الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق


حين نتكلم عن مكارم الأخلاق عند رسول الله فإننا نتكلم عن من علاها وسادها ، كما امتدحه رب العزة بذلك فقال : وإنك لعلى خلق عظيم فكل خلق عظيم هو فوقه .
ورد عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ما كان أحد أحسن خلقا من رسول الله ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال : لبيك ، فلذلك أنزل الله عز وجل : وإنك لعلى خلق عظيم .
روي عن زيدً بن ثابت انه قال : « إن النبي كنا إذا جلسنا إليه إن أخذنا بحديث في ذكر الآخرة أخذ معنا ، وإن أخذنا في ذكر الدنيا أخذ معنا ، وإن أخذنا في ذكر الطعام والشراب أخذ معنا ، فكل هذا أحدثكم عن رسول الله » وبإسناده قال : قلنا لزيد بن ثابت : أخبرنا عن أخلاق ، رسول الله ؟ فقال : عن أي أخلاقه أخبركم ؟ كنت جاره ، فإذا أنزل عليه الوحي بعث إلي فأكتبه ، وكنا إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا ، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا ، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا .
وعن جابر بن سمرة ، قال : قلت له : أكنت تجالس رسول الله ؟ قال : نعم ، كان طويل الصمت ، وكان أصحابه يتناشدون الشعر عنده ، ويذكرون أشياء من أمر الجاهلية ويضحكون ، فيبتسم معهم إذا ضحكوا .
ومن لين جانبه لأصحابه عليه الصلاة والسلام أن أحد الصحابة قال : أكلت ثوماً فانتهيت إلى المصلى وقد سُبقتُ بركعة ، فلما دخلت المسجد ، وجد رسول الله ريح الثوم ، فلما قضى صلاته قال : من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا حتى يذهب ريحها ، أو ريحه ، فلما قضيت صلاتي جئت إلى رسول الله فقلت : يا رسول الله ، والله لتعطيني يدك ، فأعطاه يده ، فأدخلت يده في كمي ، فوضعها على صدري ، فإذا أنا معصوب الصدر ، فقال : أما إن لك عذراً .
وعن جرير : « أن النبي دخل بعض بيوته ، فامتلأ البيت ، ودخل جرير فقعد خارج البيت ، فأبصره النبي ، فأخذ ثوبه فلفه ورمى به إليه ، وقال : اجلس على هذا ، فأخذه جرير ، ووضعه على وجهه ، وقبله » .
وعن سيدنا الحسن البصري قدس الله سرهفي قوله عز و جل : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ) قال : هذا خلق سيدنا محمد ، نعته الله عز و جل .
وعن أنس بن مالك ، قال : صحبت رسول الله عشر سنين ، وشممت العطر كله ، فلم أشم نكهة أطيب من نكهته ، وكان إذا لقيه واحد من أصحابه قام معه فلم ينصرف حتى يكون الرجل ينصرف عنه وإذا لقيه أحد من أصحابه ، فتناول يده ، ناولها إياه ، فلم ينزع منه حتى يكون الرجل هو الذي ينزع عنه ، وإذا لقيه أحد من أصحابه فتناول أذنه ، ناولها إياه ، فلم ينزعها عنه حتى يكون الرجل هو الذي ينزعها منه .
وعن أنس بن مالك : « أن امرأة ، كان في عقلها شيء ، فقالت : يا رسول الله إن لي إليك حاجة ، فقال رسول الله : يا أم فلان خذي في أي الطريق شئت ؟ قومي فيه ، حتى أقوم معك فخلا معها رسول الله يناجيها حتى قضت حاجتها » .
ومن جميل خلقه : أنه ما خير في أمرين إلا اختار أيسرهما ، ما لم يكن إثماً فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه ، وما انتقم عليه الصلاة والسلام لنفسه ، إلا أن تنتهك حرمة الله عز وجل .
وأنه ذات مرة أدركه أعرابي فأخذ بردائه فجبذه جبذة شديدة ، فأثرت في عنقه حاشية الرداء من شدة جبذته ، ثم قال : يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك ، فالتفت إليه رسول الله ، فضحك وأمر له بعطاء .
ومن خلقه عليه أنه كان حيياً لا يُسأل شيئاً إلا أعطى . وأنه ذات مرة جاء رجال من الأنصار ، فخاصموا الزبير في شرج من شراج الحرة التي يسقون بها الماء ، فغضب الأنصاري ، وقال : يا رسول الله ، أن كان ابن عمتك ، فتلون وجه النبي ، وقال : اسق يا زبير ، ثم احبس الماء ، حتى يبلغ الجدر ، ثم أرسل الماء إلى جارك .
وذات مرة أنه صلى الله تعالى على ذاته وصفاته قسم قسماً فقال رجل من الأنصار : إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله ، فذكرت ذلك للنبي ، فاحمر وجهه وقال : رحمة الله على موسى ، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر .
ومن شجاعته وعفوه عند المقدرة عليه الصلاة والسلام أن الإمام علي كرم الله وجههقال : « لقد رأيتني يوم بدر ، ونحن نلوذ بالنبي ، وهو أقربنا إلى العدو ، وكان من أشد الناس يومئذ بأسا » .
وأنه قاتل محارب بن خصفة ، فرأوا من المسلمين غرة ، فجاء رجل حتى قام على رسول الله بالسيف ، فقال : من يمنعك مني ؟ قال : الله ، فسقط السيف من يده ، فأخذ رسول الله السيف ، فقال : من يمنعك مني ؟ قال : كن خير آخذ قدر ، قال : أتشهد ألا إله إلا الله ، وأني رسول الله ؟ قال : لا ، غير أني لا أقاتلك ، ولا أكون معك ، ولا أكون مع قوم يقاتلونك ، فخلى سبيله ، فجاء أصحابه ، فقال : جئتكم من عند خير الناس .
وكان الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجههإذا وصف النبي قال : « كان أجود الناس كفا ، وأجرأ الناس صدرا ، وأصدق الناس لهجة ، وأوفاهم بذمة ، وألينهم عريكة ، وأكرمهم عشرة ، من رآه بديهة هابه ، ومن خالطه فعرفه أحبه ، لم أر قبله ولا بعده مثله ، » .
وعن ابن عمر ، قال : « ما رأيت أحدا أجود ولا أنجد ولا أشجع ولا أرضى من رسول الله » .
ومن كرمه وجوده وعظيم سخائه كان إذا رجع ومعه الناس مقفلة من حنين علقت الأعراب يسألونه ، حتى اضطروه إلى سمرة (نوع من شجرة الطلح )، فخطفت رداءه ، فوقف رسول الله وقال : أعطوني ردائي ، لو كان لي عدد هذه العضاه نعما لقسمته بينكم ، ثم لا تجدوني بخيلا ، ولا كذابا ، ولا جبانا .
وأتى رجل إلى النبي فسأله ، فأعطاه غنما بين جبلين ، فأتى الرجل قومه ، فقال : أسلموا ، فإن محمدا يعطي عطاء رجل ما يخاف فاقة .
وأنه قدم عليه سبعون ألف درهم ، وهو أكثر مال أتي به قط ، فوضع على حصير ، ثم قام إليها يقسمها فما رد سائلا حتى فرغ منه .
وأن رجلا أتاه يسأله عليه الصلاة والسلام ، فقال : ما عندي شيء ، ولكن ابتع علي ، فإذا جاءنا شيء قضيناه ، قال عمر رضي الله عنه : فقلت : يا رسول الله ما كلفك الله مالا تقدر عليه ، قال : فكره النبي فقال رجل : أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالا ، فتبسم النبي وعرف السرور في وجهه .
وعن حرصه على أصحابه ما قاله ابن مسعود أن رسول الله قال : « لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئا ، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر » .
وعن جابر : « أن رسول الله جعل يقبض للناس يوم حنين من فضة في ثوب بلال ، فقال له رجل ، يا نبي الله اعدل ، فقال النبي : ويحك فمن يعدل إذا لم أعدل ؟ فقد خبتُ إذن وخسرتُ  إن كنت لا أعدل – حاشاه - فقام عمر ، فقال : ألا أضرب عنقه ؟ فإنه منافق ، فقال : معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي » .
وعن رفقه وشدة حلمه عليه الصلاة والسلام نتكلم حيث أن أعرابيا ، جاء إلى النبي يستعينه في شيء ، فأعطاه شيئا ، ثم قال : أحسنت إليك ؟ فقال الأعرابي : لا ، ولا أجملت قال : فغضب المسلمون ، وقاموا إليه ، فأشار إليهم أن كفوا . قال عكرمة : قال أبو هريرة : ثم قام النبي فدخل منزله ، ثم أرسل إلى الأعرابي ، فدعاه إلى البيت ، فقال : إنك جئتنا فسألتنا ، فأعطيناك ، فقلت : ما قلته ، فزاده رسول الله شيئا ، ثم قال : أحسنت إليك ؟ قال الأعرابي : نعم ، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا ، فقال له النبي : إنك كنت جئتنا فسألتنا ، فأعطيناك ، وقلت ما قلت ، وفى أنفس أصحابي شيء من ذلك ، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي ، حتى تذهب من صدورهم ما فيها عليك . قال : نعم . قال عكرمة : قال أبو هريرة : فلما كان الغد أو العشي ، جاء فقال رسول الله : إن صاحبكم هذا كان جاء فسألنا ، فأعطيناه ، وقال ما قال ، وإنا دعوناه إلى البيت فأعطيناه فزعم أنه قد رضي ، أكذلك ؟ قال الأعرابي : نعم ، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا . قال أبو هريرة : فقال النبي : ألا إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه ، فاتبعها الناس ، فلم يزيدوها إلا نفورا ، فناداهم صاحب الناقة : خلوا بيني وبين ناقتي ، فأنا أرفق بها وأعلم ، فتوجه لها صاحب الناقة بين يديها وأخذ لها من قمام الأرض ، فردها هونا هونا هونا حتى جاءت واستناخت وشد عليها ، وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال ، فقتلتموه ، دخل النار .




المصدر : كتاب أخلاق النبي لأبي الشيخ الأصبهاني (بتصرف).

تأريخ النشر : 20 - 8 - 2015      
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة