الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
لمحات من التأويل




مما جرت به سُنة الله تعالى في خلقه أن أهل الحقيقة منكورون عند أهل الشريعة ، أو تقول : أن علماء الباطن منكورون عند علماء الظاهر ، يقابلونهم بالإذية والإنكار ، مع أنهم يعلمون أن الحقيقة حق من ربهم ، وأن علم الباطن حق لقوله - عليه الصلاة والسلام - : « إن من العلم كهيئة المكنون ، لا يعلمه إلا العلماء بالله ، فإذا سمعه أهل الغرة بالله أنكروه عليهم » ، وقال صلى الله تعالى عليه وسلم :  لِكلِّ آيةٍ ظَاهرٌ وبَاطِنٌ وحَدٍّ ومَطْلَع  . ويقول الإمام جعفر الصادق عليه السلام القرآن باطنه عميق وظاهره أنيق  ، ويقول أبو الدرداء : ( إنك لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوها ) ، ويقول ابن عطاء الأدمي : ( لا يفهم إشارات القرآن إلا من طهَّر سرَّه عن الأكوان بما فيها )  وإن من السور التي سنتناول تأويلها في عجالة هي سورة الضحى ، والتي هي من السور السبعة عشر التي تبدأ بالقسم ، وإن تسلسلها من بين السور ثلاث وتسعون وعدد آياتها إحدى عشر آية ، وكلماتها أربعين كلمة ، وحروفها مائة وأربعة وستين حرف ، يقول الأستاذ الدكتور فاضل السامرائي : أقسم الله تعالى بالضحى والليل إذا سجى أنه ما ودَّع رسوله وما قلاه ، والضحى هنا يمثل نور الوحي وإشراقه كما قال المفسرون. والليل يمثل انقطاع الوحي وسكونه ، والدنيا من غير نور الوحي ظلام ؛ والضحى في اللغة هو وقت ارتفاع الشمس بعد الشروق ، سجى في اللغة لها ثلاث معاني ، فهي بمعنى سكن ، أو اشتد ظلامه ، أو غطى ، مثل تسجية الميت.
ويقول الآلوسي في تفسيره روح المعاني : المراد بالضحى الوقت المعروف من النهار وبالليل جميعه ، قيل إن التفرقة للإشارة إلى أن ساعة من النهار توازي جميع الليل ، كما أن النبي عليه الصلاة والسلام يوازي جميع الأنبياء عليهم السلام .
ونقول : بأن الضحى هو وضوح ظهور نوره في الوجود حين تنزله وتجسده بين الناس  والليل إذا سجى بمعنى طول المدة التي يغيب فيها هذا النور الجامع ، مع انطوائه في وراثه ونوابه مجددوا الدين الحنيف ، قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم :  إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا سنن أبي داود . ويفسر هذه الآية ، الآية التي بعدها وهي  ما ودعك ربك وما قلى ويقول الدكتور فاضل السامرائي : ذكر ربنا أمرين التوديع والقِلى ، التوديع يكون بين المتحابين هذا من حيث اللغة ، التوديع عادة يكون بين المتحابين ، فذكر المفعول به كاف الخطاب في (ما ودعك) تحبباً له ، أما القلى ، فلا يكون إلا بين المتخاصمين ، فلم يذكر المفعول به ، ولم يقل وما قلاك إكراماً له أن يناله القِلى يعني نزّه مقام الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم عن القلى ، نحن نقولها في حياتنا اليومية نقول سمعت أنك شتمت فيقول لم أشتم ولا يقول لم أشتمك هذا إكرام للمخاطب . ودّع في الحب فيما يُحبّ فقال ( مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ ) وحذف في القلى ( وَمَا قَلَى ) فهذا إكرام له صلى الله تعالى عليه وسلم في الذكر والحذف ، ثم ليس بالضرورة أن يقول قلاك ؛ لأنه قسم يذهب أنه حذف للإطلاق أنه ما قلاك ولم يقل أحد من أتباعك ليس خاصاً بالرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ، أما التوديع فخاص بالرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ، أما القلى فلم يقليه ولم يقلي أحداً من أتباعه ، فصفة البغض نفيت عن الله تبارك وتعالى أصلاً ، وهي جاءت متناسبة مع الفاصلة القرآنية لكن لها معنى دقيق وهو معنى الإكرام ومعنى الإطلاق ، إكرام في الذكر والحذف أكرمه في الذكر (ودعك) وفي الحذف (وما قلى) أحياناً نلاحظ كثيراً في القرآن إذا المعنى اقتضى يغيّر الفاصلة .
ونقول : أن آية ( ما ودعك ربك وما قلى ) أي أن نورك الجامع سيبقى سرمداً متجسداً فيمن يرثك ، وفيمن ينوبك من أهل الخلافة الربانية إلى أجل مسمى ، ثم ظهوره آخر الزمان في سميِّك لإعلاء كلمة الدين .
ويقال : فلماذا قال تعالى ربك ، ولم يقل الله ؟ يقول الدكتور فاضل : هنا تكريم آخر من الله تعالى لرسوله الكريم . فالرب هو المربي والموجه والقيِّم . وذكر الفاعل وهو الرب إكرام آخر ، فلم يقل لم تودع ولم تقلى . والرب هو القيم على الأمر فكيف يودعك وهو ربك ؟ لا يمكن أن يودع الرب عبده ، كما لا يمكن لرب البيت أن يودعه ويتركه ، ورب الشئ لا يودعه ولا يتركه ، وإنما يرعاه ويحرص عليه . واختيار كلمة الرب بدل كلمة الله ؛ لأن لفظ الجلالة الله كلمة عامة للناس جميعاً ، ولكن كلمة الرب لها خصوصية ، وهذا يحمل التطمين للرسول الكريم من ربه الذي يرعاه ولا يمكن أن يودعه أو يتركه أبداً .
ونقول : هي عقيدتنا التي نعتقد ونؤمن بها ، فنحن دراويش الطريقة القادرية الكسنزانية لنا ورداً نردده ثلاث مرات بعد كل صلاة ونقول
الله حاضري الله ناظري الله شاهد علي الله معي الله معيني وهو بكل شيء محيط 
وترديده بهذا العدد خمس مرات في اليوم لكي ينزرع الإيمان في القلب بأن الله تعالى ربنا لا يتركنا فهو معنا وهو معيننا ما كنا معه ، فكيف بالحال مع رسول الله ؟
 وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى  يقول الدكتور فاضل : اختلف المفسرون في معنى كلمة الآخرة ، فمنهم من قال إنها ما هو غير الدنيا بمعنى الدار الآخرة ، وقسم قال إنها كل ما يستقبل من الحياة على العموم ، كما جاء في قوله تعالى : ( فإذا جاء وعد الآخرة ...) الآخرة هنا ليست في القيامة . الآخرة في سورة الضحى جاءت مقابل الأولى ولم تأت مقابل الدنيا فلم يقل وللآخرة خير لك من الدنيا . ومعنى الآية أن ما يأتي خير لك أيها الرسول مما مضى ، أي من الآن فصاعداً فيما يستقبل من عمرك هو خير لك من الأولى وأكد ذلك باللام في كلمة وللآخرة . وقد حصل هذا بالفعل فكل ما استقبل من حياته صلى الله تعالى عليه وسلم خير له مما حصل ، ولم يقل خير لك من الدنيا ؟ لأنه لو قالها لما صحت إلا في الآخرة ، فكأنما حصر الخير في الآخرة فقط ونفى حصول الخير فيما يستقبل من حياته صلى الله تعالى عليه وسلم ، وهذه الآية توكيد لما سبقها في قوله تعالى 
مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى .
ونؤيد كلام الدكتور الفاضل بأن الآخرة معناها ظهورك الثاني الجامع لك فيمن يمثلك فيملأ الأرض قسطاً وعدلا بعدما ملئت ظلماً وجورا ، ورد في الحديث في سنن أبي داود 
لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ لَطَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ حَتَّى يَبْعَثَ فِيهِ رَجُلًا مِنِّي أَوْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمُ أَبِي يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا  ويظهر الله دينه على الدين كله على يد هذا الرجل ويتم نوره ولو كره الكافرون  .
أما لماذا قال تعالى (لك) ولم يقل وللآخرة خير من الأولى ؟ فيجيب الدكتور فاضل ويقول : هذه السورة وسورة الشرح هما خاصتان بالرسول صلى الله تعالى عليه وسلم وهو المخاطب المباشر بهما ، ولو قال تعالى وللآخرة خير من الأولى لما صح هذا القول لأنه سيكون عاماً للناس جميعاً ، وهذا ما لا يحصل ، وعندها ستفيد الإطلاق ولا يصح على عمومه ؛ لأن بعض الناس آخرتهم شر لهم من أولاهم ، ولا يصح هذا الكلام على إطلاقه ، إنما لا بد من أن يخصص المعنى وهو للرسول الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم بالذات .
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى   يقول الدكتور فاضل عن هذه الآية : سوف دالة على الاستقبال ، وقد سبق أن قال تعالى ( وللآخرة خير لك من الأولى ) وهي تدل أيضاً على الاستقبال ، وجاء أيضاً باللام في (ولسوف) وأكده بنفس التوكيد باللام في (وللآخرة) وقد أطلق سبحانه هنا العطاء ولم يحدده ، إنما شمل هذا العطاء كل شيء ولم يخصصه بشيء معين ، إكراماً للرسول الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم وتوسيعاً للعطاء ، وكذلك أطلق فعل الرضا كما أطلق العطاء ، فجعل العطاء عاماً وجعل الرضا عاماً وذكر المعطي أيضاً وهو الرب ، وعلينا أن نتخيل كيف يكون عطاء الرب ؟ والعطاء على قدر المعطي ، وهذا كله فيه تكريم آخر للرسول صلى الله تعالى عليه وسلم كذلك في إضافة ضمير الخطاب (الكاف في ربك) .
ونقول أن من عطاء الله تعالى لرسولنا الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم أن يجعل العالم كله من أمته إلا من أبى ، وأمته من أكثر الأمم في الدنيا والآخرة وهو ما يرضي الرسول ويفرحه ، كما قال عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم : 
أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الْجَنَّةِ وَأَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا وهذا العطاء نفسه في سورة الكوثر 
إنا أعطيناك الكوثر
وهو عطاء ما بعده عطاء فهو مراد النبي ومبتغاه أن ينشمل أكثر الناس برحمة ربهم .
أما لماذا اختيار كلمة (فترضى) بالذات ؟ فيقول الدكتور فاضل : اختيار هذه الكلمة بالذات في غاية الأهمية ، فالرضا هو من أجل النعم على الإنسان ، وهو أساساً الاستقرار والطمأنينة وراحة البال ، فإن فقد الرضا حلت الهموم والشقاء ودواعي النكد على الإنسان ،  وإن فقد في جانب من جوانب الحياة فقد استقراره بقدر ذلك الجانب ، ولذا جعل الله تعالى الرضا صفة أهل الجنة ( فهو في عيشة راضية ) ( فارجعي إلى ربك راضية مرضية ) وعدم الرضا يؤدي إلى الضغط النفسي واليأس ، وقد يؤدي إلى الانتحار . والتعب مع الرضا راحة والراحة من دونه نكد وتعب ، والفقر مع الرضا غنى والغنى من دونه فقر ، والحرمان معه عطاء والعطاء من دونه حرمان ، لذا فإن اختيار الرضا هو اختيار نعمة من أجل النعم ، ولها دلالتها في الحياة عامة وليست خاصة بالرسول الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم ، فإذا رضي الإنسان ارتاح وهدأ باله وسكن ، وإن لم يرض حل معه التعب والنكد والهموم والقلق مع كل ما أوتي من وسائل الراحة والاستقرار . فإن قيل : لماذا قال يعطيك ولم يقل يؤتيك ؟ ....لان الإيتاء قد يشمله النزع والعطاء لا يشمله النزع . ( آتيناه آياتنا فانسلخ منها ) ( يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ) وقد لا يستوجب الإيتاء لشخص ما أن يتصرف بما أوتي ، أما العطاء فلصاحبه حرية التصرف فيه بالوهب والمنح ، وكما قال الله تعالى لسيدنا سليمان عليه السلام ( هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب ) أي له الحق بالتصرف فيه كما يشاء 
أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى ، وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى ، وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى لماذا حذف المفعول للأفعال :
فآوى ، فأغنى ، فهدى ، مثلما حذف في فعل قلى ؟ يقول الدكتور فاضل :
ذكر المفسرون هنا عدة آراء منها أن الحذف هو لظهور المراد ؛ لأنه تعالى كان يخاطب الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم والمعنى واضح . وقسم قال إنها مراعاة لفواصل الآيات حتى لا يقال آواك وأغناك وهداك فتختلف عن فواصل باقي الآيات ، ولكن كما سبق آنفاً ، قلنا إن القرآن الكريم لا يراعي الفاصلة على حساب المعنى مطلقاً ، وهي قاعدة عامة في القرآن : المعنى أولا ثم الفاصلة القرآنية ومثال ذلك الآية في سورة طه (إلهكم وإله موسى فنسي) وكانت الفاصلة في باقي السورة مختلفة ، وعليه فإن الحذف هنا جاء للإطلاق والدلالة على سعة الكرم ، فآوى بمعنى فآواك وآوى لك وآوى بك ، وأغناك وأغنى لك وأغنى بك ، وهداك وهدى لك وهدى بك ، فلو قال سبحانه وتعالى فوجدك عائلا فأغناك لكان الغنى محصوراً بالرسول صلى الله تعالى عليه وسلم فقط ، لكن عندما أفاد الإطلاق دل ذلك على أنه سبحانه أغنى رسوله وأغنى به وبتعليماته فيما خص الإنفاق وغيره خلقاً كثيراً وأغنى له خلقاً كثيراً وكذلك آوى الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم وآوى به خلقاً كثيراً بتعاليمه الكثيرين وتعاليمه كانت تحض على رعاية اليتامى وحسن معاملتهم واللطف بهم ، وآوى لأجله الكثير من الناس ؛ لأن من الناس من يؤوى اليتامى حباً برسول الله وطمعاً في صحبة الرسول  في الجنة ، كما ورد في الحديث :  أنا وكافل اليتيم كهاتين  وأشار إلى أصبعيه . وكذلك بالنسبة للهداية فالله تعالى هدى رسوله الكريم وهدى به خلقاً كثيراً ( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) وهدى له ولأجله من أراد سبحانه وتعالى . إذن خلاصة القول أن الحذف هنا جاء لظهور المراد وفواصل الآيات وسعة الإطلاق كلها مجتمعة لا يتعارض أحدها مع الآخر . وكذلك تناسب سعة الإطلاق هنا قوله تعالى ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) فالحذف هنا جاء للعموم والإطلاق في المعنى .
ونقول نحن عن هذه الآيات الثلاث : لقد فسرها الدكتور فاضل تفسيراً جميلا ويفسرها أحد العلماء أيضاً ويقول بأن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم مثله كمثل شجرة وجدها اليتيم فآوى إليها ، ووجدها الضال فاهتدى
بها ، ووجدها العائل فاغتنى بها ، وهذا أيضاً تشبيه جميل ، ولكن ما هو أعظم من هذه المعاني والتشبيهات هو أن الله عز وجل أرسل نبينا رحمة للعالمين فهو رحمة الله المهداة ، وعلى أساسها يجب أن نفس هذه الآيات الثلاث ونقول قال الله تعالى :
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا  وإننا نعلم جيداً بأن القرآن يفسر بعضه بعضاً ، وهذه الآية تفسير للآيات الثلاث من سورة الضحى ؛ لأن ( فسيدخلهم في رحمة منه ) تناسب ( ألم يجدك يتيماً فآوى ) ( ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً ) تناسب ( ووجدك ضالا فهدى ) وكلمة (فضل) تناسب ( ووجدك عائلا فأغنى ) ، فتكون الآيات ألم يجدك يا رحمة الله يتيم العلم والدين فآوى فيك ، ووجدك الضال عن سواء السبيل فاهتدى فيك ، ووجدك العائل المفتقر إلى الخير والثواب فاغتنى فيك ، وكل هذا العطاء المتحقق بدلالة كلمة (ألم) يعني أمر متحقق ومفروغ منه لا محالة هو من بركات الرحمة المهداة فكل الأنبياء والمرسلين يسألون الله تعالى أن يدخلهم فيها لينالوا الحظ الأوفر من القرب كما يقول سيدنا موسى عليه السلام  قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ  وقال عن الصالحين  وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  وبما أن رحمة الله أزلية قديمة بقدم
الله ، فكل العالمين في الوجود يطلبونها ، وكل الأنبياء والمرسلين آثار لها وتجليات من تجلياتها ، وإلى يوم القيامة .
وقوله تعالى فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ، وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ يقول الدكتور فاضل السامرائي : القهر في اللغة هو التسلط بما يؤذي ، ولا تقهره بمعنى لا تظلمه بتضييع حقه ولا تتسلط عليه ، أو لا تحتقره أو تغلب على ماله ، وكل هذه المعاني تدخل تحت كلمة القهر . أما السائل فاختلف المفسرون فيها ، فقال بعضهم هو سائل المال والمعروف والصدقة ، ومنهم من قال إنه سائل العلم والدين والمعرفة ، وقسم قال إنه مطلق ويشمل المعنيين ، فسواء كان السائل سائل مال وصدقة أو سائل علم ومعرفة يجب أن لا ينهر مهما كان سؤاله ، ولا يصح أن يزجر أو ينهر سائل المال أو سائل العلم والدين ،  وإذا كان هناك سائل مال أعطيناه أو رددناه بالحسنى ، وسائل العلم علينا أن نجيبه ونعلمه أمور الدين . أما النعمة فقال بعض المفسرين أنها النبوة وتعاليمها ، وقال آخرون إنها كل ما أصاب الإنسان من خير سواء كان في الدنيا أو الآخرة . وقال آخرون إنها نعمة الدين  اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا  ( ما أنت بنعمة ربك بمجنون ) والواقع أن النعمة هنا أيضاً تشمل كل هذه المعاني ، فهي نعمة الدين يجب أن يتحدث بها ويبلغ
عنها ، وهي نعمة الدنيا والله سبحانه يحب أن يرى أثر نعمته على عباده ، وأن يتحدث الإنسان بنعم الله عليه وأن يظهرها ، والنعمة عامة في الدنيا والدين ، وعلى الإنسان أن يحدث بهذه النعمة . وكذلك إذا قيل لماذا اختيار كلمة (فحدث) ولم يقل (فأخبر) ؟ فالإخبار لا يقتضي التكرار وإنما يكفي أن تقول الخبر مرة واحدة فيكون إخباراً ، أما التحديث فهو يقتضي التكرار والإشاعة أكثر من مرة ، وفي سياق الآية يجب أن يتكرر الحديث عن الدعوة إلى الله مرات عديدة ولا يكفي قوله مرة واحدة ، ولهذا سمى الله تعالى القرآن حديثاً ( فليأتوا بحديث مثله ) فمعنى (فحدث) في هذه الآية هو المداومة على التبليغ وتكرارها وليس الإخبار .
والذي نقوله ونعتقده في تأويل هذه الآيات الثلاث والتي تأتي تتمة لما قبلها من الآيات التي تخبر عن ظهور نور جامع ثاني يكون خاتماً للولاية ، وهو نسخة من ذلك النور الأول الجامع الخاتم للنبوة والذي يمثل رحمة الله في العالمين ، فأخبرنا أنه يجدها يتيم الدين فيأوي فيها ، ويجدها الضال فيهتدي فيها ، ويجدها العائل فيغتني فيها ، فيصير العالم كله على كلمة سواء إلا القليل جداً ممن لا يريد أن ينتمي وينضم إلى هذا الدين القويم الذي من مبادئه أن لا يكره أحداً على الدخول فيه ، يعني أن هناك صنفان من الناس ، يتيم فلا يجب أن يقهر ، وسائل يجب أن لا ينهر  فالصنف الأول ( فأما اليتيم فلا تقهر ) أي إن كل من فقد أحد أهم أسباب حياته في الوجود وهو مقر ومكتف بهذا الفقدان أن لا نقهره فيدخل في الدين مكرهاً ومقهوراً ، والآية ( وأما السائل فلا تنهر ) أي من يريد الدخول في الرحمة المنزلة من الرحمن الرحيم فلا تمنعه ومنها ، بل مكنه منها وأدخله في لطائفها وبركاتها ، والآية الأخيرة ( وأما بنعمة ربك فحدث ) فاستمر في إظهار عظمة وقوة هذا الدين المتين المؤيد من قبل رب العالمين بالمعجزات والكرامات الباهرات والتي لا تصمد أمامها كل النواميس الطبيعية إلى يوم القيامة ، وكما أخبرنا الصادق المصدوق بأنه سيكون هناك الحكم العدل الذي سيكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ويهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام ، فوضع الجزية عن الذين لا يريدون أن يدخلوا في حكم الإسلام هو معنى ( فأما اليتيم فلا تقهر ) وأما كسر الصليب فهو كسر شوكة الملل ، وإدخال أهلها في دين الإسلام ، وهو ما يعني في الآية الكريمة ( وأما السائل فلا تنهر ) وقتل الخنزير يمثل قتل العقائد الفاسدة عند الناس في جميع الأديان بإظهار الدلائل والحجج والبراهين الجلية وإثبات قوة الدين الروحية باستعمال الكرامات وخوارق العادات وهذا معنى ( وأما بنعمة ربك فحدث ) . 


تأريخ النشر 12- 2-2014
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: اسحق      البلد: السودان       التاريخ: 14-02-2014
نعم التفسير هو لانه اعتمد المنحي الروحي غير النظور لعلماء الواقع والمنظور .


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة