتعلقة بالوحي والعقل عاليها سافلها!. وقد يتجسد "غير المعقول" في "ود" و "يغوث" و" يعوق" و"نسر"، أو في "النور والظلمة" كما عند المجوس، أو في روحٍ كليةٍ، أو في اصنام "لات" و"مناة" و"عزى" و"نائلة"و"اساف"، أو في حوادث مخيفة ومفزعة في كتاب الطبيعة مثل النار والنهر والبرق والريح. وفي كل حال، الأرواح المتفسحة للاعوجاج والانحراف، تنجرف أحيانا إلى هاوية الانحراف ابتداءً من نقطة حسن النية، كما في تأليه "ود" و"يغوث" و"يعوق" و"نسر"، أو تندفع في طريق خاطئ، فتبعد عن الصواب، لالتفاتهم عن ما هو معقول وسماوي. وقد يغفلون عن القضية لضيق زاوية الانحراف في المركز... وحين الانتباه في نقطة على المحيط بعيداً عن المركز، تتعسر العودة إلى نقطة البدء لتوسع الزاوية. ثم يبدأ التلطخ بتفسير أجلّ الحقائق، تعليقاً بالأوهام والخيال. إن هذه "اللامعقولية" هي مخالفة صريحة للعقل وللوحي وانحراف واضح، سواء بإحالة صريحة لكل قضاءٍ (فعل) الهي إلى صنم من الأصنام المتنوعة، أو بربط خفي للمشركين في مقترب "الوسطاء" الشفعاء المقربين زلفى، ربما بدوافع اختلاقهم للتبريرات أو الديماغوجية. الواحد هو المعقول أبداً. فكلما حصل انحراف عنه، حصل السقوط في الكثرة غير المعقولة بلا انتباه ولا وعي.. فتوهموا في إقامة "الكثير الحقيقي" مقام "الواحد الحقيقي" في صور شتى: كإقامة الشمس والقمر والنجوم للولادة والموت والسعادة والشقاء "والمتلقيات" في البلاء والمصائب التي تشبه "متلقياتنا" للقدر، عند الصابئين، وإقامة الروح الكلية عند الانيميين، والنور والظلمة عند المجوس، والأصنام باسمائها وصفاتها المختلفة عند عباد الصنم. حتى إذا أراد الوحي أن يردهم عن هذا الانحراف، "قالوا أنا وجدنا آباءنا على أمة وأنا على آثارهم لمقتدون"... ولم يفكروا بتعديل مسارهم إلى الطريق السماوي أو العقلي. فأولئك لا يبالون بالعقلية في الأمور والأشياء طراً. مآربهم محصورة في هواهم ورغباتهم والاقتداء بآثار آبائهم متى ما نفعهم ذلك. القرآن الكريم يستصرخ العقل في أولئك المقلدين العمي، وكل اللاهثين وراء الهيكلية الصورية الجوفاء من قبلهم ومن بعدهم: وإذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون. ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً صم بكم عمي فهم لا يعقلون (البقرة/ 170-171) ولنا أن نستطلع هذا في الأسلوب العام للقرآن الكريم. فالقرآن الكريم يخاطب المشركين المعاصرين لسيدنا صلى الله عليه وسلم مرة بعد مرة بلسان العقل.. ويوسع آفاقهم بلسان المنطق... ويحقنهم بالمعقول بقوة المحاكمة.. ويعيد عليهم صفحات من ديمومة التكرر التاريخي، ويضعضع – بسرد الأمثال – لامنطقية الشرك في تلك الأيام إلى جانب الفكر الإلحادي في قابل الأيام، ويدعو إلى التعقل في كل الأقوال. أن الأنبياء والمرشدين الذين اتبعوهم مشْهرٌ لعرض نماذج حية ضد كل نوع من أنواع الكفر والإلحاد والشرك، ومنبر لقول اشد الخطب إقناعا. والقرآن الكريم يأخذ بيد طلابه مرة بعد مرة ليسيح بهم في تلك المشاهر، ويُسمع خدامه أجل الخطب العصماء بأصدق الأصوات. ومثال ذلك قصة إبراهيم (عليه السلام) التي تتكرر في القرآن الكريم مراراً، لانه من أقوى أصوات فكر التوحيد. فتراه محطما لأصنام المشركين من قومه، أو مقوضاً لأركان فكر المشرك، أو ضاربا على أفواههم بالأقفال المعمولة في مصنع العقل، فهم لا ينطقون، أو حاملاً إلى السماء فهمهم المشرك وتوهمهم الألوهية في النجوم والشمس والقمر، ليحل رباط الأجسام السماوية، فتتساقط على متلقياتهم المنحرفة عن الربوبية، فتخرّ أنقاضا وركاما يئطون تحتها، وتفتح سبلاً واسعة توصل إلى الله تعالى للقادمين من بعدهم. ثم يصرخ في المصرين على غير المعقول تارة أخرى: قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين (الأنبياء/54). ثم تراه قد حطم أصنامهم وقام منتصباً وموبخاً منطق شركهم المنحرف الضال: قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم. أُفٍّ لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون (الأنبياء/66-67). يصرخ ويوبخ حتى توجف أرواح المشركين من قومه، والمشركين من بعدهم جميعاً. ومثلما إبراهيم، الأنبياء العظام نوح وهود وصالح وشعيب وموسى وكلهم أجمعون (صلى الله عليهم وسلم)، أدوا الرسالة نفسها وساروا في الطريق بعينه (مع تنوع اللون والنمط حسب تنوع الأحوال والأوضاع)، فاتبعوا نهج "العقل السماوي" ونشروا "المعقول" جميعاً. وعلى النقيض صفُّ الكفر والإلحاد والشرك الذين افنوا حيواتهم في حبس الهوى والرغبات الضيق، وأسْرِ الفهم والفكر المتوارث من الأجداد، فأهدروها في مد وجزر للشعور المنحرف والفكر الضال واشهروا اللامنطق على الدوام. لقد حث النورسي بإصرار على قراءة واستطلاع كتاب الكائنات ومشهر الوجود. وحثه هذا تعبير عن المفهوم المتوارث من ممثلي المعقول: الأنبياء والأصفياء والأولياء وعلماء الإسلام. ومع استحضار اختلاف الخط حسب الزمان، كان محتوى الرسالة والطريق المتبع واحداً لا يتغير: التحري المستمر في الأرض والسماء.. وحلج (ندف) الأشياء والحوادث.. وتسليم كل الأشياء إلى مالكها الحقيقي... وبعد ذلك، الإحساس باطمئنان هذه المعقولية في الوجدان، وتحوّلُ العلوم الآيلة إلى المعرفة: كل علم إلى نبع يروي الذوق الروحاني... ومن ثم، تقاسُمُ من في الأرض ، ومن في السماء تلك الحال الروحية. يرشدنا القرآن الكريم في كثير من آياته البينات إلى هذا الطريق ويدلنا إلى أن المعقولية هي إنشداد الفكر باللانهاية: بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج. أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج. والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج. تبصرة وذكرى لكل عبد منيب. ونزلنا من السماء ماءً مباركاً فأنبتنا به جناتٍ وحبَّ الحصيد. والنخلَ باسقاتٍ لها طلع نضيد. رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتاً، كذلك الخروج (سورة ق/5-11). فيلفت النظر إلى السموات، وإلى الأرض ، وإلى الرزق، ويدعونا إلى التعقل والتفكر والتعمق في الإيمان والإثراء في المعرفة. ويؤكد مراراً على أهمية المحسوسات، ويدعونا دائماً إلى استطلاع الأرض التي نعيش عليها: أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور(2)(سورة الحج/46). والقرآن هنا يوميء إلى اصل الحرمان والخسران وانه في القلوب المنغلقة بصيرتها. وهو يوبخ مراراً من لا يستعمل عقله وبصيرته اذ يمر من غير تحقيق وتدبر. بآيات الأرض والسماء، وينبه إلى أهمية النية والنظر، وان الرؤية المجردة لا تفيد بمعنى: وكأيٍ من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون(سورة يوسف/105) والقرآن الكريم أنموذج فريد للمعقولية من اوجه كثيرة تجتمع كلها فيه. فهو – مع حثه على استطلاع كتاب الكائنات – أنموذج بمتانة تقديمه للموضوعات واستجلاب محتواه للفكر، وإحاطته بالألباب بمعانيه وتذاكيره، وسحر ألفاظه، وتأثير أسلوبه، ووقع صدقيته. نعم، مستند القرآن هو الوحي، لكن طريقه لا يغادر فَلَك العقل. فهو يطرق باب المخاطَبين مسجلاً ومثبتاً كل معانيه وتذاكيره لدى العقل والمنطق والمحاكمة... ويمضي إلى القلوب بأسلوب يحفز التعلق... وينطق كابحاً اعتراض الشعور... ويروض طلابه دوما بالمعقولية. فالقرآن الكريم يستند إلى الوحي ويتعامل مع البشر على سفوح المعقول في كل الأمور. وسواءٌ الأمر في تقديمه مئات المسائل المتشابكة بتناغم وتجانس لا يُدرك حتى في تحليل المسألة المنفردة، أو في صفاء وخلوص وتأثير كل تذكرة ومعنى من معانيه، وكذا في الارتقاء بالقلوب المتفسحة للأيمان إلى الاطمئنان، أو في إقناع الأرواح المترددة. فنقول من هذه الوجهة: إن مستطلعي الأشياء والحوادث القادرين على قراءتها، والمسندين إياها – من ثم – إلى التوحيد، هم في طريق المعقول... وكذلك الذين يستمعون إلى القرآن الكريم وينصتون إليه ويرضون به في دواخلهم، يُعَدّون في الطريق العقلي. وعلى الضد، من يعجز عن النفوذ إلى بواطن الوجود والحوادث فيبقى خارجها، ليس في الطريق العقلي... وكذلك من لا يستمع إلى القرآن ولا ينصت إليه ولا يرضى به في دواخله، فليس مستفيداً من أنوار العقل استفادة كاملةً. نعم، المعقول: هو قراءة الوجود والأشياء، والتفكير بها وتقويمها... ومن بعد التقويم شدها بوشائج الإيمان والمعرفة والخالق. واللامعقول: هو إسناد كل شيء من الأشياء وكل حادثة من الحوادث إلى الأسباب المختلفة أو الطبيعة أو أمور أخرى. المعقول: هو استغناء الخالق وجوداً وتوحيداً عن الشرك والنظير والمعين... وغير المعقول: هو فكر الشرك والإلحاد بصوره وأشكاله كافة. المعقول: هو ضرورة الأنبياء والرسل المرسلين من الله إلى البشر لتبيين الأشياء والحوادث وتفسير الوجود وشَدّه بالحقيقة المفردة... وغير المعقول: هو رد النبوة والرسالات الإلهية. ويمكن توسيع هذا الإطار حسب الملاحظات الواردة في رسائل النور، إلى أن يستوعب الأسس الإيمانية جميعاً. وأظن أن هذا القدر كافٍ هنا، وأحيل إلى كتب مفكري الإسلام للتوسع في الموضوع. من زاوية أخرى، العقل يعني الفهم والإدراك واستجماع الفكر. وهو بهذا المعنى وسيلة مهمة لتفهم الأمور الداخلة ضمن تعريفه، "وحركيةٌ" حيويةٌ للروح. فبالعقل نفهم ما نفهم، وبه نعلم ما نعلم، ونقوم ونستنبط الحاصل والناتج. وضده الحمق والغباء وعدم الإدراك. الحمقى والأغبياء ومعدومو الإدراك لاهثون في طريق اللامعقول بلا ضعن ولا مقصود... فلا يفهمون كتاب الكائنات، ولا يتآلفون مع الأشياء، ولا يستمعون إلى القرآن، ولا يدركون أسرار التكليف... ومحال على هؤلاء أن يفهموا الدين وروح الدين وغاية الوجود ومقصوده. ويُسند قول إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مآله أن الأحمق عدونا... فجعله مولانا جلال الدين الرومي عنوانا وصاغه شعراً بلسانه الفصيح (ترجمته): "قال النبي صلى الله تعالى عليه و سلمالأحمق عدو لنا، شقي يقطع طريقنا. إذن العاقل حبيبنا... نسيمه المعتل بردٌ يفوح روحاً وريحانا. فان غضب العقل مني.. فسبني وشتمني، اطأطيء رأسي وأديم صمتي، لان العقل من (الله) الذي يمن علي بالفيوض أبداً. أما الأحمق فان وضع في فمي حلوى، اعتل من حلواه ويصيبني بالحمّى". وكذلك كبار الصوفية الآخرون يرون العقل السماوي المستمد من "الأخرويات" وثاقاً في رقبة الرغبات الجسمانية. فلا تستطيع الميول الجسدية أن تصرح عن نفسها إلا إذا انفلتت من هذا الوثاق. فالعقل في هذا المعنى،قفل حديد لحفظ القيم الإنسانية ومفتاح سحري للسعادة البشرية. العقل لجام في فك الرغبات النفسية، وقفل يغلق فمها، وهو أيضاً جناح ملائكي تحلق به الروح. النفس تجرف الإنسان إلى معضلات ومشكلات مختلفة كل ساعة بهذيان بعد هذيان. وضده العقل. إذ هو قوة سماوية تبدد لعبة النفس. فإذا ارتبط بالقلب وتزود وتغذى من "وارداته"، وأدام التزود منه، فانه لا يترك عدواً إلا صرعه ودحره. أما إذا انقطعت وشيجته عن القلب، وانقلب من السماوية إلى الترابية، فيصير خائناً يرشد الأعداء، ويقيم في جيرة الشهوات ويدافع عن الحقد والبغض وينضم إلى القوة العمياء فيقاوم السماوية، ويخوض في الجدلية فيكدّ في إظهار الباطل حقاً، ويحسب الديماغوجية (المراء) شطارة، فيجادل مخلفاً وراءه الاختلاف والتفرق، ويحسب فضح الآخرين وتراجعهم غلبة وظفراً.... فيتمادى في قتل القلب كل ساعة ويقيم على إنقاضه سرادق النفس، ويتلطخ كل يوم كراتٍ بلوثيات تسر الشيطان وتفجر الروح بالبارود. فإذا بلغ العقل المنفلت هذا المبلغ من التوحش الفراس، يكون – بإفادة مولانا الرومي – "مصدر وهم وظن، لابد من ذبحه قربانا أمام المصطفى صلى الله تعالى عليه و سلم... ثم يقال: حسبنا الله، ويبدأ المسير إلى الله" :ويقول الشاعر فضولي رحمه الله(3) بيتاً في هذا العقل المشؤوم (ترجمته):
أريد من عقلي إشارة ودلالة
                                      وعقلي يريني ضياعاً وضلالة
ويؤكد الكاتب الهولندي أرامسوس في "مدح للجنون": أن لا نفع ولا فائدة ترجى من عقل كهذا... مستهزئاً وساخراً به. نتذكر خلاصة حكيمة هي: "إذا فسدت الأشياء الثمينة، صار ضررها اشد من الأشياء المضرة".. ونقول: أن هذا العمق العميق هو الفارق بين الإنسان وسائر الأحياء، والجوهر الناصع الصاعد به إلى مقام المتلقي لخطاب الله تعالى، والمعلم والدليل الأول له للارتقاء إلى الحياة القلبية والروحية، يجعله كالملائك ما دام متغذياً بالسماوية وقارئاً لكتاب الكائنات ومحولاً ما يطالعه إلى المعرفة. أما إذا انقطع عن الله تعالى وارتبط بالطبيعة أو النفس، فيكون حية تلسع وعقربا تلدغ في جسم الإنسان، وينقلب إلى سم موته الأبدي، بدلا عن إكسير حياته الأبدية.
الهوامش:
[1] مفيستو – فاوست: ظهرت شخصية مفيستوفيلس الاسطورية في اواخر القرن السادس عشر في التراجيديات الاوربية كاشباه ابالسة يتزلفون للشيطان ففي مسرحية "مارليو" المأساوية، تقمصت شخصية "فاوست" (حوالي 1588) ابليساًباسم "مفيستوفيلس" يضلل الانسان انتقاماً من طرده من الجنة. اما غوته، فقد اضفى على "فاوست" من خلال "مفيستوفيلس" صفة جديدة. فجعله رمزاً لابليس يساير الاحداث المستجدة وينفخ في الانسان وهم القدرة على الهيمنة على مقدرات الكون وعلى فهم كل الاشياء من جهة، ومن جهة اخرى، جعله رمزاً معترضاً على كل شيء، ومخربا لكل شيء. وينهي "غوته" تراجيديته بهزيمة "مفيستوفيلس" الذي يعبر عن تعطش "فاوست" ونهمه الدائم الى الخلود والعمل الدائب. ان كل الاعمال المستلهمة من اسطورة "فاوست" تستعين بشخصيات مفيستوفيلس. وفاوست شخصية الغربي الباطن. (يراجع هامش ص 150 من الجزء الاول/ الطبعة الاولى: ونحن نقيم صرح الروح) (المترجم)
[2] انبه هنا الى تمازج المشاعر بالمعقولات والقلب بالعقل في هذه الآية الكريمة. ولطالما اكد الشيخ المؤلف على هذه المعاني في كتاباته وخطاباته. فارجو النظر مليا في تداعيات هذه الآية الكريمة. وامثالها كثيرة في القرآن الكريم (المترجم)
[3] هو ابو فضلي محمد بن سليمان فضولي البغدادي البياتي التركماني. ولد في حلة او كربلاء، من حواضر العراق وتوفي سنة 1556 ميلادية ودفن في النجف. ولم يعرف عنه مغادرته العراق قط. جمع العلوم العقلية (كالفلك والفيزياء والجبر) والعلوم النقلية والشرعية (كالحديث والاصول والمنطق والكلام). اتقن العربية والفارسية وله ديوان في كل منهما، الى جانب لسانه التركي. اختلف في تشيعه لنظمه قصائد رائعة في حب آل البيت وسيدنا الحسين رضي الله عنه. لا يخفى اثر التصوف على شعره وفكره، ويقال ان مثنويته (ليلى ومجنون) الذائعة الصيت هي في معاني التصوف. ويؤيد هذا القول رأيه في الشعر وان الاصل فيه هو العلم، وان الشعر بلا علم قالب اجوف وخاوٍ.وقصيدته في مدح النبي صلى الله تعالى عليه و سلممن الروائع المشهورة على الالسن في مشرق العالم الاسلامي كله. هو من اعظم الشعراء تأثيراً في الادب التركي باللهجة الآذرية – التركمانية (بديهة) وبالجغتائية (ايضاً). واثره في الأخيرة ينافس اثر علي شير نوائي. اما تأثيره في الشعر باللهجة العثمانية، فلا يجارى. فقد اثر في كبار معاصريه العثمانيين امثال خيالي ويحيا طاشليجه لي، ثم في كبار الجيل اللاحق امثال روحي البغدادي وباقي ونائلي ونديم والشيخ غالب وكثيرون غيرهم. (المترجم).

المصدر : موقع فتح الله كولن .
http://ar.fgulen.com/a.page/books/building_the_statue_of_the_soul/a751.html
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: سمر ماجد      البلد: العراق       التاريخ: 26-11-2006
سم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى اله وصحبه وسلم تسليما
القرآن منذ لحظة نزوله أعلى من قيمة العقل والبرهان .آيات كثيرة تحمل معنى ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين )
فالعقل المعتمد على الدليل والبرهان هذا العقل لم يكن كافيا أبدا لإشباع ملكات أخرى في النفس الإنسانية،ثمة مسافة للروح لا يملك العقل والبرهان ( فقهيا أو علميا ) أن يملؤها فكان لا بد من ارتياد مملكة الروح والتخفف من منطق العقل التجريبي بقيوده الصارمة .
وهذا ما نجده في الطرق الصوفية ، هناك تربية حقيقة على يد شيخ عارف بالله لمريده وتلك العلاقة الفردية تثبت دائما أنها الأنفع والأبقى لكونها تنمي ملكات الروح والوجدان ومغالبة الشح الإنساني والتكالب الدنيوي وبالتالي تؤثر على حياة الافراد والمجتمع باسره بالشكل الايجابي النافع .


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة