الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
الانضباط عند الصوفية



مكتب الإرشاد والمتابعة

مفهوم الثقافة عند أهل التصوف هو الالتزام المبني على المحبة والصدق والإخلاص مع الله سبحانه وتعالى ومع النفس ومع المجتمع حتى تتحقق السعادة للإنسان والمجتمع ويعم السلام ويتقدم المجتمع في كل مجالات الحياة وتعمر الأرض . وتأمين العيش الكريم للفرد والمجتمع وضمان حرية الإنسان . ويكون الانضباط في ثلاثة مواطن :
1 - الانضباط مع الله عز وجل : وهو أن يؤمن الإنسان أن أساس وجوده في هذه الدنيا هو لعبادة الحق عز وجل : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( الذاريات 56 ) ، وذلك من خلال عبادة مناسكية وعبادة تعاملية تقربه من الله سبحانه وينال مرضاته . وينال حريته بعد أن يحقق عبوديته للحق عز وجل .
قال الشيخ سمنون المحب : ( من أحرقه ذل العبودية أحياه عز الربوبية ) ( موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان ج15 ص52 ) ، ولا بد أن يكون الانضباط مع الله ظاهراً وباطناً أي نية وقول وعمل حتى ينال القبول من الله سبحانه فيكون عارفاً بالله تعالى .
قال حضرة السيد الشيخ الغوث محمد الكسنزان الحسيني قدس الله سره: ( العارف هو من طهر قلبه وزكت نفسه وأفيضت عليه الأنوار من قبل الواحد الأحد وهباً وفضلاً ) (موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان ج15 ص 312 ) ، ونصت الآية الكريمة : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ . . . ( فصلت53 ) ، ويصل الإنسان إلى محبة الله سبحانه إذا اهتدى بحضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم : لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ . . . ( آل عمران164 ) ، واهتدى بالقرآن الكريم : الم . . . ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ . . . الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ( البقرة 1 ، 2 ، 3 ) ، لأن الحق عز وجل خلق الدنيا والآخرة من أجل سعادة الإنسان المؤمن الذي أطاع الحق عز وجل بصدق ومحبة وآمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقيامة والقدر خيره وشره من الله تعالى وذلك هو الفوز العظيم .

2 – الانضباط في النفس : قال تعالى : وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( يوسف53 ) ، وهذه دلالة على أن نفس كل إنسان أمارة بالسوء إلا من رحمها الله سبحانه وقد هدانا سبحانه إلى رحمته : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ( الأنبياء107 ) ، لذا ألزم الحق كل إنسان يريد رحمته أن يسعى إلى حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم تسليما ويحبه ويقتدي به قولاً وعملاً وقد ورد بالحديث الشريف : لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( صحيح البخاري (ج 1 / ص 24) ، وقد أوجب حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم تسليما محبة آل بيته ورد في الحديث الشريف : إن هذا الدين عاري ولباسه التقوى وأساسه محبتي ومحبة آل بيتي ، ومن أراد محبة حضرة المصطفى سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم تسليما عليه أن يكثر من الصلاة عليه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم تسليما فقد ورد في الحديث الشريف : من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشر صلوات وحط عنه عشر سيئات (مصنف ابن أبي شيبة ج 2 ص 399 ) ، وأن علامة المؤمن هو حب الصلاة على حضرة المصطفى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم تسليما وقد ألزم الحق عباده التقوى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ( آل عمران102 ) ، قال حضرة السيد الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره في التقوى : ( هي أن يفتقدك الله في ما نهاك ويجدك فيما أمرك وأن تقتدي بحضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم تسليما قولاً وفعلاً وعلامة ذلك حسن التوكل على الله وحسن الرضا فيما ينل وحسن الصبر على ما فات ) ، والانضباط مع النفس يعني الإسلام الذي هو الاستسلام لله سبحانه وتعالى .
قال سيدنا الجنيد البغدادي قدس الله سره : ( هو أن يميتك الله عنك ويحييك به ) . ولا يصل الإنسان إلى هذا المقام إلا بالإتباع للوارث المحمدي ( الشيخ الكامل ) بالصدق والمحبة والإخلاص حتى يربيه ويعلمه بحاله ومقاله . وعندها يحصل المريد السالك على النور فيفيض قلبه ويخرجه من الظلمات : . . . نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ . . . ( النور 35 ) ، وبذلك يخترق الحجب الظلمانية قال سيدنا الشيخ الغوث عبد القادر الكيلاني قدس الله سره في الحجب : ( الحجب على أشياء أولها الخلق وهو حجابك عن نفسك فما دمت ترى الخلق لا ترى نفسك وثانيها نفسك وهي حجابك عن ربك فما دمت ترى نفسك لا ترى ربك وثالثها الدنيا وهي حجاب الآخرة .ورابعها الآخرة وهي حجاب عن رب الدنيا والآخرة ) (موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان ج6 ص 175 ) ، وإذا اخترق العبد المؤمن هذه الحجب فإنه ينال محبة الله سبحانه ومرضاته وينال القرب منه لذا ألزم الحق عز وجل الإنسان بمجاهدة نفسه : وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ( العنكبوت69 ) ، لأن مجاهدة النفس والهوى والطبع الغاية منها هو الخلاص من رعوناتها لأن النفس الأمارة بالسوء هي مطية الشيطان وإذا تم تزكيتها ينج الإنسان من وساوس الشيطان وإغراء الدنيا ، ويجب على الإنسان أن يتطهر قلبه من كل النجاسات المعنوية التي هي أخطر الأمراض مثل ( الكفر – الشرك – الرياء – الكذب – الغش – النفاق – الحسد – الحقد . . الخ ) لذا وجب عليه اتباع الشيخ الكامل لأنه طبيب القلوب وكيف لا وهو نور الله وكلمة الله وخليفة الله في أرضه وهنالك يصل الإنسان المريد السالك إلى الإسلام الروحي والسعادة الأبدية دنيا وآخرة .

3 – الانضباط في المجتمع قال تعالى : وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى . . . وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى . . . ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى ( النجم 39 ، 40 ، 41 ) ، وهذه دلالة واضحة على أن قيمة الإنسان بمقدار سعيه ولا بد أن يكون سعيه للخير : ؟ وأن يكون في اتجاهين الأول هو طلب العلم ورد في الحديث الشريف : طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَوَاضِعُ الْعِلْمِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ كَمُقَلِّدِ الْخَنَازِيرِ الْجَوْهَرَ وَاللُّؤْلُؤَ وَالذَّهَبَ (سنن ابن ماجه ج 1 ص 260 ) ، حتى يتخلص المجتمع من الجهل والتخلف والأمراض بأي شكل كان .
والاتجاه الثاني أن يكون سلوكه نافع له وللمجتمع حتى ينير الدرب للآخرين وابتداء من الأسرة قال الإمام علي كرم الله وجهه في حسن النية : ( من حسنت نيته كثرت مثوبته وطاب عيشه ووجبت مودته ) ( غرر الحكم رقم 1604 ) ، وقال في حسن الظن : ( من حسن ظنه بالناس حاز منهم المحبة ) ( غرر الحكم 5331 ) ، وقال في حسن العشرة : ( بحسن العشرة تدوم المودة ) ( غرر الحكم 9949 ) ، وقال في حسن الخلق : ( حسن الخلق يورث المحبة ويؤكد المودة ) ( غرر الحكم 255 حكمة 5373 ) ، وأن يسعى الإنسان إلى وحدة المجتمع من خلال زرع المحبة والألفة حتى يقهر الشيطان الذي يوقع العداوة والبغضاء بين الناس  وأن ينشد السلام ويسعى له لأن الإسلام هو دين السلام ولا سلام بدون المحبة .
وإن من أهم الروابط التربوية التي يحتاجها المجتمع بعد الإيمان بالله والدين هي نشر المحبة  لأنها الدعامة القوية والتي توحد المجتمع قال الإمام محمد الباقر عليه السلام في المحبة : ؟ وقرأ : . . . حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ . . . ( الحجرات 7 ) ،  يتبين مما تقدم أن السادة الصوفية ارتكزوا في مفهوم الانضباط على ركيزتين الأولى هي أنهم أرادوا حب الله سبحانه . وبذلك طلبوا الخالق وهجروا المخلوق والثانية هي إصلاح المجتمع بعد أن طهرت قلوبهم وزكت نفوسهم حتى يتحقق السلم الاجتماعي وبعد أن نالوا السلام الروحي وتأمين العيش الكريم للفرد والمجتمع وإعمار الأرض بعد أن عمروا القلوب والنفوس بحب الله سبحانه وهنالك يرتقي المجتمع وتتحقق السعادة لأبنائه .



تأريخ النشر : 8 - 6 - 2014
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: منير نعمان عايد      البلد: عراقي - مقيم في الامارات       التاريخ: 09-06-2014

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف خلق الله سيدنا ومولانا ابو القاسم محمد صلى الله عليه وسلم ،

نعم المقال مقالكم وهو مختصر مفيد جامع للكلم .

وصلي اللهم على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى اله وصحبه وسلم تسليما .


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة