الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
بيان مشروعية التبرك بالأنبياء و الأولياء و الصالحين


 يقول الدكتور محمد سيد سلطان :
 حينما نعمد إلى مناقشة قضية التبرك نجد فداحة جرم خصوم التصوف في رميهم للصوفية بالشرك ، وعبادة الجبت والطاغوت لا حدود لها ، فإن أمر التبرك في جوهرة لا يخرج عن التماس البركة .. وهي كثرة الخير والنفع . ممن جعلها الله تعالى فيه ، أو مما وضعت فيه بتقدير الله تعالى وتأثيره على التوحيد والانفراد ..
و الحكم على الشيء فرع عن تصوره فلنبدأ ببيان معنى التبرك ثم بيان مواضعه من القران والسنة والآثار .

معنى التبرك في اللغة : 
 التبرك : مصدر تبرك يتبرك تبركا ، وهو طلب البركة ، وجاء في بعض كتب اللغة : تبركت به أي تيمنت به واليمن : البركة ، وقد يمن فلان على قومه فهو ميمون إذا صار مباركا عليهم ، و تيمنت به تبركت .
وقال ابن الأثير و قد تكرر ذكر اليمن في الحديث وهو البركة وضده الشؤم .
واصل البركة في اللغة العربية الثبوت والدوام ، جاء في كتاب معجم مقايس اللغة : برك ، الباء والراء والكاف أصل واحد وهو ثبات الشيء .
وقال الراغب الأصفهاني : برك البعير ألقى ركبه ، واعتبر منه معنى اللزوم فقيل : ابتركوا في الحرب أي اثبتوا ولازموا مواضع الحرب .. ثم قال : البركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء قال تعالى وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ( الأعراف الآية 69 ) . وسمى بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البركة ، والمبارك ما فيه ذلك الخير .. وهذا هو المعنى الأول للبركة .

والمعني الثاني للبركة :
أنها تطلق على النماء والزيادة .
جاء في كتاب جمهرة اللغة لابن دريد : يقال : لا بارك الله فيه أي لا نماه ، وفي معجم مقاييس اللغة ، وقال الخليل : البركة من الزيادة والنماء .
وقد وردت هذه اللفظة في القران الكريم بتصريفها في أربعة وثلاثين موضعا على ثماني صيغ هي : ( بارك – باركنا – بورك – تبارك – بركات – بركة – مباركة – مبارك – ) وهي كلها تدور حول هذين المعنيين . 
أما في الحديث الشريف فقد وردت لفظة البركة وما تصرف منها في مواضع كثيرة ، ما يقارب مائة وثلاثين مرة بصيغ متعددة منها :
برك ، أي دعا بالبركة ، ومنها : بارك ، وبورك ، ويبارك ، ومبارك ، ومباركة ، وتبارك ، وتباركت ، والبركة .
وهي كلها تدور حول المعنيين الواردين في القران الكريم كما سبق ، ومن شواهد الحديث الشريف على انه يقصد بالبركة : كثرة الخير قصة السيدة جويرية بنت الحارث بن المصطلق أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها حين اعتق الصحابة سباياهم من بني المصطلق لما تزوج رسول الله بها ، وقد قالت السيدة عائشة رضي الله عنها : ( فما رأينا امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها ، اعتق  بسببها مائة من أهل بيت  بني المصطلق ) .

التبرك بالنبي صلى الله تعلى عليه وآله وسلم :
 لا يشك مسلم في أن النبي أفضل الأنبياء والمرسلين وسيد ولد آدم أجمعين .. وأكرم الأولين والآخرين ورحمة الله للعالمين .
ذلك بان الله تعالى اختاره من بين سائر خلقه واصطفاه من البشر كلهم ليكون أفضل أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام وهذا فضل الله تعالى يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم .
ومن فضائله بركاته الكثيرة المتنوعة ، فيما لا شك فيه أن سيدنا مبارك في ذاته وآثاره ولهذا فأن صحابته ورضي الله تعالى عنهم تبركوا بذاته وبآثاره الحسية المنفصلة عنه في حياتهم وأقرهم على ذلك ولم ينكر عليهم ، ثم جاء التابعون من سلف الأمة وتبركوا بها بعد وفاته ، وهذا ما يدل على مشروعية التبرك بالإجماع السكوتي وينبغي أن يعلم انه لا يصاحب هذا التبرك من جهة الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح شيء يعارض أو يناقض توحيد الله تعالى ، وان هذه ليس من باب الغلو المذموم ، وإلا لنبه على ذلك رسول الله صحابته فينظر إذن إلى هذا على انه تكريم وتشريف من الخالق جل وعلا .. لصفوة خلقه وما ينفصل عنه من آثاره الحسية حيث وضع الله تعالى في ذلك الخير كله والبركة .

تبرك الصحابة بذاته صلى الله تعلى عليه وآله وسلم :
آثاره في حياته :

هناك نماذج نقلت ألينا نقلا صحيحاً من الأخبار والآثار من تبرك جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم بسيدنا محمد أثناء حياته بذاته الشريفة وبآثاره المباركة .
وروي البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه انه قال : كان رسول الله إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بأنيتهم فيها الماء ، فما يؤتي بإناء إلا غمس يده فيها ، فربما جاءوا في الغداة البادرة فيغمس يده فيها .
وفي الصحيحين عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه قال : خرج رسول الله بالهاجرة إلى البطحاء فتوضأ ثم صلى الظهر ركعتين ، والعصر ركعتين ، وفيه قام الناس يأخذون بيده فيمسحون بها وجوههم ، قال فأخذت بيده ووضعتها على وجهي ، وإذا هي ابرد من الثلج وأطيب رائحة من المسك .
وهناك آثار في الصحيحين وغيرهما تبين تبرك الصحابة بشعره وحب اقتنائه عندهم ، وكذلك التبرك بريقه ونخامه وعرقه الشريف ودمه الطاهر ، وأظافره المباركة ، وثيابه العطرة ، وبما لمسه بيده الشريفة ، والمكان الذي صلى فيه وبفضل شربه وطعامه وأوانيه وبفضل وضوئه ومن أراد الاستزادة فعليه بالرجوع إلى دواوين السنة ففيها التفصيل الكثير في ذلك والحق أحق أن يتبع ..

التبرك بآثار النبي صلى الله تعلى عليه وآله وسلم بعد وفاته :
قد يقول المعترض أن هذا التبرك جائز في حال حياته فقط ، أما بعد وفاته فلا يصح ولا يجوز .
وهذا قول بغير غلو ولا هدى ولا كتاب منير ، فقد ثبت أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين تبركوا بآثاره وبعد وفاته وكذلك التابعين ..
وقد عقد البخاري باباً بعنوان : باب ما ذكر من درع النبي وعصاه وسيفه وقدحه وخاتمه , وما استعمل الخلفاء بعده من ذلك مما لم يذكر قسمته ، ومن شعره ونعله وآنيته مما تبرك به أصحابه وغيرهم بعد وفاته ثم ساق البخاري رحمه الله تعالى جملة من أحاديث هذا الباب ، وذلك في الجزء الرابع ص 64 وما بعدها فراجعها هناك . وجاء في صحيح مسلم أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما أنها أخرجت جبة طيالسة – أي سوداء- وقالت : هذه كانت عند عائشة حتى قبضت فلما قبضت قبضتها ، وكان النبي   يلبسها فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها ( ج 3 / 1641 ) ويكفى هذا الدليل .
ومن الأدلة الواضحة على جواز التبرك ما جاء في كتاب ( البداية والنهاية ) لابن كثير فيما بخص بردة النبي حيث قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى ، وقد توارث بنو العباس هذه البردة خلفاً عن سلف وكان الخليفة يلبسها يوم العيد على كتفيه ، ويأخذ القضيب المنسوب إليه صلوات الله وسلامه عليه في إحدى يديه ، فيخرج وعليه من السكينة والوقار ما يصدع به القلوب ويبهر به الإبصار .
وعلى أي  حال فان التبرك الاسمىى و الأعلى برسول الله هو إتباع ما أثر عنه من قول أو فعل أو وصف مع السير على منهاجه ظاهراً وباطناً يقول الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى : ( كان أهل المدينة لما قدم عليهم النبي يعيشون في بركته لما آمنوا به وأطاعوه ، فببركته ذلك حصل لهم سعادة الدنيا والآخرة ، بل كل مؤمن آمن بالرسول وأطاعه حصل له من بركة الرسول بسبب إيمانه وطاعته من خير الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله تعالى .

ما ورد في القرآن الكريم من مشروعية التبرك بالآثار :
وقد أثبت القران الكريم بركة للذوات – أي الأشخاص الفاضلة - وبركة للآثار التابعة للذوات الكريمة ، وبركة للاماكن والبقاع التي خصها الله تعالى بمزيد من الخيرية .
فيشهد للنوع الأول قوله تعالى – حكاية عن سيدنا عيسى عليه السلام : وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ( سورة مريم : 31 ) ، وقوله تعالى : رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ، ( سورة هود : الآية  73 ) .
ويشهد للنوع الثاني قوله تعالى : وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ( البقرة : 248 ) ، وقد فسر الإمام البيضاوي هذه البقية بأنها : رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وعمامة هارون ، وقيل كان فيه قفيز من المن الذي كان ينزل عليهم .. وقال في تفسير : تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ   ، قيل رفعها الله بعد موسى فنزلت به الملائكة وهم ينظرون إليه .
فانظر كيف كان تعظيم الله لهذه الأشياء جعل الملائكة تحملها وفيها نعل موسى عليه السلام المباركتان ، وعصاه ، وعمامة هارون عليه السلام ما أعظم عناية الله بهذه الأشياء .
أولا : بالحفظ لها زمان موسى عليه السلام إلى زمان داود عليه السلام وهي مدة طويلة .
ثانيا : يحمل الملائكة لها لكونها من آثار هذين العبدين الصالحين .
فما ابرك هذا النعل وسائر ما حواه الصندوق من بقية ملبوسهم ومأكولهم تحمله الملائكة بأمر الله تعالى . وما أعظم هذا التشريف من الله لآثارهما وقد جعلها الله آية لمن يؤمن ، بخلاف من لا يؤمن فانه محجور عن رؤية آيات الله تعالى . محروم عن معرفة بركتها  وشرفها مادة ومعنى ولذلك قال الله تعالى في ختام الآية إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فشرط الإيمان لمعرفة آياته فتح الله أقفال قلوبنا لفهم ما يريده منا .
كما يشهد للتبرك بالآثار في القران الكريم قوله تعالى – في قصة سيدنا يوسف عليه السلام : أذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا الخ الآيات المذكورة في القصة من 93 الى 96 في سورة يوسف .
فانظر كيف أمر سيدنا يوسف عليه السلام إخوته بإلقاء أثره المبارك وهو القميص على وجه أبيه يعقوب عليه السلام الذي ابيضت عيناه من الحزن ، فلما ألقاه على وجهه أرتد بصيرا ، ولم يرم احد سيدنا يوسف ولا سيدنا يعقوب عليهما السلام بالإشراك ولا بعابد القميص واتخاذه وثناً .
فيا قوم تدبروا كتاب الله ترشدوا ولا تضلوا بأهوائكم .
ومن ذلك قوله تعالى : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى  ( البقرة : 125 ) .
فقد أمرنا الله تعالى : أن نتخذ من مقام إبراهيم مصلى نصلي فيه ، والحكمة في ذلك إنما هو التماس البركة في آثار قدمه الشريفة والموضع الذي كان فيه الحجر حين وضع عليه قدميه عند بناء الكعبة ، وحين قام عليه يؤذن في الناس بالحج ويقول : يا أيها الناس أجيبوا ربكم ، صححه الحافظ في فتح الباري من رواية الفاكهي بإسناد صحصح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنها .
وقد عظم الله تعالى هذا المقام وجعله من آياته البينات فقال تعالى : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ  ( آل عمران : 96 ) .
فجعل أثر العبد الصالح من آياته البينات ، وكذلك سائر آثار عباد الله الصالحين فلم تزل معظمة من قديم الزمان في سالف الأمم .
والصلاة والعبادة في آثارهم لها بركة عظيمة وثوب كبير ، ليس لغيرها مثلها ولذلك كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يطلبون من النبي أن بشرف بيوتهم فيصلي لهم فيها فيبقى محل صلاته موضعاً لالتماس البركة فيها أبداً ، كان علية الصلاة والسلام يحبهم لذلك كما ثبت في البخاري وغيره .
وفي التبرك بآثار الصالحين من غير الأنبياء ، أهل الكهف الذين قال الله تعالى في شأنهم : قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (سورة الكهف : الآية 21 ) فالذين غلبوا على أمرهم هم المؤمنون الذي يصلون كما ذكر جمهور المفسرين ، وذلك التبرك بآثارهم حيث يعبدون الله تعالى فيه عندهم ، وبالقرب منهم لما يعلمون من مضاعفة الأجور في آثار أولئك الصالحين ، وفي هذه دليل على أن آثار الصالحين لا تخلو من البركة والتماسها في آثارهم قربة ، وعمارة المساجد عليهم لعبادة الله ، فيه سنة من سنن الله تعالى .

فتوى الإمام احمد بجواز تقبيل القبر النبوي والتبرك به :
لقد نقل عن العلامة المقري المكي في كتابه ( فتح المتعال بصفة النعال ) نقلاً عن ولي الدين العراقي أنه قال : اخبرني الحافظ أبو سعيد بن العلا قال : رأيت في كلام احمد بن حنبل في جزء قديم عليه خط ابن ناصر وغيره من الحفاظ أن الإمام احمد بن حنبل في جزء قديم عليه خط ابن ناصر وغيره من الحفاظ أن الإمام أحمد سئل عن تقبيل قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وتقبيل منبره فقال : لا بأس بذلك ، قال العراقي ، فأريناه ابن تيمية فصار يتعجب من ذلك ويقول : احمد عندي جليل ، هذا كلامه أو معنى كلامه ، قال الحافظ العراقي وأي عجب في ذلك وقد روينا عن الإمام احمد أنه غسل قميصاً للشافعي وشرب الماء الذي غسله به ، أي تبركاً به .
بل قد روي ابن تيمية نفسه تبرك احمد بآثار الشافعي .
 وفي الحكايات المنشورة للإمام المحدث الحافظ الضياء المقدسي أن الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي أصيب بدمل أعجزه علاجه ، فمسح به قبر الإمام احمد بن حنبل تبركاً فبرئ .
وفي تاريخ الخطيب ، أن الإمام الشافعي كان يتبرك بزيارة قبر الإمام أبي حنيفة مدة إقامته بالعراق ، كما صح عنه أنه كان يتبرك بغسالة قميص الإمام احمد ، فكان يأخذ منها ما يمسح به وجهه وأعضاءه كما ذكر أصحاب الطبقات وغيرهم .
وإذا كان هذا تعظيمه لأهل العلم فما بالك بمقادير الصحابة ؟ وكيف بآثار الأنبياء عليهم السلام .
وقد صنفه العلامة المحدث الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري رسالة لطيفة في هذا الباب عنوانهما ( إعلام النبيل بجواز التقبيل ) قال فيها : أما تقبيل غير الأعضاء فقد تقدم أن أبا العالية قبل تفاحة تبركا بمسها لكف أنس رضي الله تعالى عنه ، وأجاز احمد تقبل قبر النبي .
وأجاز ابن أبي الصيف والمحب الطبري تقبيل قبور الصالحين ، وأخرج ابن عساكر بسند جيد عن أبي الدرداء قصة نزول بلال ( بداريا ) بعد فتح بيت المقدس ، قال : من ثم إن بلالاً رأى النبي وهو يقول : ما هذه الجفوة يا بلال ؟ أما أن لك أن تزورنا   فأنتبه حزيناً خائفاً فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبي فجعل يبكي ويمرغ وجهه على القبر .. الخ القصة ، من كان ذلك بحضور الصحابة فلم ينكر عليه أحد .
واخرج الإمام احمد في مسنده والحاكم في المستدرك قالا أقبل مروان يوماً فوجد رجلاً واضعاً جبهته على القبر ، فقال : أتدري ما تصنع ؟ فأقبل عليه فإذا أبو أيوب الأنصاري فقال: جئت رسول الله ولم آت الحجرة ، وسمعت رسول الله يقول : (لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله ، ولكن ابكوا على الدين إذا وليه غير أهله ) .
والعجب أن ابن تيمية يصرح بترخيص الإمام أحمد وغيره في التمسح بالمنبر إذا قال في اقتضاء الصراط المستقيم . فقد رخص أحمد وغيره في التمسح بالمنبر والرمانة هي موضع مقعد النبي .
وما حرص سيدنا أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما على الدفن بجواره إلا للتبرك به .
ومرجع هذا كله طلب البركة ، وفيه توجه الى الله تعالى بما له تعلق برسول الله وسائر أحبابه ، وإذا صح استنزال الرحمة بما هو من الجمادات لتعلقه من قرب أو بعد بذاته الشريفة وذوات سائر أحباب الله تعالى .. يصح التوسل بالأولى بذاته الشريفة وذوات سائر أحبابه تعالى .
قال العلامة شهاب الدين الخفاجي في حاشيته على شرح الشفا لملا علي القارئ : ان هذا يدل على جواز التبرك بالأنبياء والصالحين وآثارهم ، وبما يتعلق بهم ، ولا عبرة بمن اذكر ذلك من جهلة عصرنا ، وقطع الشجرة التي وقعت عندها بيعة الرضوان إنما كان لقرب عهد كثير من الناس يومئذ بالجاهلية لا منعاً للتبرك ، إذ هو نفسه رضي الله عنه قد طلب أن يدفن بجوار رسول الله رجاء أن تصيبه بركة ذلك .

سبب قطع شجرة البيعة :
التحقيق أن سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه لم يقطع الشجرة ، وإنما جاء بعض الصحابة العام القابل من البيعة فبحثوا عن الشجرة فخفيت عليهم ، ولعله قطع بعض الشجر الذي ظنه الناس شجرة البيعة ، وفي حديث مسلم ( 3459، 3460 ) عن سعيد بن السميب عن أبيه أنهم كانوا عند رسول الله عام الشجرة قال : فنسوها من العام المقبل ، وهو عند البخاري ( 3845 ) عن سعيد بن المسيب قال : حدثني أبي انه كان فيمن بايع رسول الله تحت الشجرة .. قال : فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها ، ونحوه عند البخاري ( 3844 ، 3461 ) وعند مسلم ( 3461 ) .
وعلى تقدير قطع عمر للشجرة عينها ، أو لشجرة ظنها الناس شجرة البيعة فقد قال الشيخ محمد زكي إبراهيم رحمه الله تعالى في رسالة الزيارة هو عمر الذي أمر بقطع شجرة البيعة التي كان يتبرك بها الناس هو عمر الذي لم يردم ( بئر حاء) وقد كان ولا يزال يتبرك بها الناس .
ثم قال : من العجب أن هؤلاء الذين يستشهدون بفعل عمر هنا هم الذين يخالفون فعل عمر بصلاة التراويح عشرين ركعة ويصلونها ثمانية ، فليس الأمر ديناً ، وإنما هو شهوة المخالفة ، وعلى كل حال فإن قطع الشجرة إن ثبت لا يمس جانب التبرك وبآثاره الذي قد ثبت بالأدلة الصحيحة القطعية .

الحاصل في مشروعية التبرك والتقبيل :
هذه هي سماحة الإسلام بلا ابتداع ولا هوى ، وإنما إباحة ما أحله الله وتحريم ما حرم بلا شطط أو غلو أو احتكار للحكم في دين الله بالتعصب المذهبي ، فلماذا يا بني الإسلام تحيد عن سماحة الإسلام إلى الغلو فيه ؟ وإخراج أهله منه اكبر عند الله .
يقول الشيخ صالح الجعفري رضي الله تعالى عنه في قصيدته روضة القلوب والأرواح :

لماذا يا بني الإسلام تطغى ******  ونهدم ديننا كالهادمينا
يكفر بعضنا بعضا جهــارا ******  على فعل رآه القوم دينا


لقد قال احد الإثبات الفقهيين في دين الله تعالى في سماحة ويسر وهو العلامة السمنودي في هذا الباب من كتابه ( سعادة الدارين ) ما نصه : فقد صرح غير واحد من الأئمة بإباحة التمسح وتقبيلها وتمريغ الخد عليها بقصد التبرك ، ومنع من ذلك بعضهم ، لكنه قال بالكراهة لا بالحرمة فضلاً عن التكفير .
سيقول الخصماء : إن الشيخ السمنودي وأمثاله من المتصوفة الذين لا يحتج به عندهم ، مع انه يحتكم في كتابه القيم إلى الأدلة النقلية والعقلية الصريحة .
ونقول لهم : فما تقولون فيما قرره العديد من الفقهاء شيوخ الإسلام كالإمام البيجوري والعلامة الرملي والفقيه البجيرمي ونحوهم ممن تربى على أيديهم ألوف العلماء وعلى كتبهم ممن لا يحصون عددا من علماء الأمة وفقهائها .

فتاوي الفقهاء بجواز التقبيل للتبرك :
لقد قال الإمام شيخ الإسلام الشيخ إبراهيم البيجوري في حاشيته على شرح ابن قاسم في فقه الشافعية ، وهذه الحاشية لا تزال تدرس إلى الآن في المعاهدة الأزهرية ، ما نصه : ( ويكره تقبيل القبر واستلامه ، ومثله التابوت الذي يجعل فوقه ، وكذا تقبيل العتاب عند الدخول لزيارة الأولياء ، إلا إن قصد به التبرك بهم فلا يكره ) .
وقال الشيخ العلامة سليمان البجيرمي في حاشيته ( تحفة الحبيب عل شرح الخطيب ) تعليقا على قول الشارح في كتاب الصلاة : ومما يحرم ما يفعله كثير من الجهلة من السجود بين يدي المشايخ ولو إلى القبلة ، قال : (هل مثله ما يقع لبعضهم من الانحناء إلى حد الركوع أو ما زاد عنه بحيث يقرب إلى السجود أو لا ؟ فيه نظر ، ولا يبعد أنه مثله ، وأما تقبيل أعتاب المشايخ فمستحب لا بأس به ) .
إما ما يكون من بعض العوام من أخطاء في الأقوال أو الأعمال فإن حسن نياتهم وصفاء إيمانهم يعصمهم من كل زلة تخشى قال تعالى : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا  ( الأحزاب : 5 ) .
وعلى العالم أن يبصر الجاهل بالحكمة والموعظة الحسنة ، فإنه ليس من حق كائن – أياً كان شأنه – أن يخرج مسلماً من حظيرة الإسلام بخطأ أو جهالة أو اجتهاد ، وإنما نريد تجميع الأمة والتقريب بين الآراء هو موليها ، ولا علينا أن نسمى عند بعضهم  ( بالقبوريين ) ، فتكريم أصحاب القبور من صميم التوحيد ، والله يعلم المفسد من المصلح ، وهو الموفق والمستعان .

حكم التوسل بالأنبياء والمرسلين والأولياء الصالحين :
يزعم خصوم الصوفية من الوهابية ومن لف لفهم ونهج نهجهم أن التوسل والتشفع إلى الله تعالى بالأنبياء والصالحين إنما هو من الشرك الأكبر والمنافي لتوحيد الإلوهية ، وأن مقترفي ذلك كعباد الأصنام الذين قالوا : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى (سورة الزمر : 3 ) . وأن هذا التوسل لم يأت به أحد من الصحابة أو التابعين أو أحد من سلف الأمة الصالح . 
وفي الجواب عن هذه الشبهة التي تعد المحور الرئيس لدي هؤلاء الخصوم في تكفيرهم ، ورميهم المتوسلين بالشرك والبدعة نقول :

معنى التوسل في اللغة و الاصطلاح :
إن معنى التوسل إلى الشيء – في اللغة – التقرب والتوصل إليه ، عن رغبة بوسيلة تقرب منه أو توصل إليه .
يقال : توسل إليه بكذا تقرب إليه بحرمة آصرة تعطفه عليه .
والواسل : الراغب إلى الله عز وجل قال الشاعر لبيد رضي الله تعالى عنه :

أرى الناس لا يدرون ما قاد أمرهم
                                   بلى كل ذي دين إلى الله واسل


وقاد أمرنا الله في القرآن الكريم بالتوسل إليه حيث قال سبحانه :   يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ المائدة : 35 .
فلفظ الوسيلة في الآية الكريمة عام يشمل ما يتقرب به إلى الله تعالى والأعمال ، ولمن يتوسل به إلى الله من الذوات الفاضلة الصالحة من الأنبياء والأولياء وعامة الصلحاء .
ومن ثم يعرف التوسل المشروع بأنه : هو الطلب من الله تعالى مع التقرب إليه بما يحب أو بمن يحب .

تحرير موطن النزاع :
وهنا معقد الخلاف والنزاع بين الصوفية وخصومهم – هداهم الله تعالى – في التوسل ، فإن الخصوم قد قصدوا الوسيلة في الآية الكريمة على الأعمال الصالحة ، وأنكروا التوسل بالذوات الفاضلة ، بينما اخذ جمهور الأمة ومنهم الصوفية بعموم الوسيلة ، ويؤيدهم في ذلك : تفسيرها بالعموم للذوات في قوله تعالى : أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ( الإسراء : 57 ) (1) .
  الفهرس :
1- من كتاب كشف اللثام عن تصوف المظلل بالغمام للدكتور محمد سيد سلطان – ص275 - 289 .

تأريخ النشر : 4 - 4 - 2015
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: جاسم حمود حميد      البلد: العراق - دياى - بعقوبة       التاريخ: 07-04-2015
بسم الله الرحمن الرحيم -- ألَّلهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الوَصفِ وَٱلوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ وَالحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلِّمْ تَسليماً --- قال تعالى ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا )
... وصَلِّى ألَّلهُ عَلى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الوَصفِ وَٱلوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ وَالحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلِّمْ تَسليماً -


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة