الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
لقاء المؤمن لله



                                                                                                               مشتاق هيلان


اللقاء في اللغة « لَقِيَهُ : صادَفَه ورآه . لَقِيَ الشيء : وَجَدَه . لِقَاء : اجتماع » ( 1) .
وفي القرآن الكريم وردت هذه اللفظة ثمانية وخمسون مرة على اختلاف مشتقاتها ، منها قوله تعالى : وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنونَ (2 ) . 
وفي الاصطلاح الصوفي يقول الشيخ علي البندنيجي القادري يقول : « اللقاء : هو الإحسان »( 3) . ويقول : « اللقاء : هو رؤية الحق سبحانه وتعالى »(4 ) .
ومن بعض معاني اللقاء في المفهوم الصوفي (الفناء) ، فقد ورد في الحديث الشريف عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله قال : ( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ، قلت : يا رسول الله ، كلنا نكره الموت ، قال : ليس ذلك كراهية للموت ، ولكن المؤمن إذا حضر جاءه البشر ، فليس شيء أحب من أن يكون قد لقي الله ، فأحب الله لقاءه ، وإن الفاجر والكافر إذا حضر جاءه ما هو صائر إليه من الشر أو ما يلقى من الشر ، فكره لقاء الله ، فكره الله لقاءه ) رواه أحمد وأبو يعلى والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح .
فاللقاء في الحقيقة وعند أهل التصوف إنما هو لقاءان ، لقاء في الدنيا والذي هو الفناء ، كما ورد في الخبر ( موتوا قبل أن تموتوا ) وهذا هو الموت الأول في الدنيا ، وفيه يكون لقاء الله تعالى ، وهو المعنى المقصود بأواخر سورة الكهف حيث سورة الكهف تحكي وتخط سير وسلوك المريد من أول المقامات إلى نهايتها وعندما أراد أن يبين لنا ربنا زبدة وصول السالكين قال لنبيه الكريم : ( قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) أي سأبين لكم فيما أوحي إلي أن الذي فنيتم فيه من رسول أو نبي أو وارث لنبي أو وارث لرسول إنما هو فناء بالله ؛ لأنه من الله وبالله وفي الله وإلى الله ، ولا ينفك عن الله في كل أحواله فهو رسول الله ونبي الله وولي الله ، ففناؤكم في الإله من ناحية الأوامر والنواهي من الواجبِ ، والمحرمِ ، والمكروهِ هو واحد ، وإنما فنيتم بربكم بواسطتهم وبإتباعهم وبطاعتكم لهم وفناؤكم بهم ، فأدى هذا الفناء إلى فنائكم بإلهكم الذي هو عين فنائكم بربكم الذي تتعلق به الأمورِ الكونيةِ كالخلقِ ، والإحياءِ ، والإِماتةِ ، ونحوها . وإن رجاءكم لقاء ربكم قد أورثكم المبادرة إلى العمل الصالح الذي ليس فيه إشراك ، فاستحال كل ذلك إلى فناء نفوسكم والذي فيه لقاء ربكم الحق في الدنيا قبل الآخرة .
وأما لقاء الآخرة فهو عند الموت ؛ لأن من مات قامت قيامته ، وأن القبر أول منزل من منازل الآخرة ،(( وكما ورد عن رسول الله أنه قال : من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ، قال : القوم يبكون ، فقال : ما يبكيكم ؟ قالوا : إنا نكره الموت ، قال : ليس ذلك ، ولكنه إذا حضر ، فإما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم ، فإذا كان بذاك أحب لقاء الله والله للقائه أحب ، وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم ، فإذا بشر بذاك كره لقاء الله والله عز وجل للقائه أكره وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله : إن شئتم أنبأتكم ما أول ما يقول الله عز وجل للمؤمنين يوم القيامة ، وما أول ما تقولون له ، قلنا : نعم يا رسول الله ، قال : إن الله عز وجل يقول للمؤمنين : هل أحببتم لقائي ؟ فيقولون : نعم يا ربنا ، فيقول : لم ؟ فيقولون : رجونا عفوك ومغفرتك ، فيقول : قد وجبت لكم مغفرتي أن النبي قال اثنتان يكرههما ابن آدم الموت والموت خير للمؤمنين من الفتنة ويكره قلة المال وقلة المال أقل للحساب.رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح)). ( 5)
وفي المرفوع إنما المستريح من غفر له ، والمشهور لا راحة للمؤمن دون لقاء ربه وعن ابن مسعود ( ليس للمؤمن راحة دون لقاء الله ) . ( 6)
وروى الدارقطني عن مجاهد عن أبي هريرة بلفظ : قال رسول الله : ( إذا أحب العبد لقاء الله أحب الله لقاءه ، وإذا كره العبد لقاء الله...فذكر ذلك لعائشة ، فقالت : يرحمه الله حدثكم بأول الحديث ولم يحدثكم بآخره . قالت عائشة : قال رسول الله : إذا أراد الله بعبد خيراً بعث إليه ملكاً في عامه الذي يموت فيه فيسدده ويبشره ، فإذا كان عند موته أتاه ملك الموت فيقعد عند رأسه فقال أيتها النفس المطمئنة ، اخرجي على المغفرة من الله ورضوان ، وتنهرع نفسه رجاء أن تخرج ، ذلك حين يحب لقاء الله ويحب الله لقاءه . وإذا أراد بعبد شراً بعث إليه شيطاناً في عامه الذي يموت فيه فأغراه فإذا كان عند موته أتاه ملك الموت فقعد عند رأسه فقال يا أيتها النفس ، اخرجي إلى سخط الله وغضبه ، فتغرق في جسده فذلك حين يبغض لقاء الله ويبغض الله لقاءه .
وفي تفسير البحر المديد قال الشيخ ابن عجيبة في تفسير هذه الآية : قل لهم : إِنما أنا بشرٌ مثلكم يتناهى كلامي ، وينقضي أجلي ، وإنما خُصصت عنكم بالوحي والرسالة ؛ يُوحى إِليَّ من تلك الكلمات : أنما إِلهكم إِله واحد لا شريك له في الخلق ، ولا في سائر أحكام الألوهية ، فمن كان يرجو لقاء ربه : يتوقعه وينتظره ، أو يخافه ، فالرجاء : توقع وصول الخير في المستقبل ، فمن جعل الرجاء على بابه ، فالمعنى : يرجو حسن لقاء ربه وأن يلقاه لقاء رضا وقبول . ومن حمله على معنى الخوف ، فالمعنى : يخاف سوء لقائه . قال القشيري : حَمْلُه على ظاهره أَوْلى ؛ لأن المؤمنين قاطبةً يرجون لقاءَ الله ، فالعارفون بالله يرجون لقاءه والنظر إليه والمؤمنون يرجون لقاءه وكرامته بالنعيم المقيم . والتعبير بالمضارع في يرجو ؛ للدلالة على أن اللائق بحال المؤمنين : الاستمرار والاستدامة على رجاء اللقاء ، أي : فمن استمر على رجاء لقاء كرامة الله ورضوانه فليعملْ ؛ لتحصيل تلك الطلبة العزيزة عملاً صالحًا ، وهو الذي توفرت شروط صحته وقبوله ، ومدارها على الإتقان ؛ ظاهرًا ، والإخلاص ؛ باطنًا . وقال سهل : العمل الصالح : المقيد بالسُنَّة ، وقيل : هو اعتقاد جواز الرؤية وانتظار وقتها . ولا يُشرك بعبادةِ ربه أحدًا إشراكًا جليًا ، كما فعل الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا ؛ حيث كفروا بآيات ربهم ولقائه ، أو إشراكًا خفيًا ، كما يفعله أهل الرياء ، ومن يطلب به عوضًا أو ثناءً حسنًا .
قال شهر بنُ حَوشب : جاء رجل إلى عبادة بن الصامت ، فقال : أرأيت رجلاً يُصلي يبتغي وجه الله ، ويحب أن يُحمد عليه ، ويتصدق يبتغي وجه الله ويُحب أن يُحمد عليه ، ويحج كذلك ؟ قال عبادة : ليس له شيء ، إن الله تعالى يقول : « أنا خيرُ شريك ، فمن كان له شريك فهو له » ورُوي أن جُنْدبَ بْنَ زُهَيْرٍ قَال لِرَسُولِ الله : إِنِّي لأعْمَلُ العَمَلَ للهِ تَعَالى ، فإذا اطُّلِعَ عَلَيْهِ سرَّني ، فقال له عليه الصلاة والسلام : لَكَ أَجْرَان : أجْرُ السِّرِّ ، وأَجْرُ العَلاَنِيَةِ وذلك إذا قصد أن يُقْتَدَى به ، وكان مُخْلصًا في عمله . وعنه أنه قال : اتقوا الشرك الأصغر ، قالوا : وما الشرك الأصغر؟ قال : الرياء . وقال - لما نزلت هذه الآية - : إن أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي ، وإياكم وشرك السرائر ، فإنَّ الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء ، فشق ذلك على القوم ، فقال النبي : ألا أدلكم على ما يذهب الله عنكم صغير الشرك وكبيره ؟ قالوا : بلى ، قال : قولوا : اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم ، وأستغفرك من كل ما لا أعلم .
وأما الإشارة في هذه الآية فهي : إن الذين آمنوا إيمان الخصوص ، وعملوا عمل الخصوص - وهو العمل الذي يقرب إلى الحضرة - كانت لهم جنة المعارف نُزلاً ، خالدين فيها لا يبغون عنها حولاً ؛ لأنَّ من تمكن من المعرفة لا يُعزل عنها ، بفضل الله وكرمه ، ثم يترقون في معاريج التوحيد ، وأسرار التفريد ، أبدًا سرمدًا ، لا نهاية ؛ لأن ترقيتهم بكلمة القدرة الأزلية ، وهي كلمة التكوين ، التي لا تنفد ؛ قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي . . . الآية . هذا مع كون وصف البشرية لا يزول عنهم ، فلا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية . قل : إنما أنا بشر مثلكم يُوحى إليّ وحي إلهام ، ويلقى في رُوعي أنما إلهكم إله واحد ، لا ثاني له في ذاته ولا في أفعاله ، فمن كان يرجو لقاء ربه في الدنيا لقاء الشهود والعيان ، ولقاء الوصول إلى صريح العرفان ؛ فليعمل عملاً صالحًا ، الذي لا حظ فيه للنفس ؛ عاجلاً ولا آجلاً ، ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا ، فلا يقصد بعبادته إلا تعظيم الربوبية ، والقيام بوظائف العبودية . ( 7)
وسبب نزول هذه الآية أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله تعالى عليه و سلم ، فقال : يا رسول الله ، إني أتصدق بالصدقة فألتمس بها وجه الله تعالى ، وأحب أن يقال لي فيه خير ، فنزل قوله تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه يعنى من خاف المقام بين يدي الله تعالى ويريد ثوابه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا . (8 )

الفهرس :
1– المعجم العربي الأساسي – ص 1098 – 1099 .
2  – الأنعام : 154 .
3  – الشيخ علي البندنيجي – مخطوطة شرح العينية – ص  67 .
4  – المصدر نفسه  – ص 108 . 
5  – مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي – ج1ص426 .
6  – كشف الخفاء للعجلوني – ج3ص172 .
7  – تفسير البحر المديد لابن عجيبة - ج3ص442 .
8  – تفسير حقي البروسوي – ج2ص465 .

تأريخ النشر : 26 - 11 - 2014
 
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة