الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم النور الأعظم




إن من أراد أن يتحدث عن الحضرة المحمدية المقدسة يقف في مقام المتحير أمام عظمته ، فهو النور الإلهي المتجسد والمنزَّلُ في خير أمة أخرجت للناس ، فلم تكن ذاته الشريفة مخلوقةً من ماء وطين كسائر خلق الآدميين تنحلُ بموتهم إلى تراب ، بل هو نور يتحول من لطيف إلى كثيف أو من كثيف إلى لطيف , لأنه مرتبط بنور الألوهة ، كارتباط لا إله إلا الله بمحمد رسول الله ، فهو فناء أزلي دائمي . ولا يحل لنا في تفكيرنا أن نقول بتجزئة النور وانفصاله بل بتشعبه واتصاله . فهذا النور هو الصفة الإلهية المتجسدة في عالم الإمكان . وقد ورد في الذكر الحكيم والسنة المطهرة تصريح وتلويح يؤكد أنه نورٌ وأن تكوينه البشري ليس كتكوين سائر البشر ولله در من قال :

محمدٌ بشرٌ وليس كالبشرِ           بل هو ياقوتةٌ والناس من حجرِ

ومن ذلك قوله تعالى :
قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ . يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ
(1) .
إذ يتبين من خلال هذه الآية الكريمة أن حضرة الرسول الأعظم هو نور الله وكتابه المبين ، فلا اختلاف بينهما إلا في التعبير ، ولهذا قال سبحانه وتعالى يهدي به وليس ( بهما ) ، وفي هذا دلالة واضحةٌ على أن ( النور المعطوف على الكتاب ) هما لأصل واحد هو حضرة الرسول الأعظم ، وهو مظهر صفة الحق الأزلية .
وقال تعالى :
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً . وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً
(2) .
ومن خلال دراسة الآية الكريمة والتفكير في معانيها الروحية يتبين لأصحاب العقول المدركة والأذهان النقية أن الله سبحانه وتعالى أخبر بأن نبيه الكريم هو مصباح دائم النور ، يستنير من الحق ، وينير الخلق ولا ينقص منه شيئاً ، ولذلك قال تعالى عنه سراجاً منيرا .
ومما ورد في السنة النبوية المطهرة : أن الرسول كان ينبه أصحابه إلى هذه الحقيقة ، وقد روي عنه أنه كان يقول لهم :
أيها الناس : أني أمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف فإني أراكم من أمامي ومن خلفي
(3) .
( وأخرج الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله قال :
هل ترون قبلتي ها هنا فو الله ما يخفى عليّ ركوعكم ولا سجودكم ، إني لأراكم من وراء ظهري
(4) .
( وأخرج عبد الرزاق في جامعه والحاكم وأبو نعيم عن أبي هريرة إن النبي قال :
إني لأنظر إلى ما ورائي كما أنظر إلى ما بين يدي
(5) .
( وأخرج أبو نعيم عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله :
إني أراكم من وراء ظهري
(6) .
( وأخرج الحميدي في مُسنده ، وابن المنذر في تفسيره ، والبيهقي عن مجاهد في قوله تعالى :
الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين
(7) ، قال : كان رسول الله يرى من خلفه من الصفوف كما يرى من بين يديه . فهو نور الله الذي يشع في كل الاتجاهات ولا تحجبه جهةٌ أو ثوب أو حائط أو مسافة .
( وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : « بينما أخيط ثوباً في السحر ، فوقعت الإبرة مني وانطفأ المصباح ، إذ دخل عليّ رسول الله فالتقطت الإبرة من نور وجهه فقلت : يا رسول الله ما أبهى وجهك وما أنور طلعتك ! فقال :
يا عائشة ، الويل لمن لم يرني يوم القيامة فقلت : ومن ذا الذي لا يراك يوم
القيامة ؟ فقال : البخيلُ الذي إذا ذكرت عنده ولم يُصلِّ عليَّ
(8) » .
وفي مرة ثانية شدت حزامه على وسطه ، ولما طوّقته بالحزام اخترقهُ ونفذ من خلاله .
وفي مرةٍ ثالثة كانت تصب الماء على يديه ، فلما رفع رأسها رأتْ نوراً يصلُ الأرض بالسماء .
وكان صحابته رضي الله عنهم يرون نوره ينتقل من مكان إلى مكان من مسافات بعيدة وخاصة في الليل ، فكانوا يعرفون مكانه من ذلك ؛ لأنه لم يكن له ظِلٌ كسائرِ المخلوقات لأن أصل خلقته نور جبروتي ، وروحانيته سرٌّ ملكوتي ، والذي يعضد هذا الكلام ويدلل عليه ، وجود خصلات من شعره النوراني المبارك التي ما إن وضعت أمام مرآة فإنها لا تنعكس لها صورة فيها ؛ لأنه نور متجسّد لا ظل له .
ومن خواصه النورية : أنه يرى في الليل كما يرى في النهار .
( أخرج أبن عدي وأبن عساكر ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله يرى في الظلماء كما يرى في الضوء .
( أخرج البيهقي عن ابن عباس قال : كان رسول الله يرى بالليل في الظلمة كما يرى بالنهار في الضوء .
وهذه الخصيصة تعني أنه يرى بنوره وليس بالضوء الحسي الاعتيادي ، فلا يقترب منه ظلم الأكوان الحسية والمعنوية ، وإذا سار على الأرض لا يتركُ أثراً على التراب أو الرمل ، ويترك الأثر على الصخر الجلمود .
قال الشاعر :

لك مشيٌ على الرمال خفيٌّ            لك في الصخر غاصت الأقدامُ

( وعن جابر بن عبد الله قال : قلت يا رسول الله : بأبي أنت وأمي أخبرني عن أول شيء خلق الله قبل الأشياء . قال :
يا جابر إن الله تعالى خلق قبل كل الأشياء نور نبيك من نوره ، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله . ولم يكن في ذلك الوقت لوحٌ ولا قلمٌ ولا جنةٌ ولا نارٌ ولا ملكٌ ولا سماءٌ ولا أرضٌ
(9) .
ومن الشواهد الكثيرة على عظمة نوره أنه في إسراءه ومعراجه : « لما بلغ إلى سدرة المنتهى فإذا الحجب النورانية ، فنزل عن البراق بمنصة جبريل - عليه السلام - ، وجيء إليه بالرفرف وهو نظير المحفة عندنا فقعد عليه وسلمه جبريل إلى الملك النازل بالرفرف ، فسأله الصحبة ليأنس به ، فقال له لا أقدر ولو خطوت خطوة لاحترقت »(10) . ونستدل من هذه الحالة أن نور سيدنا محمد أرقى من نور جبريل - عليه السلام - وأرقى من الحجب النورانية ، مما يدل على أصالة نوره وقدمه المستمد من نور الله - عز وجل - ، وأنه سابق لكل الأنوار من حيث الأولية والأفضلية .
وعن حليمة السعدية قالت : « ... فقدمت إلى اليتيم رويداُ فوجدته مدرجاً في ثوبِ صوفٍ يفوحُ منه المسك راقداً على قفاه فأشفقت أن أوقظه من نومه لحسنه ، فدنوت منه رويداً ووضعت يدي على صدره ، فتبسم ضاحكاً وفتح عيناه ونظر إليَّ ، فخرج من عينيه نورٌ حتى دخل جلال السماء وأنا أنظر إليه ، فقبلته بين عينيه »
(11) .
ويروى « أنه لما رجع إلى مكة في ليلة الإسراء والمعراج أخبر بمسراه أم هانئ بنت أبي طالب وأنه يريد أن يخرج إلى قومه يخبرهم بذلك ، فتعلقت بردائه ، وقالت : أنشدك الله يا أبن عم أن لا تحدث بهذا قريشاً فيكذبك من صدقك ... فضرب بيده على ردائه فانتزعه منها ، قالت وسطع نور عند فؤاده كاد يخطف بصري ، فخررتُ ساجدةً ، فلما رفعت رأسي فإذا هو قد خرج » (12) .
ومن الشواهد الأخرى ما حصل لأويس القرني مع بعض الصحابة إذ رأى نورانيته ، فقد ورد أن رسول الله قال لبعض أصحابه منهم سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، وقال :
إذا لقيتم أويساً القرني فاطلبوا إليه أن يستغفر لكم فأنه مجاب الدعاء
(13) ، فقد صوّره رسول الله وأنطق ملامحه وأوضح سماته ، ولم يكن من الصحابة أحد قد شاهد أويساً أو أستمع إليه أو سمع به . فهو لم يهبط الحجاز ولم تحس بخطوه أرضُ نجدٍ أنه يمشي خامل الذكر مجهول في الأرض ومعروف في السماء . وبعد لقائه ببعض الصحابة قال : لقد كان لكم فضلُ التمتّع والشرف برؤيته ، وأما أنا فقد حرمت هذا الشرف والفضل ، ولكني أعرفه في بصيرتي على غير ما رأيتم بأعينكم وشاهدتم أعرفه نوراً ساطعاً يملأ الفضاء ويسري في الوجود ، أعرفه ورأسه الشريف قاب قوسين أو أدنى من العرش وقدمه في مستقر الأرض السابعة .
فكان نور الوجود ونور الإدراك مستمداً من فيض نوره .
يقول الشيخ سعيد النورسي :
« بينما ترى العالم كتاباً كبيراً ترى نور سيدنا محمد مداد قلم الكاتب .
وبينما ترى العالم يلبس صورة الشجرة ترى نوره نواتها أولاً وثمرتها آخراً .
وبينما ترى العالم جسماً ترى نوره روحه .
وبينما ترى العالم حديقةً مزهرةً ترى نوره عندليبةً .
فإذا فارق نور الرسالة المحمدية الكون وغادره ، مات الكون وتوفيت الكائنات »
(14)
فهو سر الله الأعظم وكنزه المطلسم ، ورصده المبهم ، وصراطه المقوم ، وحبيبه المفخم ، ورسوله المعظم ، مفتاح العلوم الربانية ، ونقطة الباء الديمومية ، إكسير جميع المخلوقات ، نتيجة سر إيجاد الخلائق ، خطيب توحيد الله وربيب تقديس الله وتمجيد الله ، وشقيق نور وأليفُ محبةِ الله ، وشمس رسل الله ، وقمر أنبياء الله المنقدح من نورِ ضياء الله .


الفهرس :-

(1) - المائدة : 15 ، 16 .
(2) - الأحزاب : 45 ، 46 .
(3) - صحيح مسلم ج 1 ص 320 .
(4) - ورد الحديث في صحيح مسلم ج 1 ص 319 برقم 424 .
(5) - صحيح ابن حبان ج 14 ص 250 .
(6) - ورد الحديث في صحيح مسلم ج 1 ص 319 برقم 424 .
(7) - الشعراء : 219 .
(8) -ورد بصيغة أخرى في دلائل النبوة للأصبهاني ج 1 ص 113 ، راجع فهرس الحديث .
(9) - كشف الخفاء ج 1 ص 311 برقم 827 .
(10) - الشيخ عبد الوهاب الشعراني - اليواقيت والجواهر - ج 2 ص 34 .
(11) - عبد الرزاق محمد اسود - حياة الرسول المصطفى - ص 140 .
(12) - الشيخ أحمد زيني دحلان - السيرة النبوية - ص 278 .
13) - صحيح مسلم ج 4 ص 1968.
(14) - الشيخ سعيد النورسي - السنة النبوية سنة كونية وحقيقة روحية - ص 22 - 27 .

المصدر :-
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان- للسيد الشيخ محمد الكسنزان الحسيني_ ج22 ص260

تأريخ النشر : 6 - 1 - 2014
 
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: خليفه اقبال شاهدوست      البلد: ايران بانه       التاريخ: 06-01-2014
بسم الله الرحمن الرحيم الَّلهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الوَصفِ وَٱلوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ وَالحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلِّمْ تَسليماً وردت هذه اللفظة في القرآن الكريم مرتين ، منها قوله تعالى : وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظيمٍ (1) ...... وعن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله (ص) : إنَّ لكل دِين خُلُقَاً ، وخُلُق الإسلام الحياء (2) . وفي اللغة : تَخَلَّق بأخلاق العلماء : حمل نفسه على التطبع بها .... خُلُق : ما يوصف بالحسن والقبح من الأعمال . وفي علم النفس : تنظيم متكامل لسمات الشخصية أو الميول السلوكية يمكن الفرد من الاستجابة للعرف وآداب السلوك (3) . إن من أعظم ما مدح به الله سبحانه وتعالى نبيه الكريم سيدنا محمد (ص) هو الأخلاق ، فقال تعالى وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظيمٍ (4) . وكفى بها فضلاً ، فلم يزل الخلف على أثر السلف يتضورون ملتزمين أعنّة الهمة ، وأزمة العزيمة من أول قدم يضعونها على سلّم الفضيلة في إحراز قصب السبق لإدراك بعض الفضل من الأخلاق المحمدية الكريمة الفاضلة . ومنزلة كل امرئ إنما تُعرف بحسن خلقه مهما كان عالماً أو عابداً ، وقد حصر حضرة الرسول الأعظم سيدنا محمد (ص) في حديثه الشريف بعثته لإتمام مكارم الأخلاق حين يقول : بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق (5) . فالصوفية أحيوا سُنة الرسول (ص) في الاقتداء بأقواله وأعماله وأحواله وأخلاقه الشريفة ، فأثمر لهم ذلك حُسن الأخلاق وزكت نفوسهم وطَرْق التزكية بالإذعان إلى سياسة الشرع والتأسي به (رسول الله) . كما أن الفضل بين الناس في الجنة من حيث القرب إلى حضرة المصطفى (ص) إنما تقرره الأخلاق . عن جابر ، إن رسول الله صلى (ص) قال : إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً ، وإن أبغضكم إليّ وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون المتشدقون المتفيقهون(6)(7) . ولقوله : إن خياركم أحاسنكم أخلاقاً (8) . قال رسول الله () : الحياء من الإيمان ، والإيمان في الجنة ، والبذاء من الجفاء ، والجفاء في النار (9) . فالإيمان والأخلاق متلازمان ، فإن ضعفت الأخلاق ضعف الإيمان . وأنفع شيء للعبد في ميزان الأعمال الصالحة : الخُلق الحسن . عن أبي الدرداء أن النبي (ص) يقول : ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن ، وإن الله ليبغض الفاحش البذيء (10) . إن تفاضل المؤمنين في حسن أخلاقهم ، جعل علامة كمال الإيمان ، وإلى ذلك أشار حديث النبي (ص) : إن من أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وألطفهم بأهله (11) . وسئل رسول الله (ص) عن أكثر ما يدخل الناس الجنة قال : تقوى الله وحسن الخلق ، وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار ؟ قال : الفم والفرج (12) . فاهتمام الإسلام بالأخلاق الحسنة ودعوته إليها ؛ لأن لها أثراً عظيماً في بقاء الأمم وازدهار حضارتها واستدامة صفتها واستمداد قوتها ، فإذا ضعفت الأخلاق وسقطت ، سقطت الأمة تبعاً لسقوط الأخلاق


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة