الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
 
دور الخلوة التعبدية في تمتين صف الدعوة الإسلامية 
ادريس بووانو 
مدخل عام :
إذا صح أن نقول : إن المسألة التربوية في مجال الدعوة الإسلامية تكتسي أهمية كبيرة ، فإنه يصح معه كذلك القول : إن المسألة التربوية أو الملف التربوي ينبغي أن يبقى ملفا مفتوحا ، وتبقى داخله مهمة تجديد الأساليب والأوعية التربوية مطلبا هاما وأساسيا ، خاصة مع تنوع المشكلات والقضايا التي تعرض لإنسان مجتمع اليوم ، ومجتمع إنسان اليوم.
إن التحديات اليوم قد عظمت وكبرت واتسعت ، ومعها لا بد من تطوير حثيث لمرافق وأبنية أو وسائل التربية في مجال الدعوة الإسلامية بالقدر الذي يسمح باستيعاب تربوي قدير على مسايرة تجدد الحياة وتعدد التحديات.
ولعل أول طريق أو أول مسلك ينبغي البدء به هو إعادة التأمل في جملة من الأساليب التربوية التي ربى به المعلم الأول الجيل القرآني الفريد الذي ركض بالدعوة ردحا من الزمن ، تتأمل هذه الوسائل لا من أجل التوسل والتبرك بها ، بل من أجل فهمها فهما جيدا يقدر على تجديدها وتطويرها بما ينسجم ومتطلبات المرحلة وتحدياتها. وقد يتبادر إلى أذهان البعض بأن ما تعرفه الساحة التربوية اليوم من وسائل متطورة وأساليب تقنية مختلفة يفي بالغرض المطلوب ، فلا حاجة لاعتماد أساليب قديمة وجدت لعصر غير عصرنا ، وزمن غير زماننا. هذا أمر قد يكون صحيحا ، لكن سؤالا لا بد من تقديمه هاهنا ، وهو هل حقا استوفت الوسائل التربوية القديمة حقها من الاستيعاب والفهم والتطبيق؟ إذا أجبنا عن هذا السؤال – ونظن أن الجواب لا - فيحق لنا أن نتبع السؤال السابق بسؤال رديف وهو : كيف السبيل إلى حسن الاستفادة من هذه الوسائل التربوية استيعابا وفهما وتطبيقا ؟ إننا هاهنا نحاول في هذه البحث المتواضع أن نجيب عن السؤالين ، فنذكر أنه ثمة وسائل تربوية لم تستوف حقها من حيث الفهم والاستيعاب والتطبيق ، نعيد تقديمها واستحضارها ، علنا نستخلص منها دروسا وعبرا غابت عنا ، واستحضارها -أي هذه الوسائل- يفيدنا في مواكبة متطلبات المرحلة وما تعرف من تحديات جسام. وقد اقتصرنا في هذا الصدد على ذكر أسلوب تربوي واحد ، حسبته عدة وخطة تربوية هامة جدا في المدرسة التربوية النبوية ، ويتعلق الأمر بأسلوب الخلوة التعبدية أو العزلة. 

رسولنا هو أسوتنا:
قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز واصفا نبيه الكريم الذي أرسله رحمة للعامين بشيرا ونذيرا : (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) (1).
كثرت كتب السير والتراجم التي خصت سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة والتسليم بصفحات بل فصول ، سلطت الضوء من خلالها على مساحات مختلفة ومتعددة من حياته ودعوته.. ويكاد ينفرد كل كتاب من كتب السيرة بإشارات ما التفتت إليها الكتب الأخرى. لكن جوانب من أسلوب دعوته صلى الله عليه وسلم وأسلوب تربيته لأصحابه مازالت تحتاج إلى مزيد من النظر والتأمل.
لقد سجلت لنا بعض كتب السيرة مواقفه صلى الله عليه وسلم الشجاعة والجريئة تجاه الحياة الجاهلية التي حرص على استبدال مساحاتها المظلمة بحياة نور صافية سمحة ، وحينما نمعن النظر في هذه المواقف- التي صدرت عنه صوب قضية من القضايا أو مسألة من المسائل – تشعر بقوة خفية يأخذ صاحبها بزمامها ، ويمتلكها امتلاكا ، قوة ملؤها الصدق والإخلاص. إنها قوة الرفض والتمرد على جميع مظاهر الوضع الجاهلي السافلة الهابطة ، قوة رغب صلى الله عليه وسلم من خلالها الانصراف عما رذل وما غث من الأعراف والتقاليد الجاهلية الهشة البالية نحو مصاف القيم الرفيعة العالية. لم يسمح امتلاكه - صلى الله عليه وسلم- لهذه القوة أبدا بقبول وضع مهترئ ، ترفل فيه الرذيلة و الفسق و الفجور ، ولا سمح بالإلف والتطبع مع الأوضاع السافلة الساقطة بكل تجلياتها وصورها.
وثمة أسباب كانت وراء ولادة وانبعاث هذه القوة ، وحسبنا في هذا المقام أن نقتصر على ذكر أشدها حضورا وأعظمها تأثيرا ، ويتعلق الأمر بمنهج أو أسلوب الخلوة الذي كان ينتهجه صلى الله عليه وسلم قبل مرحلة الوحي أو ما بعدها.
وبهذا الأسلوب درب نفسه ودرب أصحابه ، فقد منحه إمدادا نفسيا هو الذي ثبت لديه قوة الرفض والتمرد.. إمدادا قويا تجاه المواجهة والخلطة لديه ، وعزز مطلب الحرص على الفعل والحركة والتحرك نحو دحر قيم الرذيلة وسد أوكارها وقهر سلطانها.. 

الخلوة التعبدية الفردية والجماعية:
تحدثنا كثير من الروايات عن عزلة الرسول صلى الله عليه وسلم ، كون انعزاله عن مجرى الحياة المكية ازداد واتسع "وهو يقترب من الأربعين حيث أعده الله سبحانه لأول لقاء مع وحيه الأمين من أجل تكليفه بمسؤولية النبوة.. وكان يغادر مكة بين الحين والحين ، منقلا خطواته الثابتة الواسعة عبر رمال الصحراء المترامية حتى تحجب عنه البيوت والأيواق ، ويغيبه الأفق ، وتستقبله شعاب مكة وبطون أوديتها ثم يلج بعيدا إلى جبل النور حيث ينتهي به المطاف هناك إلى غار هناك يدعى بغار حراء فيمكث فيه الأيام والأسابيع الطوال لا يعود إلى مكة إلى ريثما يتزود بالطعام والماء.." (2) إن هذه العملية هي التي سميتها بـ :"الخلوة الفردية" ) الفصل الأول( ، وهي التي مكنته كما أسلفت من تعزيز قوة الرفض والتمرد لديه.
تطلبت مرحلة تأسيس وبناء الدولة الإسلامية منه صلى الله عليه وسلم تربية جيل قوي ، يمتلك صلابة أخلاقية تؤهله على حمل الرسالة والذود عنها من بعده مهما كانت الظروف والأحوال. ذلك الجيل هو الذي كان يجتمع به صلى الله عليه وسلم في بيت من بيوت أصحابه ، ولعل أشهرها بيت الأرقم بن الأرقم ، حيث كان يمكث فيه صلى الله عليه وسلم ساعات طوال مع أصحابه ، يعلمهم ما أنزل إليه من آيات القرآن الكريم ، ويقيم الليل معهم بين يدي ربه متهجدا ، سائلا وراجيا عونه وتوفيقه. وكان مكثرا من ذلك حتى أنزل الله آياته تطلبه أن يخفف من ذلك رحمة به ورحمة بمن معه من أصحابه. (يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا ، نصفه أو انقص منه قليلا ، أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا (3) وفي آيات أخر ينبهه الله إلى الرأفة بمن معه فيقول عز وجل :( إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه ، وثلثه ، وطائفة من الذين معك ، والله يقدر الليل والنهار ، علم أن لن تحصوه فتاب عليكم ، فاقرؤوا ما تيسر من القرآن ، علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ، وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤوا ما تيسر منه ، وأقيموا الزكاة ، وأقرضوا الله قرضا حسنا ، وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ، هو خيرا وأعظم أجرا ، واستغفروا الله ، إن الله غفور رحيم) (4).
إن هذا العمل الذي كان يقوم به صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في هذه الدور والبيوت هو ما أطلقت عليه اسم " الخلوة الجماعية" )الفصل الثاني(. وهي في نظري محاضن تربوية أهلت جيلا من الصحابة وأعدته لمهمة حمل أعباء الدعوة مع رسول الله وهو حي يرزق ، ومن بعده صلى الله عليه وسلم بكل صدق و إخلاص ، وعزيمة وثبات ، وصلابة وقوة. 

الفصل الأول : الخلوة الفردية
تطلعنا بعض كتب السيرة على نصوص وفيرة تحدثنا عن أسلوب الخلوة الفردية الذي كان صلى الله عليه وسلم ينتهجه قبل نزول الوحي عليه بغار حراء وبعده بأشكال مختلفة ، " ولما تقاربت سنه صلى الله عليه وسلم الأربعين وكانت تأملاته الماضية قد وسعت الشقة العقلية بينه وبين قومه حبب إليه الخلاء ، فكان يأخذ السويق والماء ، ويذهب إلى غار حراء في جبل النور على مبعدة نحو ميلين من مكة. وهو غار لطيف طوله أربعة أذرع وعرضه ذراع وثلاثة أرباع ذراع من ذراع الحديد ، ومعه أهله قريبا منه ، فيقيم فيه شهر رمضان يطعم من جاءه من المساكين ، ويقضي وقته في العبادة والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون ، وفيما وراءها من قدرة مبدعة ، وهو غير مطمئن لما عليه قومه من عقائد الشرك المهلهلة ، وتصوراتها الواهية ، ولكن ليس بين يديه طريق واضح ولا منهج محدد ، ولا طريق قاصد يطمئن إليه ويرضاه" (5).
حببت الخلوة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمداء الصحراء أو بغار حراء. وكان " يهجر مكة كل عام ليقضي شهر رمضان في غار حراء ، وهو غار على مسافة بضعة أميال.. في رأس جبل من هذه الجبال المشرفة على مكة ، والتي ينقطع عندها لغو الناس وحديثهم الباطل ، ويبدأ السكون الشامل المستغرق" (6). فهو بعيد في هذا الغار عن الأشياء التي تكدر عليه صفو الاتصال بخالقه.
إنه "في هذه القمة كان محمد صلى الله عليه وسلم يأخذ زاد الليالي الطوال ، ثم ينقطع عن العالمين متجها بفؤاده المشرق إلى رب العالمين" (7) ، وهو بذلك يستكمل بناءه الشخصي واستعداداته وخبراته التي بنى جزءا غير يسير منها من خلال عمله في مجالي الرعي والتجارة.. في هذا الغار النائي عن سكن قومه ، " كانت نفس كبيرة تطل من عليائها على ما تموج به الدنيا من فتن ومغارم واعتداء وانكسار ، ثم تتلوى بحسرة وحيرة لأنها لا تدري من ذلك مخرجا ، ولا تعرف له علاجا." (8) لكنها كانت تتوق لفعل شيء. 

الخلوة الفردية فضاء إعداد وتأهيل :
إن عناية الله- كانت بلا شك- ترعى شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم ، فعلى مدى أربعين سنة كانت تؤهلها لتكون على استعداد لتلقي مبعوث الله في آخر حلقة من حلقات تعاليم السماوات والأرض ، وتتأهب لاستقبال الأمر العظيم. " ولا شك أن القدر حاطه بالحفظ ، فعندما تتحرك نوازع النفس لاستطلاع بعض متع الدنيا ، وعندما يرضى باتباع بعض  التقاليد  غير  المـحمودة  تتدخل  العنـاية  الربانية  للــحيلولة بينه  وبينها.." (9).
وكان" أول ما بدئ به رسول الله الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى رؤِيا إلا وجاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبب إليه الخلاء ، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه –وهو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله فيتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء" (10). فلم يكن نائما به ، ولا كان مستلقيا يشكو العياء والتعب وينشد الراحة ، بل" في هذا الغار النائي كانت عين نفاذة محصية تستعرض تراث الهداة الأولين من رسل الله ، فتجده كالمنجم المعتم لا يستخلص منه المعدن النفيس إلا بعد جهد جهيد" (11). لقد نزل الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الغار ففاجأه وهو" يقظ يلتمس الحقيقة ، ويبحث عن الله ، ولذلك رعب ، وجاء خديجة يرجف فؤاده" (12).
هكذا كانت الخلوة الفردية الحرائية بمثابة فترة إعداد و" حضانة يؤهل فيها من اختارته الإرادة الإلهية ليحمل للناس هدى الله." (13) يستنيرون ويهتدون به. 

الخلوة الفردية فترة تأمل وتدبر في ملكوت الله :
لم يكن اختياره صلى الله عليه وسلم الخلوة اختيارا قصده الهروب من الواقع ، ولا كانت ضربا من العبث كما هي عند بعض الناقمين على الحياة الإنسانية ، المرتمين في أحضان الطبيعة تائهين في جبالها ، هائمين على وجوههم في وديانها ، فارين من مآسي واقع حالهم وحال مجتمعهم ، وهو ما يعرف في الأدب الحديث بالاتجاه الرومانتيكي ، وهو موجة محلقة في الخيال ، سيطرت على كثير من رواد الأدب بالغرب فترة ، وانتقلت إلى العرب عقب ذلك ، فعشعشت زمانا بأمصاره ودياره ، و" كانت في حقيقتها هروبا من الواقع السيئ الذي كانت تعيش فيه شعوب أوروبا ، هروبا يشبه في بعض مظاهره –الحشيش والأفيون- وغيره من المغيبات التي تنسي الإنسان الواقع ، وتحلق به في عالم )متخيل( خال من المشاكل التي تقلق البال ، ثم تفيق – إذا أفاقت – على حسرة مرة من الأحلام الحلوة التي لا تتحقق على واقع الأرض. ولكن هذه الموجة انتهت –كما كان لا بد أن يحدث- لأنها حركة غير طبيعية بالنسبة للإنسان.." (14). لقد كان اختياره صلى الله عليه وسلم" طرقا من تدبير الله له ليعده لما ينتظره من الأمر العظيم ، ففي هذه العزلة كان يخلو إلى نفسه ، ويخلص من زحمة الحياة وشو اغلها الصغيرة ، ويفرغ لموحيات الكون ودلائل الإبداع ، وتسبح روحه مع روح الله ، وتتعانق مع هذا الجمال وهذا الكمال ، وتتعامل مع الحقيقة الكبرى ، وتمرن على التعامل معها في إدراك وفهم " (15). ولينظر ويتأمل في عجيب صنع الله الذي أحسن كل شيء خلقه. والقرآن حافل بهذه الدعوة ، " دعوة الإنسان أن يفتح بصيرته على آيات الله في الكون ، ويستشعر من ورائها القدرة الخلاقة المبدعة ، في أسلوب أخاذ ، يأخذ  بمجامع  النفس  ويوقظها  من  إلفها  وعادتها" (16) يقول الحق سبحانه: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ، وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ، وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون (17) وبقدر ما في القرآن آيات توجه القلب البشري إلى تأمل قدرة الله المبدعة في صفحة الكون نجد به أيضا آيات أخر توجهه إلى التمعن والتدبر في قدرته عز وجل القاهرة والتي تمسك بيدها كل أمر ، يقول الحق سبحانه: ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض ، ومالكم من دون الله من ولي ولا نصير(18) ، ويقول عز شأنه في آية أخرى: بديـع  السمـاوات  والأرض  ،  وإذا  قـضى  أمـرا  فإنمـا  يـقول  له  كـن  فيـكون  (19). 

الخلوة الفردية اتصال وتعلق بالله عز وجل:
كانت الخلوة النبوية قبيل نزول الوحي عليه صلى الله عليه وسلم خطوة حاسمة في تحوله الروحي ، وتأهيلا له لتلقي أمر الله والصدع به في بيئته التي كانت تطبعها النعرات القبلية والنزعات الفردية. وفي غارحراء الذي كانت تتم هذه الخلوة "اتصل محمد صلى الله عليه وسلم بالملأ الأعلى ، ومن قبله شهد بطن الصحراء أخا لمحمد عليه الصلاة والسلام يخرج من مصر فارا متوحشا ، ويختار القفار متلمسا الأمن والسكينة والهدى لنفسه وقومه ، فبرقت له من شاطئ الوادي نار مؤنسة فلما تيممها ، إذ النداء الأقدس يغمر مسامعه ، ويتخلل مشاعره (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري) (20).
إن شعلة من هذه النار اجتازت القرون لتتقد مرة أخرى في جوانب الغار الذي حوى رجلا يتحنت ، ويتطهر- نائيا بجسمه وروحه- عن أرجاس الجاهلية ومساوئها ، لكن الشعلة لم تكن نارا تستدرج الناظر ، بل كانت نورا ينبسط بين يدي وحي مبارك يسطع على القلب.. بالإلهام والهداية والتثبت والعناية.." (21) وقد ترك الانقطاع في هذا الغار الموحش ، في جو ملؤه التأمل العميق في هذا الكون الفسيح آثارا عميقة في نفسه ، " فقد ملأِها بالرهبة والخشوع ، ووصلها بالإله عز وجل أقوى ما يكون الاتصال ، فأحست به أيما إحساس ، واستشعرت عظمته في كل شيء داخلها ، فـازدادت  صـلة  به  وقربا  منه  ،  وتناغما  مـع  سننه فـي  خلقه." (22).
ومن آثار هذه الخلوة اتصال جوارح المسلم بربها وبارئها فترى القلب يخشع والعين تدمع تذللا وخضوعا للعظيم سبحانه. إنه لأجر عظيم ذاك الذي ادخره الله لذلك الذي ذكره خاليا ففاضت عيناه. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "سبعة يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله :إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله تعالى ، ورجل قلبه معلقا بالمساجد ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه." (23) ، ذكر الله أثناء قيامه أو أثناء تسبيحه أو أثناء استغفاره ، ففاضت عيناه بالدمع خشية له وحده ، لا خشية من متسلط أو متكبر أو متجبر.
وقال ابن عباس : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " عينان لا تمسهما النار : عين بكت من خشية الله ، وعين باتت تحرس في سبيل الله" (24) ، بكت من خشية الله وهي متأملة لعظمته ، أو خائفة من عذابه ، أو راجية لعفوه ومغفرته... وما حسب نفس تهجر ديارا ، وتفارق أهلا ، وتتجرد من زينة الأرض ومتعها ، ما حسبها تأوي لغار موحش ، أو تنطلق لصحراء خالية من أهلها ، فما تجني هذه النفس من إيوائها لهذه الأمكنة المقفرة ، أليس ذلك ضربا من العبث أو اللهو أو المغامرة ؟ نعم هو ضرب من العبث واللهو عند أولى المقاييس المادية ، لكن هناك مقاييس أخرى لا تلمسها الأيدي بل تحسها القلوب ، قلوب الخاشعين لله ، المخبتين له. إن هذه الأمكنة المقفرة الخالية سرعان ما تصبح فضاءات رحيبة وسيعة ، ترتبط فيها النفس وتتصل بخالقها وبارئها مباشرة ، فيغمرها لين ورفق ، فترى الحدود تنزاح لحظة بعد لحظة ، وإذا الاطمئنان يتسلل رويدا رويدا ، فيغمرهذه النفس شعور بحب البارئ المصور الذي خلق الإنسان فعدله وأحسن صوره ، وإذ بالروح تتوثب وتتأهب مقبلة لا مدبرة. " إن معرفة الله من هنا تبدأ : الشعور بالفرح به تعالى ربا خالقا ، والأنس بجماله عز وجل إلها رحيما ، فيمتلئ القلب شوقا إليه تعالى ، ثم تنشط الجوارح للسير إلى بابه الكريم ، والعروج إلى رضاه عبر مدارج السالكين ، ومنازل السائرين ، فيجد الإنسان الأنس كل الأنس كلما ازداد معرفة بالله جل شأنه" (25).
والخلوة الفردية مؤدية لهذا الطريق ، طريق معرفة الله من خلال ما تصنعه بالنفس ، نعم هي تصنع عالما آخر بجنبات قلب يملِؤه الإيمان والاطمئنان ، عالما فريدا يقطع الصلة بما ألفته النفس بعالم الأشياء والمواد ، فهي تصنع الخلوة يقينا صادقا بقوة القادر و بمعيته وصحبته (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار ، إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ، فأنزل الله سكينته عليه ، و أيده بجنود لم تروها ، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ، وكلمة الله هي العليا ، والله عزيز حكيم(26).
وعن أنس أن أبا بكر حدثه قال : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار : لو أن أحدهم ينظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه ، فقال يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما (27).. ، إنه إحساس وشعور قوي لا يشوبه شك ولا ريب بحفظ الله لهما ومعيته معهما ، إحساس شعاعه إيمان ويقين صادق ، قوي الصلة بالله عز وجل ، أين اكتسب صلى الله عليه وسلم هذا الشعور؟ وأين حصل على هذه الثقة العالية. لقد حصل كل ذلك من خلوته وعزلته بغار حراء ، إنه اكتسب ذلك من تأملاته العميقة بغار حراء ، و سفره الطويل في الصحراء المقفرة ، كل ذلك أوقد في نفسه نورا متصلا بالله ومبصرا به.
إن حس التأمل والتدبر في ملكوت الله بقلب شغوف طموح للمعرفة يعقبه اطمئنان ذلك القلب اطمئنانا واسعا خاصة حينما يقبض بشعاع النور ، (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين. فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي ، فلما أفل قال لا أحب الآفلين ، فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي ، فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ، فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي ، هذا أكبر ، فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون. إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين) (28).

 الخلوة الفردية فترة شحذ الهمة:
إن كل روح تريد أن يكون لها تأثير في واقع الحياة إذا لم تستعد لهذا الأمر استعدادا خاصا ، تفشل في الوصول إلى أهدافها ، ولذلك ".. لا بد لهذه الروح من خلوة وعزلة بعض الوقت ، وانقطاع عن شواغل الأرض وضجة الحياة ، وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة ، لا بد من فترة للتأمل والتدبر والتعامل مع الكون الكبير وحقائقه الطليقة" (29). فبهذا تتمكن الروح حقيقة من إدراك جمال هذا الوجود الذي خلقه البارئ عز وجل و "إدراك جمال الوجود هو أقرب وأصدق وسيلة لإدراك خالق الوجود ، وهذا الإدراك هو الذي يرفع الإنسان إلى أعلى أفق يمكن أن يبلغه ، لأنه حينئذ يصل إلى النقطة التي يتهيأ فيها للحياة الخالدة في عالم طليق جميل بريء من شوائب العالم الأرضي والحياة الأرضية. وإن أسعد لحظات القلب البشري هي اللحظات التي يتقبل فيها جمال الإبداع الإلهي في الكون ، ذلك أنها هي اللحظات التي تهيئه وتمده ليتصل بالجمال الإلهي ذاته ويتملاه" (30). إن الخلوة الفردية هذه تقطع حالة الاستغراق في واقع الحياة ، "لأن هذا الاستغراق هو الذي يجعل النفس تألفه وتستنيم له ، فلا تحاول تغييره" (31).. والحياة الدنيا كم هي مليئة بشواغل تافهة ، لكن الانعزال والانقطاع عنها ، هو" الذي يؤهل الروح الكبير لرؤية ما هو أكبر" (32) وما هو أعظم وأشمل ، وما هو أحق بالاهتمام والانشغال.
و من يريد إصلاح وتغيير ما انحرف وما اعوج في مجتمعه ، ومن يرغب في صرف مجتمعه عن كثير من المنزلقات والمنعطفات والمنحرفات ، نقدر أن لا سبيل له في ذلك إلا بتمتين صفه بمنهج الخلوة الفردية.
إنها تمكن الفرد المسلم الغيور على دينه ووطنه من مواجهة موضوعية لذلك الواقع ، تمنحه فرصة الانفلات بعيدا - لفترات معينة- عن قيود مجتمعه وأعرافه و أغلاله و تقاليده ، وتسمح له بلحظات الاستعلاء عن همومه الصغيرة التي تستغرق حياة جمهور غفير من الناس من العامة والخاصة ، هموم اكتسحت حياة البشرية اليوم ، وازدادت بازدياد موجة الروح الاستهلاكية المسيطرة.
وليست العبرة عند انتهاج أسلوب الخلوة الفردية ، التقيد أو التشبث بشكل من أشكال أدائها داخل كهف من الكهوف أو الانزواء في غار بمقاس غار ثور أو غار حراء. إنما الأمور بمقاصدها ، فقد كان صلى الله عليه وسلم يخلو بغار حراء ، ويمشي في الصحراء وحيدا متأملا ومتدبرا قبل أن ينزل عليه الوحي ، والمرء اليوم بين يديه مجالات رحيبة تمكنه من تحقيق ذلك في بيته أو في غيره.
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينقطع عن مزاولة هذا الأسلوب حتى بعد أن أوحي إليه ، فقد كان ينصرف في المحافظة عليه إلى قيام الليل مستغفرا ومتهجدا وداعيا حتى كانت رجله تتفطر من شدة وقوفه بين يدي الله ، فتقوم زوجته فترجوه أن يشفق على نفسه ، فيجيبها بقلب صادق : أفلا أكون عبدا شكورا. وتبقى إذن الخلوة الفردية من أشد الخطط التربوية تأثيرا ومن أقدرها على " تحقيق التعبئة الروحية وتصعيد الأشواق الإيمانية ، وتقويم النفس ، وتمكينها من الانسلاخ من رواسب الجاهلية وعوائدها الثقيلة والاستعلاء بالإسلام على كل شيء" (33). فالحرص عليها يمكن الفرد من إعداد نفسه إعدادا تربويا عميقا.يؤهله لحمل الأمانات والقيام بالمسؤوليات أحسن قيام. 

الفصل الثاني: الخلوة الجماعية:
تعددت أساليب النبي صلى الله عليه وسلم ومناهج تربيته وخاصة في مرحلة تأسيسه وبنائه للصفوة من أصحابه القادرة على المضي قدما بمسيرة الدعوة ، فإذا كان أسلوبه في الخلوة الفردية سواء في مظاهره قبل نزول الوحي أو في مظاهره بعد نزول الوحي قد غلب عليه توجهه نحو ذاته ، فان أسلوبه في الصنف الثاني والذي سميناه بالخلوة الجماعية أو باصطلاح الدكتور فريد الأنصاري التربية الأرقمية قد غلب عليه توجهه صوب أصحابه مهيئا إياهم ومعدا لهم للخروج إلى المجتمع بروح وثابة وقوية سلاحها الإيمان وتقوى الله ، وهو السلاح الذي كان أقدر- ولا يزال- على مواجهة زيف الجاهلية وهزال قيمها ومبادئها. 

حكم خلوة الرسول الجماعية مع أصحابه:
لقد انصرف رسول الله الكريم إلى هذا الصنف من الخلوة لعدة حكم منها:
1- تجنيب الصحابة للاضطهادات التي كان يتلقوها في بداية الدعوة ، فكان يمنعهم من إعلان إسلامهم جهرة ، و لا يجتمع بهم إلا خفية ، لأنه إذا اجتمع بهم علنا فلا شك أن المشركين سيحولون بينه وبين ما يريد من تزكيتهم وتقوية إيمانهم وتعليمهم ما كان ينزله الله عليه من آيات كتابه. وكان يتحاشى بهذه الخلوة أي مصادمة بين فريقه وفريق المشركين من مجتمعه الرافضين لدعوته ، المجاهرين بعدائه ومخاصمته ، وقد وقع شيء من ذلك فعلا ، " ويحدثنا ابن هشام كيف أن سعد بن أبي وقاص خرج يوما في نفر من المسلمين الأوائل إلى شعب من شعب مكة فإذا جماعة من المشركين يغيرون عليهم وهم يصلون ، فاستنكروا عليهم وعابوا عليهم ما صنعوا ، وما لبث الطرفان أن دخلا في شجار عنيف ، واضطر سعد يومئذ أن يجرح رجلا من المشركين." (34) وكان كما يقول ابن هشام:" أول دم أهرق في الإسلام." (35) وفي رواية للبلاذري أن النبي وأصحابه كانوا إذا جاء وقت العصر تفرقوا في الشعاب ، فصلوا فرادى ومثنى.فبينما رجلان من المسلمين يصليان في إحدى شعاب مكة إذ هجم عليهم رجلان من المشركين "كانا فاحشين" فناقشوهما ورموهما بالحجارة ساعة حتى خرجا فانصرفا" (36).
إن هذين الحادثين - وقد ذكرت كتب السيرة أحداثا شبيهة بهما- من الاعتداء على المسلمين خلال صلاتهم في الشعاب وأمثالهما " وان بدوا وكأنهما عبث من عبث الصبيان... تركا أثرا في نفوس جهال مكة ، وحمل الرسول على نصح المسلمين بالتخفي والتزام البيوت مدة من الزمن ، حتى تستقر الأحوال وتهدأ الأعصاب" (37).
ومعلوم إذن أن مثل هذه المصادمات لو تعددت وطالت لأفضت إلى تدمير المسلمين.فكان من الحكمة الاختفاء والاعتزال في تلك المرحلة ، حفظا للإسلام والمسلمين ، ويبقى تكرار مثل هذه الاصطدامات والاعتداءات على مر مراحل الدعوة وارد جد ، ويبقى معه حسن تقدير التصدي لها ، و حسن جدولة مواقيت ذلك التصدي ، وحسن اختيار الأفراد لذلك من طرف قواد الدعوة وفرسانها كفيل في صرف الدعوة من هدر طاقاتها في معارك هامشية ، وفي حفظ جهودها للمعارك الحقيقية.
2- لقد التجأ صلى الله عليه وسلم إلى دار الأرقم بن الأرقم المخزومي وكانت على الصفا ، كما كانت بمعزل عن أعين المشركين ومجالسهم. وقد هيأها الله سبحانه وتعالى لتكون ليس فقط فضاءا يؤدي فيه صلى الله عليه وسلم شعيرة الصلاة مع أصحابه ، بل كذلك مركزا لدعوته واجتماعه بهم.
كانت إذن ، خلوته صلى الله عليه وسلم واعتزاله بأصحابه في هذه الدار فرصة انصرف فيها المسلمون- وهم قليلو العدد- عن مصادمة الكفار والمشركين إلى تعلم دروس الدعوة ، وتربية النفس وتدريبها وتزكيتها ، من خلال ما كان يقدمه المعلم والمربي المصطفى الأمين عليه أفضل الصلاة والتسليم.
لقد وظف رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم بن الأرقم أحسن التوظيف ، فبدت محرابا علميا وتربويا تلقى فيه دروس التربية الأرقمية ودارا يأوي إليها جند الدعوة من حين لآخر. فمن تحت سقفها تخرج الرعيل الأول من الصحابة الأشاوس ليحملوا على أكتافهم وسواعدهم لواء الدعوة إلى أقاصي الدنيا لا يخافون في الله لومة لائم.

 الخلوة الجماعية محضن للتربية والتأهيل:
إن فترة الخلوة الجماعية تعد محضنا تأهيليا لهؤلاء الرجال لفضاء تربوي آخر ، إنه فضاء التربية الميدانية ، فضاء المواجهة والمدافعة. في الخلوة الجماعية يتم تعبئة النفوس وشحذ الهمم من أجل ما ينتظرها ، فهي ليست فترة تنويم القلوب ولا تعطيل الهمم ولا شل العزائم ولا تحطيم القدرات. وليست من الطقوس التي تروم ترسيخ العقلية الانسحابية إزاء المجتمع ومشكلاته ، والمواقف الانكفائية. بل هي محضن لتربية النفس ، وتزكيتها و إعدادها وتأهيلها وتدريبها من أجل الفعل والتحرك والمخالطة الإيجابية البناءة لا الذائبة.

 الخلوة الجماعية مكابدة ومجاهدة:
لا تخلو فترة الخلوة الجماعية من جهد ومكابدة ، ففيها معاناة لا تشبهها معاناة ، ولكنها معاناة تفرز معدنا أصيلا ، " فمعاناة الخلق ، ومكابدة مشاق الحياة أصل عظيم من أصول التربية الناجحة ، وهو ما قصده الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله (المؤمن الذي يخالط الناس ، ويصبر على أذاهم أعظم أجرا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم (38) ، لأن معادن الناس لا تظهر على حقيقتها إلا في معترك الواقع ، وهي تأخذ وتعطي ، وتوالي وتعادي ، وإن " حقيقة الإيمان لا يتم تمامها في القلب حتى يتعرض لمجاهدة الناس في أمر هذا الإيمان ، لأنه يجاهد نفسه كذلك في أثناء مجاهدته للناس ، وتتفتح في الإيمان آفاق لم تكن لتتفتح أبدا وهو قاعد آمن ساكن ، وتتبين له حقائق في الناس والحياة لم تكن لتتبين له أبدا بغير هذه الوسيلة ، ويبلغ هو بنفسه وبمشاعره ، وتصوراته ، وبعاداته وطباعه وانفعالاته واستجابته ما لم يكن ليبلغه أبدا بدون هذه التجربة الشاقة العسيرة" (39). هذه هي التربية الحقيقية ، هي تلك التي تتم في بحر المعركة ولجتها.
والقائمون على ثغر الخلوة الجماعية من المربين - وهم عصبة ونفر من الصالحين- يعرفون حقا ، ويدركون مكانة هذه الصنف من التربية ، يعرفون مدى قدرتها على صناعة النموذج التربوي الأرقمي ، القادر على الفعل في الواقع ، والقادر على المخالطة ، والقادر على المدافعة ، والقادر على المبادرة ، والقادر على الجندية أينما حل أو ارتحل.. إن الزاد الروحي الذي تتيحه وتنميه الخلوة الجماعية وحتى التي قبلها الخلوة الفردية ، ليس بحاجة إلى عملية الاختزان من لدن صاحبه ، فهو طاقة غير قابلة للاختزان ، اذ الحاجة إليه مطردة ومستمرة باستمرار تحرك الفرد.
هكذا كان منهج المربي والمعلم الأمين عليه أفضل الصلاة والتسليم في أسلوب الخلوة الجماعية ، صناعة أرقميين يحملون أعباء الدعوة ، وفعلا قد تحقق ذلك ، فخريجوا هذه المدرسة هم حقا من شكل النواة الجهادية النوعية ، وقد صاغهم" صياغة رسالية تستجيب لطموحات الدعوة ، وتجسد مضمونها بصورة جدية فعالة مؤثرة...وبذلك الاحتياط الحكيم مكن الدعوة من تجاوز حقبة خطيرة ، كثيرا ما تسببت في إجهاض حركات كثيرة في التاريخ ، وقضت عليها." (40).

هل من جدوى الاستمرار في أسلوب الخلوة اليوم؟
لا أشك أن هذا السؤال يراود عديدا من المتتبعين لسير الحركات الإسلامية ، وحق لهم أن يطرحوا مثل هذا السؤال ، وحق لهم أيضا أن يذكروا بأن انعزال الرسول صلى الله عليه وسلم بأصحابه في شعب مكة أو في غيرها إنما كانت تمليه المرحلة التأسيسية التي كانت تمر منها الدولة الإسلامية الناشئة ، فكانت ظروف هذه المرحلة تقتضي الاحتجاب والعزلة ، فما جدوى قيام حركة من الحركات الإسلامية اليوم بهذه العملية التي زالت دواعيها ، خصوصا وأن بعض هذه الحركات تنشط اليوم علنا ، وترتاد آفاقا رحبة ما كانت تصل إليها من ذي قبل ؟
إن كثيرا من الحركات الإسلامية اليوم – كما يؤكد أصحاب التساؤل السالف- لا تعيش في كثير من أوطان عالمنا الإسلامي أسلوب الاضطهاد الوحشي المباشر الذي مورس على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدايات الدعوة ، حتى اضطر اضطرارا صلى الله عليه وسلم للهروب بهم إلى شعب ودور ومساكن وبيوت بعيدة عن أعين المشركين وخصوم الدعوة حتى هدأ ت الأوضاع واستتب الأمر ، فعاد معهم لاستكمال مشروع دعوته.. فما غاية أن نستمر في هذا الأسلوب اليوم ؟
تحمل الأسئلة المطروحة ومثيلاتها وجها من الصواب إذا كنا في وضعية مستقرة تعيش في ظلها الحركة الإسلامية وتمارس نشاطاتها بكل حرية وتلقائية ، وضعية تخول لها التحرك والفعل بدون قيود أو شروط ، فهل الحال كذلك أم ماذا ؟
أظن أنه لا اختلاف في الجواب بأن الوضع والحال غير كذلك ، ومع هذا فيبقى واجبا على هذه الحركة وحتى على التي أنعم الله عليها في قطر من الأقطار بدخول معترك الحياة السياسية أن لا تطمئن لما هي عليه ، وأن تكون دائمة الاستعداد والتأهب لكل جديد ، فالمعركة تعرف أشواط وتتخذ أطوارا.
ثم أيضا من يغفل عن العلم بأن أطيافا من هذه الحركة الإسلامية اليوم ما تزال تتعرض في أماكن عديدة من الأمصار والأقطار لكثير من الأحقاد والدسائس التي تحاك ضدها بله ضد الإسلام والمسلمين؟
نعم ، قد لا يكون لعملية إخفاء الحركة الإسلامية ومعها جموع المسلمين اليوم لاسلامهم والتزامهم أي معنى ، لكن مطلب توفير الحركة محاضن إيمانية لأعضاء و أفرادها في أجواء الخلوة الجماعية أو غيرها يبقى – وينبغي أن يظل- مطلبا عزيزا ، تفرضه جل فترات وأطوار الحركة. 

الخلوة الجماعية خطة تربوية مطردة:
إن وضع الحركات مهما اختلف من ظرف إلى ظرف ومهما انتقلت معه من موقع إلى موقع ، فالمطلوب دوما أن تعيش مرحلة التأسيس بما تقتضيه هذه المرحلة من تقوية الصلابة الأخلاقية لدى أفرادها والمنضوين تحت لوائها ، ولا تأمن أو تغتر أنه سيأتي زمان ستكون فيه في غنى عن هذا الزاد. أيضا فقد تنهض الحركة في كثير من المناطق اليوم بمهام جسيمة في ميادين شتى ، غالية الشأن ، عزيزة المطلب ، لكن مهمة تربية الفئات المنضوية تحت لوائها في محاضن الخلوات الجماعية أو في غيرها ، و إعدادهم وتأهيلهم بشكل جيد يبقى أمرا مطردا ومستمر الطلب ، فذلك ما" يعطي صورة دقيقة عن المشروع الذي تؤمن به ، وتتبناه وتدعو إليه ، وتعمل على صياغة الناس وفقه" (41). وإغفال هذا الجانب يؤدي إلى وجود عوامل الضعف والتفكك والانهيار داخل جسمها. و" والحقيقة أن أكثر ما تعاني منه الحركات الإسلامية من مشكلات وانقسامات ، ومن تساقطات للأفراد خلال السير والعمل ، ومن بروز ظواهر مرضية في هذا الجانب أو ذلك ، سببه الأساسي والأصيل عدم نجاحها في الاستيعاب التربوي ، وإخفاقها في تكوين الشخصية الإسلامية ، وإيجاد الفرد المسلم وفق المواصفات التي وردت في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم " (42). إن هذه الحركة الإسلامية حينما تعجز أو تستكين أو تتخاذل عن تربية أتباعها وأفرادها تربية نموذجية في كنف هذه الخلوات ، فأفرادها يعطون صورة سيئة عنها ، تنفر الناس وتعزلهم عن الدعوة أو الفكرة التي تتبناها ، كما تظهر سقطاتهم عند أول احتكاك ميداني في مجال من المجالات.
وليس غريبا أن يكون نفر غير قليل من هؤلاء الأفراد - ممن شكلوا وما يزالون يشكلون عنوان تلك الصورة السيئة عن الحركة أو الدعوة - قد التحق كثير منهم بصفها في مرحلة من المراحل ، أو اختير- بسبب من الأسباب- فكان في طليعة أو مقدمة الركب ، فعوض أن يركض بركب الحركة أو الدعوة خطوات إلى الأمام ، قعد بها إلى الخلف ، فكان معول هدم في جدرانها وبنيانها.
وآفة هؤلاء - وهم من ذوي الآفاق المحدودة ، والنفسيات المعلولة- أنهم لم تصنعهم محاضن الخلوات الجماعية ، إذ الذين تربوا في هذه المحاضن يكونون لا محالة ذوي صلابة أخلاقية متينة.
من هنا نؤكد أن الانعطاف أو الابتعاد لحظة عن المنهج النبوي -الذي سلكه في تربيته لأصحابه في كنف الخلوات الجماعية - يعطل مهمة تخريج وصنع الدعاة ، الذين يرفدون بمسيرة الدعوة بحركيتهم وفاعليتهم إلى آفاق بعيدة.
تعصم محاضن التربية الأرقمية أو الخلوة الجماعية صف الدعوة من بروز هؤلاء الذين يهدمون جدرانها من حيث يظنون أنهم يبنونها. إنها تصنع أولي الهمم العالية ، وذوي الصفات القيادية ، وذوي السمات الرسالية ، وذوي السواعد الجندية.
إن هذه المحاضن إذا ما نضب معينها - ولو فترة وجيزة - عن تخريجهم أي هؤلاء ذوي الهمم العالية.. ، وصنعتهم صناعة الجيل الأرقمي الرسالي والرباني ، فاحشر الناس ليوم وأنذرهم فيه بخراب المشروع الذي تحمله الفئة أو العصبة الناشدة صلاح مجتمعها وأمتها مهما صدقت نياتها وخلصت.
والحاصل أنه مهما تعددت وظائف الخلوة الجماعية وسابقتها الخلوة الفردية ، فتبقى أهم وأعظم وظيفة لهما هي تهيئة النفوس و إعدادها ، لما قد يستجد في طريق الدعوة والداعية اليوم أو غدا أو بعد غد.

الهوامش :
1- سورة الأحزاب ، الآية 21
2- عماد الدين خليل : دراسة في السيرة ، مؤسسة الرسالة ، ط 15 ، سنة 1422ه / 2001م ص : 49
3- سورة المزمل :الآيات 1/3
4- سورة المزمل :الآية 18
5- صفي المباركفوري :الرحيق المختوم ، بحث في السيرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.مكتبة ، ط 8 سنة 1404ه/1986م ص80
6- محمد الغزالي :فقه السيرة ، دار الكتب الحديثة.ط 7 سنة 1976 ص88
7- المرجع نفسه
8- نفسه ص88-89
9- الرحيق المختوم ص78
10- صحيح البخاري ، مراجعة وضبط :الشيخ محمد علي القطب ، والشيخ هشام البخاري ، المكتبة العصرية بيروت ، ط2 سنة 1418ه/1997م ، ص 22
11- فقه السيرة ص89
12- صبحي الصالح :مباحث في علوم القرآن ، دار العلم للملايين ، ط21 سنة 1997.ص 39
13- الطيب برغوث : منهج النبي في حماية الدعوة والمحافظة على منجزاتها خلال الفترة المكية.منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي ، ط1 سنة 1416ه/ 1996م.ص 225
14- محمد قطب: منهج الفن الإسلامي.دار الشروق ط سنة 1415ه/ 1995م ص 45 15- سيد قطب ، في ظلال القرآن ، دار الشروق ، ط 17 ، سنة 1412ه/ 1992م ، ج 29 ص 3741.
16- منهج الفن الإسلامي ص18
17- سورة البقرة :الآية 164
18- سورة البقرة.الآية 107
19- سورة البقرة ، الآية 116
20- سورة طه ، الآية 13
21- فقه السيرة ، ص89-90
22- منهج النبي في حماية الدعوة.ص 225
23- أخرجه مالك في الموطأ ، كتاب الشعر ، باب ما جاء في المتحابين في الله ، 2/952. والبخاري في كتاب الزكاة : باب الصدقة باليمين 2/266. وفي كتاب الحدود ، باب فضل ترك الفواحش. والترمذي في كتاب الزهد ، باب الحب في الله.
24- حديث حسن غريب رواه الترمذي ، في باب ما جاء في فضل الحرس في سبيل الله من أبواب فضائل الجهاد.
25- فريد الأنصاري ، بلاغ الرسالة القرآنية ، - من أجل إبصار لآيات الطريق – سلسلة اخترت لكم عدد 12 ، منشورات ألوان مغربية ، ط 1 سنة 2002 ص 48/49. 26- سورة طه ، الآية 40
27- الإمام الحافظ ابن العربي المالكي ، عارضة الاحوذي بشرح صحيح الترمذي ، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ، ج 11 ، 239.
28- سورة الأنعام الآيات 75/79
29- في ظلال القرآن ، ج29 ص 3741
30- منهج الفن الإسلامي ص27/28
31- في ظلال القرآن ج : 29 ص 3741
32- المرجع نفسه
33- منهج النبي في حماية الدعوة ص 303
34- دراسة في السيرة ص63
35- عبد الملك ابن هشام : السيرة النبوية ، دار الفكر ، القاهرة ص 263 *
36- البلاذري :أنساب الأشراف ، تحقيق محمد حميد الله ، معهد المخطوطات ، الجامعية العربية ودار المعارف ، ، سنة 1959م ، ج 1 ص 116.
37- دراسة في السيرة ص 64.
38- محمد ناصر الدين الألباني. صحيح سنن ابن ماجة :كتاب الفتن ، باب الصبر على البلاء ، مكتبة المعارف لنشر والتوزيع بالرياض ط 1 ، سنة 1418ه/1997م ، مجلد 3 ص 320.
39- سيد قطب ، هذا الدين ، دار القرآن الكريم ، الاتحاد الاسلامي العالمي للمنظمات الطلابية ، 1398ه/1978 ، ص 10
40- منهج النبي في حماية الدعوة /ص280-281
41- منهج النبي في حماية الدعوة ، ص 296
42- فتحي يكن ، الاستيعاب في حياة الدعوة الإسلامية ، مؤسسة الرسالة ، الطبعة الأولى ، 1403ه /01983م ، ص 76

 قائمة المصادر والمراجع :
1- القرآن الكريم
2- السنة النبوية الكريمة
3-عماد الدين خليل ، دراسة في السيرة ، مؤسسة الرسالة ، ط 15 ، سنة 1422ه / 2001م
4- صفي المباركفوري :الرحيق المختوم ، بحث في السيرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ، مكتبة ، ط 8 سنة 1404ه/1986م.
5- محمد الغزالي : فقه السيرة ، دار الكتب الحديثة. ط 7 سنة 1976 م.
6- صحيح البخاري ، مراجعة وضبط :الشيخ محمد علي القطب ، والشيخ هشام البخاري ، المكتبة العصرية بيروت ، ط2 سنة 1418ه/1997م.
7- صبحي الصالح ، مباحث في علوم القرآن ، دار العلم للملايين ، ط21 سنة 1997م.
8-الطيب برغوث ، منهج النبي في حماية الدعوة والمحافظة على منجزاتها خلال الفترة المكية ، منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي ، ط1 سنة 1416ه/ 1996م.
9- محمد قطب ، منهج الفن الإسلامي ، دار الشروق ط سنة 1415ه/ 1995م.
10- الإمام مالك ، الموطأ ، كتاب الشعر ، باب ما جاء في المتحابين في الله.
11- الإمام البخاري ، صحيح البخاري ، كتاب الزكاة : باب الصدقة باليمين. وكتاب الحدود ، باب فضل ترك الفواحش.
12- الإمام الترمذي ، سنن الترمذي ، كتاب الزهد ، باب الحب في الله.
13- فريد الأنصاري ، بلاغ الرسالة القرآنية ، من أجل إبصار لآيات الطريق – سلسلة اخترت لكم عدد 12 ، منشورات ألوان مغربية ، ط 1 سنة 2002م.
14- سيد قطب ، في ظلال القرآن ، دار الشروق ، ط 17 ، سنة 1412ه/ 1992م.
15- عبد الملك ابن هشام ، السيرة النبوية ، دار الفكر القاهرة ، ص 263
16- البلاذري ، أنساب الأشراف ، تحقيق محمد حميد الله ، نشر معهد المخطوطات بالجامعية العربية ودار المعارف ، سنة 1959م.
17- محمد ناصر الدين الألباني ، صحيح سنن ابن ماجة : كتاب الفتن ، باب الصبر على البلاء ، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع بالرياض ط 1 ، سنة 1418ه/1997م.
18- فتحي يكن ، الاستيعاب في حياة الدعوة الإسلامية ، مؤسسة الرسالة ، الطبعة الأولى ، 1403ه /1983م.
19- سيد قطب ، هذا الدين ، دار القرآن الكريم ، الاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية ، 1398ه/1978
20- الإمام الحافظ ابن العربي المالكي ، عارضة الاحوذي بشرح صحيح الترمذي ، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ، بدون ذكر تاريخ الطبع.

المصدر : موقع الوحدة الاسلامية
http://www.alwihdah.com/view.asp?cat=1&id=1472
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: خادم الفقراء      البلد: العراق/بغداد       التاريخ: 14-06-2011
جزاكم الله خير الجزاء على هذه المعلومات القيمة وعلى هذه المفاهيم الرائعة .
خادمكم الخليفة زياد الدلوي القادري


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة