الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
بركة وقت السحر 
                                                                                              


بسم الله الرحمن الرحيم
الَّلهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الوَصفِ وَٱلوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ وَالحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلِّمْ تَسليماً
( عبد الله سراج الدين )
إن الأسحار هي أوقات تجليات إلهية ، وتنزلات ربانية ، ونفحات رحمانية ، ينبغي للمؤمن أن يحرص عليها ، ويتعرض إليها ، لينال من أسرارها وأنوارها ، ومن خيرها وبرّها .
وقد نبه الله إليها عباده ، ورغب سيدنا رسول الله في اكتساب فضائلها وتلقي فيوضاتها وبركاتها .
قال تعالى:الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ ( 1) .
فقد بيّن الله تعالى في هذه الاية الكريمة فضل الأسحار ، وأنها أوقات تجليه على عباده بالغفران والإحسان والرضوان والامتنان ، ولذا اخبر أولياءه وأحبابه أنهم يستغفرون بالأسحار ، يعني : أنهم قاموا فصلّوا له سبحانه ، ثم اقبلوا على الدعاء والرجاء يسألونه ويدعونه ، وإن أحوج ما يكون إليه العبد الغفران ، فراحوا يستغفرونه .وقد أشاد القرآن الكريم بمقام الاستغفار في الأسحار حيث ذكره في عِداد نهايات المقامات العالية : الصبر والصدق والقنوت إلى آخر ما هنالك .
كما أشار إلى ملازمة أوليائه الاستغفارَ وقت السحر حيث قال : وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ ولم يقل في الأسحار ، لالتصاق استغفارهم بوقت السحر .
كما بيّن سبحانه أن هذا مقام أهل القرب والإحسان ، قال تعالى : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( 2) .
روى ابن جرير وغيره عن انس رضي الله عنه قال : أمرنا رسول الله أن نستغفر بالأسحار سبعين استغفارة .
كما بيّن سبحانه أن له فضلاً وإنعاماً خاصاً على أحبابه في الأسحار قال سبحانه : إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ نِعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ ( 3) .
وفي الأسحار تنزّلات ربانية بالأسرار والأنوار ، والفيض المدرار ، فتفتح الأبواب ، ويرفع الحجاب عن الملكوت الأعلى .
جاء في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله : ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حيث يبقى ثلث الليل الأخير الآخر فيقول : من يدعوني فاستجب له ؟ . من يسألني فأعطيه ؟ . من يستغفرني فاغفر له ؟  .
وفي رواية لمسلم : من يُقرض غير عديم – أي فقير – ولا ظلوم .
 وفي بعض الروايات هذا الحديث : هل من تائب فأتوب عليه ؟. من ذا الذي يسترزقني فأرزقه ؟. من ذا الذي يستكشف الضرَّ فأكشف عنه ؟. ألا سقيم يَستشفيني فيُشفى ؟ حتى ينفجر الفجر .
روى البخاري وغيره عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي استيقظ ليلة فقال : سبحان الله ! ماذا انزل الليلة من الفتنة – أي على أهلها – وماذا فتح من الخزائن .
وفي رواية : وماذا انزل من الخزائن – مَن يوقظ صواحب الحجرات ؟ يا رُبَّ كاسية في الدنيا ، عارية في الآخرة .
وفي الأسحار قرب القبول والرضا ، روى الترمذي – وصححه – والنسائي عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه أن النبي قال : أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر ، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله تعالى في تلك الساعة فَكُن .
وفي هذا الحديث تأكيد التنبيه إلى اغتنام المؤمن العبادة وذكر الله تعالى في جوف الليل الأخير ، لينخرط في زمرة الذاكرين الله تعالى تلك الساعة من النبيين والمرسلين والأولياء والصالحين ، وهذا ابلغ مما لو قيل : إن استطعت أن تكون ذاكراً فكن .وفي الأسحار نفحات ينبغي التعرض لها .
روى الطبراني والحكيم الترمذي عن محمد بن مسلمة رضي الله عنه عن النبي قال : إن لربكم في أيام دهركم نفحات ، فتعرضوا لها ، لعله أن يصيبكم نفحة منها فلا تشقون بعدها أبداً .
وفي رواية البيهقي قال : أطلبوا الخير دهركم كلَّه ، وتعرضوا لنفحات رحمة الله ، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده ، وسلوا أن يستر عوراتكم ، وأن يؤمّن روعاتكم .
والتعرض للنفحات هو الترقب لورودها بدوام اليقظة والانتباه من سنة الغفلة ، حتى إذا مرّت نزلت بفناء القلوب .
وقال بعض العارفين رضي الله عنهم : مقصود الحديث أن لله تعالى فيوضات ومواهب تبدو لوامعها من أبواب خزائن الكرم والمنن في بعض الأوقات ، فتهبّ فورتها ، ومقدماتها كالأنموذج لما وراءها من مدد الرحمة - الاختصاصية – فمن تعرض لها مع الطهارة الظاهرة والباطنة ، بجمع همة وحضور قلب ، حصل له منها في دفعة واحدة ما يزيد عن النعم الدارّة في الأزمنة الطويلة على طول الأعمار .
وفي الأسحار يهتز العرش سروراً وطرباً ، لعظمة سلطان تجلي رب العزة بالغفران والرضوان والجود والإحسان .
اخرج ابن أبي شيبة والإمام احمد في ( الزهد ) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : ( بلغنا أن داود عليه السلام سأل جبريل عليه السلام فقال : يا جبريل أيّ الليل أفضل ؟ فقال : يا داود ما ادري ، إلا أن العرش يهتز في السحر ) .
وقال بعضهم رضي الله عنهم : صلاة ركعتين في السحر تنور عليك القبر .
وسمع بعض الصالحين المؤذن في السحر يقول :
يا رجال الليل جدّوا *******  رُبّ    داع    لا يردُ
ما يقوم الليل  إلا ******* من   له  عز    وجــدُ
ليس شيء  كقيام  *******  الليل     للقبر     يُعَدّ
فقال العبد الصالح زدني : فقال :
قد مضى الليل وولى  *******  وحبيبي   قد    تجلى
فصاح وخرّ مغشياً عليه .
ومما سبق يتبين لك أيها المؤمن أن أوقات السحر تتطلب منك الإكثار من الدعاء والرجاء والاستغفار ، والاستمطار من خزائن الأنوار .

الفهرس :  1- آل عمران : 17 .
2 - الذاريات : 15 - 18 .
3- القمر : 35 .

تأريخ النشر : 11 - 11 - 2015
     
 
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة