الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
الجسد الواحد



الكاتب مشتاق هيلان
ورد في السنة النبوية المطهرة حديث يحث المؤمنين على المودة والرحمة والتعاطف فيما بينهم لأنهم يمثلون في اجتماعهم متحلين بهذه الصفات الإيمانية جسداً نورانياً واحداً ، فعن النعمان بن بشير قال : سمعت رسول الله يقول : مثل المؤمنين في توادهم  وتراحمهم كمثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر ( 1) ، وعن هذا الحديث قال أبو القاسم الطبراني : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فسألت عن هذا الحديث فقال النبي صلى الله عليه وسلم وأشار بيده : صحيح ، ثلاثا (2 ). ويقول ابن كثير في تفسيره : وذلك أن أهل الملة الواحدة بمنزلة النفس الواحدة ( 3). ومن هذا المعنى قال الله عز و جل عن سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَهِ ( 4) ، فجمع الكل في الواحد ، وقال عن نبينا ابلغ من ذلك : فَآمِنُوا بِاللَهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ ( 5) ، أي إنه أمة لكل زمن إلى يوم القيامة ، وإن الحالة التي يدخل فيها المؤمنون حظيرة الإيمان هي البيعة فلم يسم الله المسلمين مؤمنين إلا حينما بايعوا رسول الله ، وقبل البيعة : قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ( 6) ، وبعد المبايعة سماهم مؤمنين ، فقال عنهم : لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ (7 ) ، ومن أعظم صفات المؤمنين المودة والرحمة والعاطفة فيما بينهم فهي الحالة الصحية والصحيحة لهم ، التي تجعلهم يتعايشون في جسد واحد ، والبشر ما هم إلا مثلك ، أو أكبر منك ، أو أصغر منك ، فإن كانوا مثلك فيجب أن تعاملهم بالمودة التي تعني المحبة مع الاحترام ، وإن كانوا أكبر منك فيجب أن تعاملهم بالرحمة التي تعني المحبة مع التوقير ، وإن كانوا أصغر منك فيجب أن تعاملهم بالتعاطف الذي يعني المحبة مع الحنو .
والمعنى الكبير للفظ (الجسد الواحد) الذي ورد في الحديث الشريف إنما هو الدين المتمثل بحضرة الرسول الأعظم ، أو من يرثه من الشيوخ المربين إلى يوم القيامة ، فلقد قال : ( أنا من الله والمؤمنون مني ، فمن آذى مؤمناً فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله تعالى ) ( 8) ، وقال أيضاً : أنا من الله ، والمؤمنون من فيض نوري ( 9) ، ويقول الشيخ محمد الكسنزان الحسيني قدس الله سره : كل مريد يمثل خلية في جسد الشيخ بمعنى أن أرواحهم في حالة البيعة الروحية ، ومن خلال اللمسة الروحية التي تكون في إعطاء البيعة ، سوف تزرع زرعاً في جسد الدين المبارك ، كما قال الله عز و جل عن صحابة رسول الله المتبعين له ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ (10 ) ، وهذه الحالة حاصلة في جميع الأمم السابقة وعند كل الشرائع للأنبياء والمرسلين والمجددين ورّاث النبي الخاتم ، وبوجودهم مجتمعين في جسد واحد فإنهم يؤثرون فيه ويتأثرون به ، كما في قوله : لا يشاك أحدكم بشوكة إلا واجد ألمها كما ورد في صلوات الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس الله سره، أي إن جميع المؤمنين الممثلين لهذا الجسد هم مشتركين روحياً فيما يجري عليهم كما في الحديث الشريف : مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ كَمَثَلِ الْجَسَدِ ، إِذَا أَلِمَ بَعْضُهُ تَدَاعَى سَائِرُهُ ( 11) . وورد كذلك برواية أخرى ، قال رسول الله : إنما مثل المؤمنين كرجل واحد إذا اشتكى عينه اشتكى كله ، وإذا اشتكى رأسه اشتكى كله ( 12) ، وصفة التحاب في الله عز و جل أن يكون كل واحد منهما لصاحبه في تواصلهما وتحابهما بمنزلة نفسه في كل ما نابه ، كما ورد في الحديث الشريف : المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ، قال الطبرى : فالأخ في الله كالذي وصف به رسول الله المؤمن للمؤمن وأن كل واحد منهما لصاحبه بمنزلة الجسد الواحد ؛ لأن ما سر أحدهما سر الآخر وما ساء أحدهما ساء الآخر ، وأن كل واحد منهما عون لصاحبه في أمر الدنيا والآخرة كالبنيان يشد بعضه بعضاً وكالمرآة له في توقيفه إياه على عيوبه ونصيحته له في المشهد والمغيب وتعريفه إياه من خطئه وما فيه صلاحه ما يخفى عليه (13 ) ، وهذا يدلُّ على أنَّ المؤمنَ يسوؤه ما يسوءُ أخاه المؤمن ، ويُحزِنُه ما يُحزنه ، ويُريد لأخيه المؤمن ما يُريده لنفسه من الخير ، وهذا كُلُّه إنَّما يأتي من كمالِ سلامةِ الصدر من الغلِّ والغشِّ والحسدِ ، فإنَّ الحسدَ يقتضي أنْ يكره الحاسدُ أنْ يَفوقَه أحدٌ في خير ، أو يُساوَيه فيه ؛ لأنَّه يُحبُّ أنْ يمتازَ على الناسِ بفضائله ، وينفرِدَ بها عنهم ، والإيمانُ يقتضي خلافَ ذلك ، وهو أنْ يَشْرَكَه المؤمنون كُلُّهم فيما أعطاه الله من الخير من غير أنْ ينقص عليه منه شيء ( 14). واعلم أن المؤمنين أجمعهم جسد واحد كإنسان واحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى ، كذلك المؤمن إذا أصيب أخوه المؤمن بمصيبة فكأنه هو الذي أصيب بها ، فيتألم لتألمه ، ومتى لم يفعل ذلك المؤمن مع المؤمنين فما ثبتت أخوة الإيمان بينه وبينهم ، فإن الله قد واخى بين المؤمنين كما واخى بين أعضاء جسد الإنسان ، وبهذا وقع المثل من النبي في الحديث الثابت ، وهو قوله : مثل المؤمنين في توددهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ( 15) .



الفهرس :


1- آداب الصحبة لأبي عبد الرحمن السلمي - ص4 .
2- كتاب مكارم الأخلاق للطبراني - ص110 .
3- تفسير ابن كثير - ج1ص319 .
4  - النحل : 120 .
5  - الأعراف : 158 .
6  - الحجرات : 14 .
7  - الفتح : 18 .
8  - تفسير حقي البروسوي – ج6ص21 .
9  - نفس المصدر – ج8ص350 .
10  - الفتح : 29 .
11  - المسند الجامع - أبو المعاطي النوري - ج36ص304 .
12  - الإيمان - ابن منده - ص393 .
13  - شرح ابن بطال - ج17ص288 .
14  - جامع العلوم والحكم - ابن رجب الحنبلي - ج15ص6 .
15  - الفتوحات المكية - ابن عربي - ج7ص221 .


تأريخ النشر : 10 - 9 - 2014
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: جاسم حمود حميد      البلد: العراق - دياى - بعقوبة       التاريخ: 10-09-2014
الَّلهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ٱلوَصـفِ وَٱلوَحْيِ وَٱلرِّسَالَةِ وَٱلحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحــبِهِ وَسَلِّمْ تَسليماً --- محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة