الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا

       ضرورة الدين
                                                                                          

قضية الدين تعد جزءاً من حياة الإنسان ووجوده وكيانه ، فلو أن شأناً من شؤون الإنسان أحياناً أو قضية من القضايا سبّبت له بعض المتاعب ، فانه يبتعد عنها ، ولكن لو تصورنا أنه قد جاءتك من دينك مشكلة ، هل بإمكانك أن تلغي دينك ؟ الجواب لا ؛ ذاك لأن الدين للإنسان كالهواء ، إما أن يستنشقه وإما أن يموت ، فهو بمثابة الأوكسجين لحياة المؤمنين ، ولذلك فرق حضرة الرسول بين المؤمن والمنافق حين شبههما بالسمكة والطير فقال : المؤمن في المسجد كالسمك في الماء ، والمنافق في المسجد كالطير في القفص .
إن الدين من الفطرة السليمة للإنسان ، أي كقولنا واحد زائد واحد يساوي خمسة ، فعند ذاك لا أحد يقبل هذا الكلام ، ولكن إذا قلنا بأن واحدا زائد واحد يساوي اثنين ، فترى الجميع يخضع لهذه المقولة ؛ فكذلك الدين هو المنهج الفطري من عند الخالق العليم الخبير ، لذا توجب علينا أن نعده جزءاً من حياتنا ووجودنا وكياننا .
والدين منهج تفصيلي لكل حركات الإنسان وسكناته ، قال العلماء : تؤخذ كلمة الدين من دان للشيء أي خضع له والتزمه وطبقه ، أما دان به أي إنك اتخذت منهج الدين منهجاً لك . فتكون متديناً تدين له وتدين به ، وإن أكبر مشكلة للمسلمين حين توهموا أن الدين صلاة وصيام وحج وزكاة ، ليس غير ، مع أن الدين منهج تفصيلي لكل حركاتنا وسكناتنا ، في سرنا وعلانيتنا ، في صحتنا ومرضنا ، في غنانا وفي فقرنا ، في قوتنا وضعفنا ، قبل الزواج وبعد الزواج ، منهج يدور مع الإنسان حيثما دار ، فلذلك كان طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة ، عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله : إن الله عز وجل قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم ، وإن الله عز وجل يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا من أحب ، فمن أعطاه الدين فقد أحبه ، والذي نفسي بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه ، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه ، قلت : وما بوائقه يا نبي الله ؟ قال : غشه وظلمه ، ولا يكسب مالاً من حرام ، فينفق منه فيبارك له فيه ، ولا يتصدق منه فيقبل منه ، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار ، إن الله لا يمحو السيء بالسيء ، ولكنه يمحو السيء بالحسن ، إن الخبيث لا يمحو الخبيث .
قد يغيب عنا معنى أن الدين فريضة ، مع أن شرب الماء يعد فريضة ؛ لأنك لو لم تشرب لمت عطشاً ، بالماء ليس لك خيار ، لك خيار أن تشربه بكأس مباشرة ، لك خيارات عديدة في طريقة الشرب ، وفي وعاء الشرب ، أما خيارك مع الشرب فثابت ، وكذلك الدين هو لك كالهواء ، وكالماء ، وكالطعام . وعلى الإنسان أن يتبع الدين لأنه تعليمات الصانع والصانع هو الخبير : ( ولا ينبئك مثل خبير ) ، نعم الصلاة صلة العبد بربه ، ولكن ليس وحدها هي كذلك ، وإنما جميع أركان الإسلام ، بل جميع معاملاتك الحياتية يجب أن تكون فيها بصلة مع الله ؛ لأنك إن لم تكن كذلك وقطعت الصلة بينك وبين ربك فحينها سوف تكون صلتك بالشيطان ، وأنه ما من مشكلة على وجه الأرض من آدم إلى يوم القيامة ، إلا بسبب الخروج عن منهج الله وتعاليم دينه ، وما من خروج عن منهج الله تعالى إلا بسبب الجهل ، والجهل أعدى أعداء الإنسان قال تعالى حكاية عن أهل النار : لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِير ، وإن الخير كل الخير والنجاة كل النجاة والفوز في طاعة الله وتطبيق دينه كما أراد ؛ لأن الإنسان بذلك قد حقق الهدف من وجوده ، قال تعالى : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ومن معاني الدين الخضوع والاستسلام ، وإلا فسوف لن يقبل منه أي عمل قال تعالى : إن الدين عند الله الإسلام ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين فإذا كنا بالخضوع لأوامر الله ونواهيه فإن الفلاح سيصيبنا قال تعالى : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ والفلاح غير النجاح ؛ لأنه نجاحات متعددة في كل أمور الدين ، أما النجاح فيكون في أمر واحد من أمور الدنيا أو الآخرة .
وعلى أساس ما تكلمنا فيه من الدين وأهميته للإنسان ، فالدين هو المعنى العام للطريقة ، أي المنهاج العملي للدين ، قال تعالى : وأن لو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم ماء غدقا أي إنهم إن استقاموا على تطبيق الدين كما أراده منهم ربهم فإنه سيغدق عليهم الخير والبركات ، ومن المعلوم أن للدين ثلاث مراتب ( إسلام – إيمان – إحسان ) وفي هذه المراتب الثلاث يكمن التكامل إذ لا استغناء عن أي مرتبة من الدين فأركان الإسلام من صلاة وصوم وحج وزكاة يجب أن يتحصل فيها حضور القلب وانعقاده لتصح وحضور القلب هو مرتبة الإيمان ، فلا صلاة لمن لا خشوع له ، جاء في الحديث الشريف : رب مصل ليس من صلاته إلا التعب ، ورب صائم ليس من صيامه إلا الجوع والعطش وكل الأركان حسب مرتبة الإسلام من الدين تعد خدمة وفي مرتبة الإيمان تعد قربة وفي مرتبة الإحسان تعد وصلة ، فيجب أن تجتمع هذه المراتب الثلاث في كل عمل لكي يكون صالحاً للقبول ، قال تعالى : إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه   ، ومن هذا فإن أخذ الطريقة يكون واجباً على كل الناس ليصح أن يطلق عليهم مؤمنين ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ) ، وأننا مأمورون بالتوغل في هذا الدين فلا تكفي السطحية فيه ، قال نبينا الأعظم سيدنا محمد : إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي قدس الله سره : من لم يتغلغل في علمنا هذا مات مصراً على الكبائر وهو لا يدري . ذاك لأن في مراتب الدين الثلاث مقامات وأحوال يجب أن يتخلق بها ، أولها التوكل ، ثم التوبة التي تكون على يدي شيخ عارف بالله تعالى ، متسلسل إلى رسول الله ونائباً عنه ، مأذون بأخذ العهد منه ومبايعته ، اقتداء بأصحاب رسول الله ، فيكون تابعاً له ، قال تعالى : واتبع سبيل من أناب إلي فيجاهد نفسه ويداوم على عبادة ربه وذكره لتتزكى نفسه ويصفو قلبه ، وهذا هو المراد من الدين كما قال تعالى : قد أفلح من زكاها وقوله تعالى : إلا من أتى الله بقلب سليم وبذلك يكمل دين المسلم ، وتتم له النعمة الإلهية التي خلق من أجلها .



تأريخ النشر : 25-4  -2016
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: - أبو جنيد      البلد: العراق بغداد       التاريخ: 26-06-2016
بوركتم موضوع رائع وراقي ، الحقيقة الدين باب وطريق ومناهج واساس لبناء الإيمان الحقيقي لبني البشر .


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة