الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
أخلاق الصائم




قال الله تعالى : يا أَيُّها الَّذينَ آمَنوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقونَ وقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم :  الصيام لا رياء فيه، قال الله عز وجل: هو لي وأنا أجزي به .
وقال الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه الصيام : زكاة البدن . وقال أهل التصوف في الصيام أقوالا كثيرة منها أن الصوم هو مفتاح الزهد في الدنيا ، وباب العبادة للمولى ، لأنه منع النفس عن ملاذها وشهواتها من الطعام والشراب والصوم : هو ذكر الله - جل جلاله وهو سر من أسراره . والصوم : هو صون الجوارح وصون القلب عن كل مناف للحق . والصوم عماد الدين بعد الصلاة ، هو توأمها ورديفها الثاني . فمن دون الصوم لا يمكن للعبد أن يتفكر في ما اعتاده في حياته من عادات ثابتة . أما في طريقتنا العلية القادرية الكسنزانية فللصوم أنواع عديدة منها : الصوم عن الذنوب ، الصوم عن الغيبة ، الصوم عن النفاق ، الصوم عن البهتان ، الصوم عن الحسد ، الصوم عن النظر الحرام ، الصوم عن التجسس ، الصوم عن تخريب البلد ، إلى غير ذلك من الأنواع ، وكلها تجعل حياة المريد في صوم روحي دائم . فليس الصيام أن تترك الطعام والشرب فقط وإنما الصيام أن تترك الذنوب والمعاصي ، فالصيام هو صيام الجوارح .والسبب الأهم في فرض الصيام إنما هو ابتلاء إخلاص الخلق . وان لكل شيء باب وباب العبادة : الصوم ، وإنما كان الصوم مخصوصاً بهذه الخواص لأمرين : أحدهما أنه يرجع إلى كف النفس والهوى وهو عمل سري لا يطلع عليه غير الله تعالى …
والثاني : أنه قهر لعدو الله ، فإن الشيطان هو العدو ولن يقوى الشيطان إلا بواسطة الشهوات ، والجوع يكسر جميع الشهوات التي هي آلة الشيطان . وقالوا : الصوم صومان : صوم جسدي : وهو الامتناع عن تناول الطعام والشراب والنكاح . وصوم نفسي : وهو الأصح ، وهو امتناع الصائم عن الغيبة ، وفحش القول ، وتكريم النظر بحفظه ، وإمساك الجوارح عن السير في غير طريق الله .  ومن ثمار الصوم انه يميت مراد النفس وشهوة الطبع ، وفيه صفاء القلب وطهارة الجوارح وعمارة الظاهر والباطن ، والشكر على النعم والإحسان إلى الفقراء ، وزيادة التضرع والخشوع والبكاء وجل الالتجاء إلى الله وسبب انكسار الهمة وتخفيف السيئات وتضعيف الحسنات ، وفيه من الفوائد ما لا يحصى . يقول سيدنا الكيلاني قدس سره عن الفرق : الزاهد صائم عن الطعام والشراب ، والعارف صائم عن غير معروفه ... صوم الزاهد نهاراً ، وصوم العارف نهاراً وليلاً ، لا فطر لصومه حتى يلقى ربه - عز وجل - ، العارف صائم الدهر دائم الحمى ، صائم الدهر بقلبه محموم بسره . ومن مكاشفاته قدس سره : قلت : [ يا رب ] أي صوم أفضل عندك ؟ قال : الصوم الذي ليس [ فيه ] سوائي والصائم عنه غائب » . لما احتضرت السيدة نفيسة رضي الله عنها وهي صائمة ألزموها الفطر . فقالت : واعجباه لي منذ ثلاثين سنة أسأل الله أن ألقاه وأنا صائمة أفأفطر الآن ، هذا لا يكون . ثم أنشدت تقول : اصرفوا عني طبيبي ودعوني وحبيبي زاد شوقي إليه وغرامي ونحيبي ثم ابتدأت بسورة الأنعام فلما وصلت إلى قوله تعالى : لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ خرج السر الإلهي أي فاضت روحها إلى بارئها وتوفيت رحمنا الله ببركتها أجمعين . وبالجملة فان الصائم : هو الممسك عن كل ما لا يرضاه الله تعالى . والصائمون هم الممسكون عما لا يجوز في الشريعة والطريقة بالقلب والقالب فيصوم القالب بالإمساك عن الشهوات ويصوم القلب بالإمساك عن رؤية الدرجات والقربات . والصائم : هو عبد انقطع إلى الله - عز وجل - ، وهب جسمه وروحه ، وتعذب وجد واجتهد ، فهو واقف ببابه ينتظر رحمته وهي ثوب اسمه الإحسان يلبسه من يشاء من عباده ، ولذلك جعل الله جزاء الصائم من شأنه وحده يثيبه عليه بالفتح المبين وقت ظهور نور الإشراق العظيم . وتعالوا بنا نستمع إلى صوم الصالحين فهو كف الجوارح عن الآثام وتمامه بستة أمور :
الأول : غض البصر وكفه عن الاتساع في النظر إلى كل ما يذم ويكره وإلى كل ما يشغل القلب ويلهي عن ذكر الله عز وجل ، قال صلى الله عليه وسلم : " النظرة سهم مسموم من سهام إبليس لعنه الله فمن تركها خوفاً من الله آتاه الله عز وجل إيماناً يجد حلاوته في قلبه " وروى جابر عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " خمس يفطرن الصائم الكذب والغيبة والنميمة واليمين الكاذبة والنظر بشهوة " .
الثاني : حفظ اللسان عن الهذيان والكذب والغيبة والنميمة والفحش والجفاء والخصومة والمراء ، وإلزامه السكوت وشغله بذكر الله سبحانه وتلاوة القرآن فهذا صوم اللسان . وخصلتان يفسدان الصيام الغيبة والكذب . وقال صلى الله عليه وسلم : " إنما الصوم جنة فإذا كان أحدكم صائماً فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم إني صائم " .
الثالث : كف السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه لأن كل ما حرم قوله حرم الإصغاء إليه ولذلك سوى الله عز وجل بين المستمع وآكل السحت ، قال تعالى : " سماعون للكذب أكالون للسحت " وقال عز وجل : " لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت " فالسكوت على الغيبة حرام وقال تعالى : " إنكم إذاً مثلهم " ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : " المغتاب والمستمع شريكان في الإثم " .
الرابع : كف بقية الجوارح عن الآثام من اليد والرجل عن المكاره ، وكف البطن عن الشبهات وقت الإفطار . فلا معنى للصوم وهو الكف عن الطعام الحلال ثم الإفطار على الحرام . فمثال هذا الصائم مثال من يبني قصراً ويهدم مصراً فإن الطعام الحلال إنما يضر بكثرته لا بنوعه ، فالصوم لتقليله . وتارك الاستكثار من الدواء خوفاً من ضرره إذا عدل إلى تناول السم كان سفيهاً . والحرام سم مهلك للدين . والحلال دواء ينفع قليله ويضر كثيره . وقصد الصوم تقليله . وقد قال صلى الله عليه وسلم : " كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش " فقيل هو الذي يفطر على الحرام .
الخامس : أن لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار بحيث يمتلىء جوفه ، فما من وعاء أبغض إلى الله عز وجل من بطن مليء من حلال . وكيف يستفاد من الصوم من تدارك عند فطره ما فاته ضحوة نهاره وربما يزيد عليه في ألوان الطعام ؟ حتى استمرت العادات بأن تدخر جميع الأطعمة لرمضان فيؤكل من الأطعمة فيه ما لا يؤكل في عدة أشهر . ومعلوم أن مقصود الصوم الخواء وكسر الهوى لتقوى النفس على التقوى . وإذا دفعت المعدة من ضحوة نهار إلى العشاء حتى هاجت شهوتها وقويت رغبتها ثم أطعمت من اللذات وأشبعت زادت لذتها وتضاعفت قوتها وانبعث من الشهوات ما عساها كانت راكدة لو تركت على عادتها . فروح الصوم وسره ( تضعيف القوى التي هي وسائل الشيطان في العود إلى الشرور ) ولن يحصل ذلك إلا بالتقليل وهو أن يأكل أكلته التي كان يأكلها كل ليلة لو لم يصم فأما إذا جمع ما كان يأكل ضحوة إلى ما كان يأكل ليلاً فلا ينتفع بصومه . بل من الآداب أن لا يكثر النوم بالنهار حتى يحس بالجوع والعطش ويستشعر ضعف القوي فيصفو عند ذلك قلبه ويستديم في كل ليلة قدراً من الضعف حتى يخف عليه تهجده وأوراده .
السادس : أن يكون قلبه بعد الإفطار معلقاً مضطرباً بين الخوف والرجاء إذ ليس يدري أيقبل صومه فهو من المقربين أو يرد عليه فهو من الممقوتين ؟ وليكن كذلك في آخر كل عبادة يفرغ منها ، فقد روي عن سيدنا الحسن البصري قدس الله سره أنه مر بقوم وهم يضحكون فقال : إن الله عز وجل جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه يستبقون فيه لطاعته فسبق قوم ففازوا وتخلف أقوام فخابوا فالعجب كل العجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه السابقون وخاب فيه المبطلون . أما والله لو كشف الغطاء لاشتغل المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ؛ أي كان سرور المقبول يشغله عن اللعب وحسرة المردود تسد عليه باب الضحك . وعن الأحنف بن قيس : أنه قيل له إنك شيخ كبير وإن الصيام يضعفك فقال : إني أعده لسفر طويل والصبر على طاعة الله سبحانه أهون من الصبر على الخطبة الثانية : الحمد لله مستحق الحمد .... إذا كان هذا سر الصوم عند أرباب الألباب وأصحاب القلوب ، فأي جدوى لتأخير أكلة وجمع أكلتين عند العشاء مع الانهماك في الشهوات الأخر طول النهار ؟ ولو كان لمثله جدوى فأي معنى لقوله صلى الله عليه وسلم : " كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش " ، ولهذا قال أبو الدرداء : يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم كيف لا يعيبون صوم الحمقى وسهرهم ! ولذرة من ذوي يقين وتقوى أفضل وأرجح من أمثال الجبال عبادة من المغتربين . قال نبينا الأكرم صلى الله عليه وسلم : " إن الصوم أمانة فليحفظ أحدكم أمانته " ولما تلا قوله عز وجل : " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها " وضع يده على سمعه وبصره فقال : السمع أمانة والبصر أمانة " ولولا أنه من أمانات الصوم لما قال صلى الله عليه وسلم " فليقل إني صائم " .



المصدر : موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان – الشيخ محمد الكسنزان –ج15ص359 .

تأريخ النشر : 3 - 1 - 2014

الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: منير نعمان عايد      البلد: عراقي مقيم في الامارات       التاريخ: 05-07-2014
اللهم صلِّ على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى اله وصحبه وسلم تسليما .
اللهم احفظ شيخنا وطريقتنا وانصر شيخ نهرو الكسنزاني واحفظ محبيهم ومريديهم اجمعين واحفض بلدنا العراق وجميع بلاد المسلمين .
وصلي اللهم على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى اله وصحبه وسلم تسليما .


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة