الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
ثقل الأمانة   
 
 

قال الله تعالى : إنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أَهْلهَا وقال تعالى : إنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَواتِ وَالأرْضِ وَالجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً والأمانة هي الفرائض التي افترضها الله تعالى على عباده وشرط عليهم أن من أداها جوزي بالإحسان ومن خان فيها عوقب ، عرضها الله تعالى على السموات والأرض والجبال بعد أن أفهمها خطابه وأنطقها فقبلت وأطاعت وأشفقت من حمل إثمها بسبب المخالفة ، ويدل على هذا القول قوله تعالى : فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ وإن الله تعالى لما عرض عليها التكاليف أبت أن تحملها مخافة وخشية لا معصية ومخالفة ، وهو معنى قوله تعالى : وَأشفَقنَ مِنها وَحَمَلَها الإِنسانُ إِنّهُ كانَ ظَلوماً جَهولاً غرّاً بأمر ربه  .
والقول الأول صائر إلى أن أمره لها كان أمر عزم وحتم .
والقول الثاني يقول إنه كان أمر عرض لا أمر عزم ، ولهذا قال الله تعالى : ( ما يُبَدَلُ القَولُ لَديَّ ) .
 ومن معاني الأمانة:  أيضاً في نقل الكلام وفي الحفاظ على الوعد والعهد والوديعة ، قال رسول الله : ( آية المنافق ثلاثٌ : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان ) وفي رواية : وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر ، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلمٌ .
وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : حدثنا رسول الله حديثين قد رأيت أحدهما ، وأنا أنتظر الآخر : حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال (وهو أصل الشيء) ، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن ، وعلموا من السنة ، ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال : ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه ، فيظل أثرها مثل الوكت وهو (الأثر اليسير) ، ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه ، فيظل أثرها مثل أثر المجل (وهو تنقطٌ في اليد ونحوها من أثر عملٍ وغيره) كجمرٍ دحرجته على رجلك ، فنفط فتراه منتبراً (مرتفع) وليس فيه شيءٌ ، ثم أخذ حصاةً فدحرجه على رجله فيصبح الناس يتبايعون ، فلا يكاد أحدٌ يؤدي الأمانة حتى يقال : إن في بني فلانٍ رجلاً أميناً ، حتى يقال للرجل : ما أجلده ما أظرفه ، ما أعقله ، وما في قلبه مثقال حبةٍ من خردلٍ من إيمانٍ . ولقد أتى علي زمانٌ وما أبالي أيكم بايعت ؛ لئن كان مسلماً ليردنه علي دينه ، ولئن كان نصرانياً أو يهودياً ليردنه علي ساعيه (وهو الوالي عليه) وأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلاناً وفلاناً . (1)
وقال عليه : إن القتل في سبيل الله يكفر كل شيء ، أو قال : يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة : يؤتى بصاحب الأمانة فيقال له : أد أمانتك ، فيقول : أي رب وقد ذهبت الدنيا ؟ فيقال : اذهبوا به إلى الهاوية فيذهب به إليها فيهوي فيها حتى ينتهي إلى قعرها ، فيجدها هناك كهيئتها ، فيحملها فيضعها على عاتقه فيصعد بها في نار جهنم ، حتى إذا رأى أنه قد خرج زلت فهوت وهوى في أثرها أبد الآبدين ، قال : والأمانة في الصلاة ، والأمانة في الصوم ، والأمانة في الحديث ، وأشد ذلك الودائع . (2)
وقيل أودع رجل مالا كثيراً ، ثم سافر إلى مكان بعيد ، فلما قدم من سفره أراد أن يأخذ ماله ، فوجد الرجل الذي عنده المال قد مات ، وترك ولداً فاسقا قد ضيع أموال والده في المعصية ، فخاف الرجل على ماله ، فسأله عنه ، فقال : إنه محفوظ ، فلما دفعه إليه ، قال : كيف حفظته ؟ قال : إن ضيعت ديني فلا أضيع الأمانة ، فأعطاه ذلك المال ، وكان عدته خمسة آلاف دينار ، فتاب عن المعاصي ، وبارك الله له فيه ، وكان ذلك ببركة حفظ الأمانة .
وقيل : كان بمكة رجل فقير وله زوجة صالحة ، فقالت : ليس عندنا شيء ، فخرج إلى الحرم فوجد كيساً فيه ألف دينار ، ففرح به فرحاً شديداً ، وأخبر زوجته بذلك ، فقالت له : لقطة الحرم لابد فيها من التعريف ، فخرج فسمع المنادي : من وجد كيساً فيه ألف دينار ؟ فقال : أنا وجدته ، فقال : هو لك ومعه تسعة آلاف دينار ، قال : أتستهزئ بي ؟ قال : لا والله ، ولكن أعطاني رجل من أهل العراق عشرة آلاف دينار وقال : اطرح منها ألفاً في الحرم ، ثم ناد عليها ، فإن ردها من وجدها فادفع الجميع إليه ؛ لأنه أمين ، والأمين يأكل ويتصدق فتكون صدقتنا مقبولة لأمانته .
وقيل : إنه لما خلق الله الجنة نادى مناد من يشتري دار اللقاء والبقاء ، فقالت الملائكة : ما ثمنها ؟ قال : حمل الأمانة ، فقالوا : لا يحمل ثقلها ، فقال آدم : قد اشتريتها ، فقيل له : أتحمل ثقلها ؟ قال : بمعونتك ، وإن عجزت فبمشيئتك ، بك أستجير وأنت المجير ، قال : صدقت أنا جار من استجارني ، فلما وقع في الذلة قال : يا رب أنت فعلت ، أنت جار من استجار بك ، وقد استجرت بك فخذ بيدي ، فبشره جبريل بالتوبة .
وجاء بعضهم إلى ذي النون المصري ليتعلم منه اسم الله الأعظم ، فأقام عنده سنه وستة أشهر ، ثم أقسم عليه أن يعلمه فدفع إليه إناء عليه غطاء وقال : اذهب إلى فلان ، فذهب به ، ثم كشف الغطاء في أثناء الطريق ، فوثبت من الإناء فأرة ، فغضب غضباً شديداً ، ورجع إلى ذي النون المصري ، وقال : أتستهزئ بي ؟ قال له : ائتمناك على فأرة فخنتنا فيها ، فكيف أستأمنك على اسم الله الأعظم ؟
وقيل : خلق الله الأمانة على صورة صخرة ، فعرضها على السموات والأرض عرض تخيير لا عرض إلزام فأشفقن منها فقال آدم : لو أمرت بحملها لحملتها ، فحملها إلى ركبتيه ، ثم وضعها إلى وركيه ، وهما عظم الورك ، ثم وضعها ثم حملها على عاتقه ، فلما أراد وضعها قيل له : مكانك ، فهي في عنقك وعنق أولادك إلى يوم القيامة ؛ لأنك حملتها باختيارك .
وقال ابن عباس رضي الله عنه : الأمانة هي الصلاة والزكاة والحج والكيل والميزان .
قال بعض الصحابة : جاء أعرابي إلى باب المسجد فنزل عن ناقته ، ودخل فصلى صلاة كاملة ودعا دعاءً حسناً ، ثم خرج فلم يجد الناقة ، فقال : يا رب أديت أمانتك فأين أمانتي ؟ فلم يمكث حتى جاء رجل وقد قطعت يده ، فسلم إليه الناقة ، فتعجبنا من ذلك ، وأنه قال : يا رب هي في ضمانك ، فلما خرج من حرم الكعبة ولم يجدها قال : يا رب إنه ما سرق إلا منك ، وإذا برجل نزل من جبل أبي قبيس قد قطعت يده ، وهو يقود الناقة ، قال طاووس : فسألناه ما سبب ذلك ؟ قال : جاءني رجل على فرس أشهب ، فقطع يدي وقال لي : رد الناقة .
وإن قيل كيف حمل آدم الأمانة دون السموات والأرض ؟ فالجواب لأن آدم ذاق لذة الجنة فاشتاق إليها فحملها ليرجع ، وقيل حملها لأن فيه قوة محمد .
وإن عمر الإنسان أمانة كما قال بعض العارفين : إن للّه تعالى إلى عبده سرّين يسرهما إليه يوجده ذلك بإلهام يلهمه ، أحدهما إذا ولد وخرج من بطن أمه يقول له : عبدي قد أخرجتك إلى الدنيا طاهراً نظيفاً واستودعتك عمرك وائتمنتك عليه ، فانظر كيف تحفظ الأمانة وانظر كيف تلقاني كما أخرجتك ، وسرّ عند خروج روحه يقول: عبدي ماذا صنعت في أمانتي عندك ؟ هل حفظتها حتى تلقاني على العهد والرعاية فألقاك بالوفاء والجزاء ؟ أو أضعتها فألقاك بالمطالبة والعقاب ؟ قال الله عز و جل : والَّذينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وقال تعالى : وأَوْفُوا بِعَهْدي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وهكذا فان عمر العبد أمانة عنده إن حفظه فقد أدى الأمانة ، وإن ضيّعه فقد خان اللّه ، إن الله لا يحبّ الخائنين .
وجاء في الخبر : أن من ضيع فرائض اللّه عزّ وجلّ خرج من أمانة اللّه وعند التوبة النصوح تكفير السيئات ودخول الجنات . وجاء في اللطائف ، أن من فوائد حمل الأمانة :
الأولى : لما حمل المؤمن الأمانة حرم الله عليه النار كما حرم الله على الحمار الأهلي الذبح والنار في الدنيا لأنه حمل متاع المؤمن والكافر لما هرب من الأمانة سلط الله عليه القتل في الدنيا والنار في الآخرة كالحمار الوحشي لما هرب من المؤمن أباح الله ذبحه وأكله .
الثانية : إذا حملت الجارية من سيدها حرم الله بيعها وتحتم عتقها ، كذلك المؤمن لما حمل الأمانة امتنع بطريق التفضل والإمتنان من الله تعذيبه .
الثالثة : لما ابتلع الحوت يونس قصد إليها صاحبها( ذكر الحوت) فقالت اعتزل عني فإن معي الأمانة فلا أضيعها لأجل الشهوة . وقد ورد في الحديث الشريف : يطبع المؤمن على كل شيء ليس الخيانة والكذب ويقول الله : أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه وأن أول ما يرفع من الناس الأمانة وآخر ما يبقى الصلاة ورب مصل لا خير فيه . (3)
وعن خيانة الأمانة قال الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ، وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ وهذه الآية نزلت في أبي لبابة في قصة بَني قُرَيْظَةَ . حين حاصرهم رسول الله إِحْدَى وعشرين ليلةً ، فَسَأَلوا الصُّلْحَ كما صَالَحَ إِخْوانَهُمْ بَني النَّضِير ، عَلَى أَنْ يَصيروا إلى إخوانهم بأذْرِعَاتٍ وأريحا من الشَّام ، فأبَى إلا أن يَنْزِلوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، فَأبَوْا وقَالوا : أرْسِل لنا أبا لُبَابَةَ ، وكان مُنَاصِحاُ لهُمْ ؛ لأنَّ عيَالهُ ومَالَهُ في أَيْدِيِهِمْ ، فَبَعَثَه إليْهِمْ ، فقالوا : ما تَرَى ؟ هَلْ نَنْزِلُ على حُكْم سَعْدٍ؟ فأَشارَ إلى حَلْقِهِ ، أنه الذَّبْحُ ، فقال أبو لُبَابَة : فما زَالت قَدَمَاي حَتَّى عَلِمْتُ أَنِّي قَدْ خُنْتُ الله ورسُولَهُ ، فنزل وشدَّ نَفْسَهُ إلى ساريةٍ في المسجد ، وقال : والله لا أَذُوقُ طعاماُ ولا شَرَاباً حتى أمُوتَ ، أوْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ ، فَمَكَثَ سَبْعَةَ أيام حتى خَرَّ مَغْشِيّاً عَلَيهِ ، ثم تَابَ اللَّهُ فَقِيلَ لَهُ؛ تِيب عَلَيْكَ فحُلّ نفسك ، فقال : لاً والله أحلها حتى يكون رسول الله هو الذي يحلني ، فجاء رسول الله فحلَّه ، فقال : إِنَّ من تَمام تَوْبَتِي أن أَهْجُرَ دَارَ قَوْمِي الّتِي أصَبْتُ فيها الذَّنْب ، وأن أنخَلِعَ من مَالِي ، فقال : « يَجْزِيكَ الثُّلثُ أنْ تَتَصَّدَّقَ بِه » . فالخيانة ليست من شأن الكرام ، بل هي من شأن اللئام . قال الله تعالى : إن الله لا يهدي كيد الخائنين أي لا يرشد كيد من خان أمانته يعني أنه يفتضح في العاقبة بحرمان الهداية قال عليه : لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له . (4)


المصادر :
1- رياض الصالحين للنووي – ج1ص35
2- جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي – ج48ص11
3- نزهة المجالس ومنتخب النفائس للصفوري – ج1ص223
 .- تفسير البحر المديد لابن عجيبة – ج2ص349

تأريخ النشر : 6 - 11 - 2015
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: خليفة رياض البصري      البلد: العراق\البصرة       التاريخ: 31-03-2016
احسنتم النشر وجزاكم الله خير الجزاء ......ألَّلهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ٱلوَصفِ وَٱلوَحْيِ وَٱلرِّسَالَةِ وَٱلحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلِّمْ تَسليماً..


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة