الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
الشرك في الإيمان



حين أوغل الصوفية في معاني الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي تحث على الإخلاص وتأمر به وتدعو إليه ، وتحذر من الرياء ( الشرك الخفي ) والذي هو أخفى من دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء على المؤمن كقوله تعالى :
وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة (1) ، وقوله تعالى :
وسيجنبها الأتقى ، الذي يؤتي ماله يتزكى ، وما لأحد عنده من نعمة تجزى ، إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ، ولسوف يرضى (2).
وورد في الأحاديث الشريفة :
إذا كان يوم القيامة صارت أمتي ثلاث فرق:فرقة يعبدون الله عز وجل خالصاً ، وفرقة يعبدون الله عز وجل رياء ، وفرقة يعبدون الله يصيبون به دنيا . قال : فيقول للذي كان يعبد الله عز وجل للدنيا : بعزتي وجلالي ، ما أردت بعبادتي ؟ فيقول : الدنيا . فيقول : لا جرم ، لا ينفعك ما جمعت ولا ترجع إليه ، انطلقوا به إلى النار ، قال : ويقول للذي يعبد الله عز وجل رياء : بعزتي وجلالي ، ما أردت بعبادتي ؟ قال : الرياء . قال : يقول : إنما كانت عبادتك التي كنت ترائي بها لا يصعد إلي منها شيء ، ولا ينفعك اليوم انطلقوا به إلى النار ، قال : ويقول للذي كان يعبد الله عز وجل خالصاً : بعزتي وجلالي  ما أردت بعبادتي ؟ فيقول : بعزتك وجلالك ،لأنت أعلم به مني كنت أعبدك لوجهك ولدارك ، قال : صدق عبدي انطلقوا به إلى الجنة .
وقوله : يؤمر يوم القيامة بناس الناس إلى من الجنة حتى إذا دنوا منها واستنشقوا رائحتها ، ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها ، فيقولون : يا ربنا ، لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من الثواب وما أعددت فيها لأولئك كان أهون ، قال : ذاك أردت بكم ، كنتم إذا خلوتم بي بارزتموني بالعظيم ، وإذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين ، ولم تجلوني ، وتركتم للناس ولم تتركوا لي فاليوم أذيقكم العذاب الأليم مع ما حرمتم من الثواب (3) .
وقوله : أول الناس يدخل النار يوم القيامة ثلاثة نفر ، يؤتى بالرجل ، أو قال : بأحدهم فيقول : رب علمتني الكتاب ، فقرأته آناء الليل والنهار رجاء ثوابك ، فيقال : كذبت إنما كنت تصلي ، ليقال قارئ مصل ، وقد قيل اذهبوا به إلى النار ، ثم يؤتى بآخر ، فيقول رب رزقتني مالا ، فوصلت به الرحم ، وتصدقت به على المساكين وحملت ابن السبيل رجاء ثوابك وجنتك ، فيقال : كذبت إنما كنت تتصدق وتصل ليقال إنك سمح جواد ، وقد قيل اذهبوا به إلى النار ، ثم يجاء بالثالث فيقول : رب خرجت في سبيلك فقاتلت فيك حتى قتلت مقبلا غير مدبر رجاء ثوابك وجنتك ، فيقال : كذبت إنما كنت تقاتل ليقال إنك جريء شجاع ، وقد قيل اذهبوا به إلى النار (4) .
وكذلك قوله : يجاء بأعمال بني آدم فيصب بين يدي الله تعالى يوم القيامة في صحف مختمة ، فيقول : خذوا وألقوا هذا ، فيقولون : والله ما علمنا إلا خيرا . قال : إن عمله كان لغيري ، وإني لا أقبل إلا ما ابتغي به وجهي (5) .
وقوله : إن الله عز وجل يقول : أنا خير شريك ، فمن أشرك معي شريكا فهو لشريكي ، يا أيها الناس ، أخلصوا أعمالكم لله عز وجل فإن الله عز وجل ، لا يقبل إلا ما أخلص له ، ولا تقولوا هذا لله وللرحم ، فإنها للرحم ، فليس لله عز وجل منها شيء ، ولا تقولوا هذه لله ولوجوهكم ، فإنها لوجوهكم ليس لله منها شيء (6) .
والأحاديث في السنة النبوية المطهرة كثيرة في هذا الباب ، ولذلك رأى أهل التصوف من الواجب بالضرورة ، ومن الضرورة بمكان أن يعملوا على التحقق بمقام الإخلاص  والذي هو من مقامات ركن الإحسان في الدين ، فبدونه تبطل العبادات والمعاملات ، بل تصبح ذنوباً كقوله تعالى :
إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (7) .
وأعمالنا وعباداتنا لا تخلو من الشرك الأصغر الذي يمحق الحسنات ، فعمل الصوفية جاهدين على الإقتداء بكبار الصحابة من أهل الصفة حيث امتدحهم الله تعالى وأوصى نبينا الكريم   بالصبر معهم  فقال :
واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه (8) .
وفي الوصول إلى هذا الإيمان التحقيقي والذي هو إيمان القليل من الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم حيث قلّلهم الله تعالى فقال : وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرَهُمْ بِاللَّهِ إِلّا وَهُمْ مُشْرِكونَ (9)
وكثّر أهل الإيمان التقليدي وهم المعنيون بعبارة ( وما يؤمن أكثرهم بالله ) فلم يروا أهل التصوف بداً من أن يخطوا طريقهم نحو تزكية النفس وتصفية القلب والتحلي بكل خلق سني والتخلي عن كل خلق دني ، فقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي قدس الله سره : من لم يتغلغل في علمنا هذا مات مصراً على الكبائر وهو لا يشعر ، وكذلك قال الشيخ الغزالي رحمه الله : إن التصوف فرض عين إذا لا يخلو أحد من عيب أو مرض إلا الأنبياء عليهم السلام ، وحيث كان فرض عين يجب السفر إلى من يأخذه عنه إذا عرف بالتربية واشتهر الدواء على يده ، وإن خالف والديه حسبما نص عليه غير واحد كالبلالي والسنوسي وغيرهما (10) .
ولأهل التصوف في باب الإخلاص كلام كبير يدل على علو شأنهم في هذا المجال نورد منها ما يحتمله هذا المقال  ، فيقول الشيخ القشيري : « الشرك الخفي هو ملاحظة الخلق في أوان الطاعات ، والاستبشار بمدح الخلق وقبولهم ، والانكسار والذبول عند انقطاع رؤية الخلق . ويقال : الشرك الخفي : هو إحالة النادر من الحالات ( في المسار والمضار ) على الأسباب ، ويقول : الشرك الخفي : هو أن يتخذ بقلبه عند حوائجه من دونه ( سبحانه ) مقصوداً .
والشيخ ابن عربي فيقول : الشرك الخفي : هو الاعتماد على الأسباب الموضوعة ، والركون إليها بالقلب فإن ذلك من أعظم رزية دينية في المؤمن وهو المراد بقوله :  وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرَهُمْ بِاللَّهِ إِلّا وَهُمْ مُشْرِكونَ  .
ويقول الشيخ عبد الغني النابلسي : الشرك الخفي : هو خفاء شيء من الشرك الجلي عن العبد وهو فيه بسبب استيلاء الغفلة على قلبه ، فترى الغافل عن معرفة نفسه جازماً أنه مشارك الله تعالى في الوجود وفي جميع الصفات التي منها السمع والبصر والعلم والحياة والقدرة والإرادة وغير ذلك من جميع الأسماء التي منها الحكيم والكريم إلى آخره ، وفي جميع الأفعال كالإيجاد والإعدام للمخالفات ونحو ذلك في جميع الأحكام .
ومن أعظم ما قيل في هذا الباب هو قول الشيخ أرسلان الدمشقي : كُلُّكَ شِرْكٌ خَفِيٌّ ، ولا يَبينُ لكَ تَوحيدُكَ إلا إذا خَرجْتَ عَنْك .
ولم يكتف أهل التصوف بشرك المؤمنين بل تعدوه إلى شرك العارفين حيث يقول القشيري : شرك العارفين : هو أن يتخذوا من دونه مشهوداً ، أو يطالعوا سواه موجوداً .
وإن أهل التصوف قد بينوا الفرق بين الشرك الجلي والشرك الخفي فمثلا يقول الشيخ ابن عربي قدس الله سره : الشرك الجلي عمل الصانع بالآلة ، والشرك الخفي الاعتماد على الآلة فيما لا يعمل إلا بالآلة ، فما ثم إلا مشرك فإنه ما ثم إلا عالم . وكل شرك يقتضيه العلم ويطلبه فهو حق ، فليس المقصود إلا العلم :
وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرَهُمْ بِاللهِ إِلّا وَهُمْ مُشْرِكونَ ، فكثر العلماء بالله وأبقى طائفة من المؤمنين هم في الشرك ولا يعلمون أنهم فيه » (11) .
ويقول الشيخ القشيري : الشّرْكُ الجَليُّ أن يتَّخِذَ من دونه - سبحانه - معبوداً ، والشِّرْكُ الخفِيُّ أن يتخذ بقلبه عند حوائجه من دونه - سبحانه - مقصوداً . ويقال شِرْكُ العارفين أن يتخذوا من دونه مشهوداً ، أو يطالعوا سواه موجوداً . ويقال مِنَ الشِّركِ الخفيِّ الإحالةُ على الأشكال في تجنيس الأحوال ، والإخلاد إلى الاختيار والاحتيال عند تزاحم الأشغال (12) .
وعن آية  وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون 
يقول الشيخ البروسوي : أي برؤية الإيمان والطلب أنهما منهم لا من الله ، فإن من يرى السبب فهو مشرك ، ومن يرى المسبب فهو موحد ، وإن كل شيء هالك في نظر الموحد إلا وجهه . ولما دخل الو اسطي نيسابور سال أصحاب الشيخ أبي عثمان المغربي : بم يأمركم شيخكم ؟ قالوا يأمرنا بالتزام الطاعة ورؤية التقصير عنها، فقال : أمركم بالمجوسية المحضة ، هلا أمركم بالغيبة عنها بشهود منشأها ومجراها (13) .
وتلبّس الإنسان بالإيمان والشرك معاً مع كونهما معنيين متقابلين لا يجتمعان في محل واحد نظير تلبّسه بسائر الاعتقادات المتناقضة والأخلاق المتضادة إنما يكون من جهة كونها من المعاني التي تقبل في نفسها القوة والضعف ، فتختلف بالنسبة والإضافة كالقرب والبعد ، فإن القرب والبعد المطلقين لا يجتمعان إلا أنهما إذا كانا نسبيين لا يمتنعان الاجتماع والتصادق كمكة فإنها قريبة بالنسبة إلى المدينة بعيدة بالنسبة إلى الشام ، وكذا هي بعيدة من الشام إذا قيست إلى المدينة قريبة منه إذا قيست إلى بغداد . والإيمان بالله والشرك به وحقيقتهما تعلق القلب بالله بالخضوع للحقيقة الواجبية وتعلق القلب بغيره تعالى مما لا يملك شيئاً إلا بإذنه تعالى يختلفان بحسب النسبة والإضافة ، فإن من الجائز أن يتعلق الإنسان مثلا بالحياة الدنيا الفانية وزينتها الباطلة وينسى مع ذلك كل حق وحقيقة ، ومن الجائز أن ينقطع عن كل ما يصد النفس ويشغلها عن الله سبحانه ويتوجه بكله إليه ويذكره ولا يغفل عنه فلا يركن في ذاته و صفاته إلا إليه و لا يريد إلا ما يريده كالمخلصين من أوليائه تعالى . وبين المنزلتين مراتب مختلفة بالقرب من أحد الجانبين والبعد منه ، وهي التي يجتمع فيها الطرفان بنحو من الاجتماع ، ومن الدليل على ذلك الأخلاق والصفات المتمكنة في النفوس التي تخالف مقتضى ما تعتقده من حق أو باطل ، والأعمال الصادرة منها كذلك ترى من يدعي الإيمان بالله يخاف وترتعد فرائصه من أي نائبة أو مصيبة تهدده وهو يذكر أن لا قوة إلا بالله ، ويلتمس العزة والجاه من غيره وهو يتلو قوله تعالى : 
إنّ العزَّةَ للهِ جَميعاً  (14)
ويقرع كل باب يبتغي الرزق وقد ضمنه الله ، ويعصي الله و لا يستحيي وهو يرى أن ربه عليم بما في نفسه سميع لما يقول بصير بما يعمل ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، وعلى هذا القياس . والمراد بالشرك في الآية بعض مراتبه الذي يجامع بعض مراتب الإيمان وهو المسمى باصطلاح فن الأخلاق بالشرك الخفي(15) .

الفهرس :-
1
  - البينة : 5 .
2  - الليل : 16-20 .
3  - شعب الإيمان للبيهقي : ج14ص332 .
4  - المستدرك على الصحيحين للحاكم : ج6ص134 .
5  - شعب الإيمان للبيهقي - ج14ص359 .
6  - سنن الدارقطني – ج1ص155 .
7  - النساء : 48 .
8  - الكهف : 28 .
9  - يوسف : 106 .
10  - إيقاظ الهمم في شرح الحكم لابن عجيبة – ج1ص3 .
11  - موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عيه أهل التصوف والعرفان للشيخ محمد الكسنزان (بتصرف) – ج14ص72 .
12  - تفسير القشيري : ص248 .
13  - تفسير حقي البروسوي : ج6ص205 .
14  - يونس : 65 .
15  -
http://www.hodaalquran.com/rbook.php?id=4184&mn=1.


تأريخ النشر 4 - 3 - 2014
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: منير نعمان عايد      البلد: عراقي - مقيم في الامارات       التاريخ: 08-03-2014

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على اشرف خلق الله سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم تسليما .

اللهم اني اعوذ بك ان اشرك بك شيئأً وانا اعلم واستغفرك لما لااعلم .

وصلي اللهم على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى اله وصحبه وسلم تسليما .


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة