الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا

الناحية الصوفية عند بطل الاسلام صلاح الدين الايوبي ( 532 – 589)





لقد ارتبط في العصر الوسيط وصف الصلاح ، والزهد ، والورع ، وحسن العقيدة بالصوفي .

ولذلك لا نبالغ إذا نعتنا السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب الذي خلف نور الدين على عرش مصر والشام بالصوفي ، الزاهد ، والورع ، التقي ، النقي ، بركة أهل زمانه  ، كما يقول السبكي في طبقاته . ولعل النصوص التي بين أيدينا ، تلقي ضوءا على ذلك .
نشأ صلاح الدين و ترعرع في بيئة يغلب عليها طابع التصوف .
فأبوه الأمير نجم الدين أيوب ت ( 568 هـ ) (( كان خيّرا ، حسن السيرة ، كثر الإحسان إلى الفقراء والصوفية  والمجالسة لهم )) .
 قال ابن كثير : كان شجاعا ، كثير الصلاة ، وله خانقاه بالديار المصرية ، وله بدمشق خانقاه ، وقد رأى ابن خلكان في بعلبك خانقاه  للصوفية يقال لها النجمية ، وهي منسوبة إليه ، ومدحه بأنه كان كثير الصلاح .
 إلا أن التأثير الأكبر في أخلاق وشخصية صلاح الدين ، جاء من سيده نور الدين،الذي تعلم منه طرائق الخير ، ومحبة أهل الله ، و الاجتهاد في أمور الجهاد ، وقد سار على الدرب نفسه الذي سلكه سلفه ، فقيل أن يشرع بتخليص البلاد من براثن الصليبيين
بقي اثنتي عشرة سنة ( 570 – 582 هـ ) يعمل من اجل تحقيق الوحدة ، وإعداد قوة الإسلام المادية و الروحية ، فزاد من إنشاء الربط والخوانق والزوايا ، وجعل منها مدارس عسكرية و تربوية ، قال الصفدي : وأربى على نور الدين في جميع ذلك وأردف كلامه هذا شعرا :
أحيا الذي قد سنّ نور الدين
                         وزاد ما أمكن من تحسين

ويعد صلاح الدين أول من ادخل مثل هذه المواضع على مصر . 
قال القلقشندي : ( وأما الخوانق و الربط ، فمما لم يعهد بالديار المصرية ، قبل الدولة الأيوبية . وكان المبتكر لها صلاح الين بن أيوب ).
ووافقه في ذلك المقريزي  والسيوطي وغيرهما : ( أن صلاح الدين أول من أنشأ خانقاه للصوفية بمصر ، ووقف عليها أوقافا كثيرا ، وكان سكانها يعرفون بالعلم والصلاح، وولي مشيختها الأكابر ، وممن ترجي بركتهم .... مع ما كان لهم من الوزارة ، و الإمارة ، وتدبير الدولة ، وقياده الجيوش ، وتقدمة العساكر ) .
وقد استرعت هذه الأمور  الرحالة الأندلسي ابن جبير ، أثناء رحلته إلى المشرق سنة
( 582 هـ ) فقال : (( ومن مناقب هذا البلد ( مصر ) ومفاخره ، العائدة في الحقيقة إلى سلطانه ، المدارس والمحارس الموضوعة لأهل الطلب والتعبد ... وهذا السلطان الذي سن هذه السنن المحمودة ، هو صلاح الدين المظفر ، وصل الله صلاحه وتوفيقه )) .
وكان – رحمه الله – أينما حل ونزل ، يبني المدارس الشرعية والمدارس الروحية،جنبا إلى جنب .
فخلال فتح صلاح الدين للقدس سنة ( 583 هـ ) ، أمر المسلمين بالمحافظة على كنيسة القيامة ، وبنى بالقرب منها مدرسة للفقهاء الشافعية ورباطا للصلحاء الصوفية ووقف عليها وقوفا  ، وأسدى بذلك إلى الطائفتين معروفا . وفي فتحه لعكا ، وقف نصف دار ( الإستبار )) رباطا للصوفية ، ونصفها  مدرسة للفقهاء، 
ولا نجد غرابة من صلاح الدين في فعل مثل هذه الأشياء الحسنة ، لا سيما إذا علمنا أن الفريقين قد رافقوه في معاركه وفتوحاته .
ويبرز المؤرخون لنا هذا الحضور ، وخاصة فتح القدس .  قال ابن خلكان :
(( وكان فتحه عظيما ، شهده من أهل العلم خلق ، ومن أرباب الخرق و الزهد عالم )) ويعزز هذا الكلام ، قول ابن الوردي في تاريخه : (( وشهد فتحة كثير من أرباب الخرق والزهد والعلماء في مصر والشام بحيث لم يتخلف منهم احد )).
وقد كان صلاح الدين يصحب معه علماء الصوفية لأخذ الرأي و المشورة ، فضلا على أن وجودهم يعتبر حافزا قويا للمريدين على القتال ببسالة وشجاعة نادرة .
وإذا كانت المصادر اللاتينية ، تتحدث أن القوة الفتاكة في جيش الإفرنج تمثلت بطائفة الفرسان ، فقد تصدى لها البطل صلاح الدين : ( باعتماده ، على جماعة من الصوفية الزهاد ، فأوكل إليهم قتل هؤلاء الفرسان ، وتخليص الناس من شرورهم ، لان هؤلاء الصوفية كانوا اشد شوكة ) .
وجدير بالذكر ، أن النسبة العددية الأكثر في موقعة حطين ، لم تكن للجند النظامية ، بل كانت للمطوعة و المتصوفة مع أتباعهم . 

ويصف لنا جمهور المؤرخين شخصية صلاح الدين بقولهم :

(كان – رحمه الله – حسن العقيدة ، كثير الذكر لله تعالى ، قد اخذ عقيدته على الدليل بواسطة البحث مع مشائخ أهل العلم ، وقد جمع له الشيخ أبو المعالي النيسابوري ( المنعوت بالقطب ) عقيدة سليمة في علم الظاهر والباطن) .
وقد كان شافعي المذهب ، اشعري الاعتقاد ، يلقن أولاده من صغرهم عقيدة الأشعري كما كان يلقنهم القران ، فضلا على انه كان يحفظهم منظومة تتضمن أراء الاشعري
ت (  324 هـ)
سلك صلاح الدين طريق زهد الصوفية ، لدرجة انه كما قال ابن شداد ( سكرتيره وقاضيه )،( مات – رحمه الله – ولم يحفظ ما تجب عليه الزكاة ... ولم يخلف في خزانته إلا سبعا وأربعين درهما ناصرية ، وجراما واحدا ذهبا ، ولم يخلف ملكا ولا دارا ولا عقارا ولا بستانا ، ولا شيئا من أنواع  الأملاك . وقنع من الدنيا في ظل خيمة ، تهب بها الرياح ميمنة وميسرة . وإذا كان من تعريفات الصوفي : هو من يستوي عنده الذهب والمدر ( الطين ) ، فإننا نجد عند صلاح الدين تطبيقا لهذه القاعدة ، والى ذلك يشير كاتب سيرته : (( وسمعت في معرض حديث جرى ، يمكن أن يكون في الناس من ينظر إلى المال كما ينظر إلى التراب ، فكأنه أراد بذلك نفسه - رحمة الله – )) . والروايات كثيرة تؤكد زهد صلاح الدين وتقشفه في مأكله وملبسه بينما يغدق كرمه على الفقهاء والصوفية ، ويوقف القرى بما تملك  من موارد وإرباح  خدمة للزوايا ودور الفقراء ، وأعمار المشاهد الدينية لأضرحة الأولياء والصالحين . فعند حديث ابن شداد عن  المزارات التي في ظاهر حلب ، قال : ومنها (( مشهد الحسين )) ولما ملك صلاح الدين يوسف حلب ، زاره في بعض الأيام ، وأطلق له عشرة آلاف درهم . وقد رأى ابن جبير عددا كثيرا من المشاهد تزار ويتبرك بها ويلجأ إليها الغرباء والصلحاء،وقال : ومنها قبة ومشهد الإمام الشافعي – رضي الله عنه - وهو يصفه بأنه من المشاهد العظيمة ، وسلطان هذه الجهات صلاح الدين يقول للقائم عليه : زد احتفالا وتأنقا ، وعلينا القيام بمئونة ذلك كله . وكما هو معروف فقد زار – قدست روحه – قبر الإمام الشافعي للتبرك به . واتفق مع الشيخ العارف بالله نجم الدين الجيوشاتي على بناء تربته ، فقد كان السلطان يحترم هذا الشيخ ويكرمه . ومن الأضرحة التي زارها صلاح الدين أيضا ، قبر الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز في معرة النعمان ( قرب حلب ) ، وكان له هدف أخر من هذه الزيارة ، وهو لقاء الصوفي المقيم دائما هناك أبي زكريا المغربي .
قال ابن الأثير : وكان هذا الشيخ صاحب كرامات ظاهرة . وقال أبو شامة : فتبرك بزيارة الميت والحي .
وكان صلاح الدين إذا سمع بأحد العارفين بالله ، زاره في زاويته  ليقتبس من أنواره .
وغير الذي ذكرنا ، زار أيضا الولي : حياة بن قيس الحراني ت  ( 581 هـ ) وطلب منه الدعاء بعدما استشاره في أمر فتح الموصل . وقد أقام على الموصل بعد فتحها ، اتابك عز الدين مسعود زنكي ت ( 589هـ ) ، وذلك لما كان عليه من الشجاعة و العقل وقوة النفس ، (( وكان من خيار الملوك ))  قال عنه ابن الأثير : (( وكان حليما ، كثير الحياء ، وكان قد حج ولبس بمكة خرقة التصوف )) . كما رحل صلاح الدين وأولاده وأخوته إلى الحافظ السلفي الاصبهاني ت ( 579 هـ ) وكان فقيها صوفيا . وكان يحترم ويجل الطبيب الصوفي الأندلسي عبد المنعم الجلياني ت ( 602 هـ )  صاحب أدب السلوك ، نزيل دمشق ( 575 هـ ) . وقد رافق الجلياني جيش صلاح الدين في معظم حروبه . ( وهو يشبه في عمله هذا رئيس المجموعة الطبية التي ترافق الجند في أيامنا هذه ) . قال عنه ابن شاكر : (( كان أديبا فاضلا ، وطبيبا حاذقا ، له معرفة بعلوم الباطن،وكلام على طريق القوم )) . ومن مشايخ الصوفية الذين كان يراسلهم صلاح الدين ويعتقد فيهم :   أبو عبد الله علي بن الحسين المعروف ب ( قضيب البان ) القادري البغدادي ، الذي كان له خطب ومواقف ، كانت احد العوامل في حث الملوك الاتابكية و الأيوبية ، في قيادة جيوش الإيمان ، وقيامهم بحروب التحرير ضد الغزاة الصليبيين . وقد بعث – رحمه الله – قبل موته إلى السلطان صلاح الدين عددا من أبنائه ، للمشاركة في تحرير القدس من ربقة الأعداء ، واستطاع احدهم وكان ملثما قتل احد قادة جيوش الصليبيين ، وقد طلب من الفارس الملثم التقدم للمكافأة فلم يجب احد . وهذا يذكرنا بقصة الإعرابي الذي بايع الرسول على الجهاد ، فلما انقشع غبار المعركة ، أراد الرسول الكريم أن يعطيه حصته من المغانم ، فقال له الإعرابي : ما بايعتك على هذا يا رسول الله ، وإنما بايعتك على أن أرمى بسهم هاهنا – وأشار إلى صدره – وادخل الجنة . وعلى هذا الأساس ذهب كثير من الدارسين إلى القول : بان الصحابة – رضوان الله عليهم – بما اثر عنهم من أقوال وأفعال وأحوال ، جميعهم من الزهاد الصوفية ، وان لم يكن الاسم معروفا في ذلك الوقت ، وان راس حركة التصوف الإسلامي بمعناها السلوكي الدقيق هو النبي ، الذي تتلمذ على هدي سلوكه المأثور جميع الصوفية ، وجهدوا لاتخاذه القدوة النموذج .  وبلغ من تعظيم صلاح الدين للرسول واهتمامه بمولده الشريف ، انه كان يدفع للكتاب الذين يؤلفون في قصة المولد ، العطايا الواسعة ، وجدير بالذكر أن المدائح النبوية ازدهرت في فترة الحروب الصليبية ، وأصبحت فنا مستقلا بذاته ، فقد مدح الشعراء الرسول الكريم و توسلوا به إلى الله سبحانه لكشف الغمة عن أمته . نسوق نموذجا على ذلك ، الشاعر الشهيد ابن رواحة الحموي ، وكان قد زار قبر النبي متوسلا ومتشفعا به إلى الله ، ليحقق أمنيته في الشهادة .
فقال من قصيدة : 
يا خاتم الرسل سل الله لي خاتمة محمودة العاقبة 
                                            
 ولا تردن يدي بعدما مددتها متشفعا خائبة 

ويذكر ابن واصل في تاريخه : أن ابن رواحة عندما نام رأى النبي   وهو يقول : قبلت يا بن رواحة ، وبعد ما عاد رافق السلطان صلاح الدين في حصاره لعكا واستشهد هناك سنة ( 585 هـ ) .
ونعود إلى ما كنا بصدده عن السلطان الزاهد ، فيذكر ابن إياس الحنفي ،في تاريخه عند حديثه عن مناقب صلاح الدين : (( وهو أول من اتخذ قيام المؤذنين في أواخر الليل وطلوعهم إلى المآذن للتسبيح حتى يطلع الفجر ، و كان لا يلبس إلا الثياب القطن والجبب الصوف . وقد عده اليافعي من جملة الأولياء الثلاثمائة . ومن الشعراء القدماء من أثنى على نزعة التصوف التي تميز بها السلطان فقال احدهم :
          
ملك له في الحرب بحر تفقه 
                                     
وله غداة السلم زهد تصوف
وحكى انه كان يجتمع عنده  الصوفية كل ليلة جمعة ، ويتداعون لحضور محافل الذكر وسماع الأناشيد و القصائد النبوية .
ويدلنا على ذلك كلام ابن الأثير في الكامل : (( كان يحظر عنده الفقراء والصوفية
ويعمل لهم السماع ، فإذا قام احدهم للرقص أو سماع يقوم له ، فلا يعقد حتى يفرغ الفقير
)) 
وقد انشده الواعظ التنوخي أبياتا تدل على تشبع صلاح الدين بروح الصوفية .
وعن تورع هذا البطل ، نسوق حوارا جرى بينه وبين كاتبه ( العماد الأصفهاني ) يقول العماد : (( رأى لي يوما دواة محلاة بالفضة ، فأنكرها،وقال  : هذا حرام ، فقلت على سبيل المدافعة والمناظرة ، أوليس يحل حلية السلاح ، واستصحابه في الكفاح ؟ ودوائي أنجع ، ومداد دواتي أنفع ، وسلاح قلمي احد وافتك وأقتل ، فقال: ليس هذا صالحا
فقلت له أن الشيخ أبا محمد والد إمام الحرمين قد ذكر وجها في جوازه  ، ثم لم اعد بعدها اكتب في تلك الدواة )) .
لذلك نرى العماد القريب من صلاح الدين يفجع أكثر من غيره بانتقال هذه الروح الطاهرة إلى جوار ربها فيقول : مات بموته رجاء الرجال ، واظلم بغروب  شمسه فضاء الأفضال ، وكان معصبا للكبائر ولا يسامح بالصغائر . ورثاه في قصيدة رفعه فيها إلى درجة الخلفاء الراشدين ، من ذلك قوله :
                     
لا تحسبوه مات رجل واحد
                                               
قد عم كل العالمين مماته
                  
لو كان في عصر النبي لأنزلت
                                                 
في ذكره من ذكره آياته
قال الذهبي : وجد الناس عليه شبيها بالأنبياء ، وما رأيت ملكا حزن الناس لموته سواه .
وبنى ولده الأفضل على قبره قبة ، شمال الجامع الأموي لزواره ، قال أبو شامة : حكي لي انه رؤي في المنام النبي في جماعة من الصحابة ، زاروا قبر صلاح الدين رحمه الله .
وذكر القاضي مجير الدين الحنبلي وغيره : أن الدعاء عند قبره مستجاب .
 ومن المستحسن ذكره هنا قبل ختام كلامنا عن صلاح الدين ، انه قبل وفاته زوج أخته خاتون من الملك المظفر : أبو سعيد كوكبري تعالى ( 630 هـ ) صاحب إربل ، وذلك لشجاعة’ هذا الأخير ، وحسن اعتقاده في التصوف .
قال ابن كثير في ترجمته : ( أحد الأجواد والسادات الكبار ، والملوك الأمجاد ، له آثار حسنة ، وكان يعمل المولد الشريف ، ويحتفل به احتفالا يحضره العلماء والصوفية ويصرف عليه كل سنة ثلاثمائة إلف دينا . وكان مع ذلك شهما ، شجاعا ، فاتكا ، بطلا  عالما ، عادلا ، متقشفا على نفسه حتى أن زوجته عاتبته على ذلك فلم يسمع كلامها وقيل انه استطاع أن يفك من الإفرنج ستين ألف أسير مسلم .
وقد صنف له الشيخ أبو الخطاب بن دحية مجلدا في المولد ، سماه : (( التنوير في مولد البشير  فأجازه على ذلك بألف دينار ) .
وقال ابن خلكان في معرض حديثة عن الملك المظفر هذا ؛ ( كان موصوفا بالقوة المفرطة ، والشهامة ، شهد مع صلاح الدين مواقف كثيرة ، وثبت في مواضع لم يثبت بها غيره ، ولم ينقل انه انكسر في مصاف معركة قط ، وكان حسن العقيدة ، ويعمل السماع للصوفية ، وبني لهم الخوانق ، واحتفاله بالمولد فان الوصف يقصر عن الإحاطة به ) . كما يعمل للجند عرضا أثناء الاحتفال بالمولد ، وتارة نظر السلطان إلى الناس ، وتارة إلى الجند، وبعد الانتهاء من العرض ، يعد سماط الأكل والحلوى .... وختم كلامه قائلا : ومع الاعتراف بجميله ومحاسنه ، فلم اذكر شيئا على سبيل المبالغة ، بل كلما ذكرته عن مشاهدة وعيان .
ونحن يطيب لنا أن نردد مع شاعرنا البوصيري ت( 696 هـ ) بعض ما قاله في بردته المباركة :
                    
ومن تكن برسول الله نصرته
                                              
أن تلقه الأسد في آجامها تجم

كان لاهتمام صلاح الين بأمور التربية الروحية ، أثرها البعيد في تموين شخصيات أولاده  ، وخاصة الملك الظاهر  غياث الدين غازي صاحب حلب ت ( 613 هـ ) فقد كان يكثر التردد على الشيخ محي الدين بن عربي الصوفي المشهور ، ويسأله الدعاء له ، ويتلقى منه إرشاداته . وقد اثني عليه ابن عربي في بعض كتاباته بقوله : ((  ما رفعت إليه حاجة من حوائج الناس إلا سارع في قضائها من فوره ، من غير توقف ، كانت ما كانت )) يصفه المؤرخون : بأنه كان مهيبا ، ذا سياسة وفطنة ، ودولته معمورة بالعلماء والفضلاء و الأكابر ، حضر معظم غزوات والده ، وهو الذي جمع شمل البيت الأيوبي ، وكان ملجئا للغرباء ، وكهفا للفقراء ، ويزور الصالحين ويتفقدهم . ويذكر ابن شداد ، أن فتح عكا ، تم ببركة قدوم الملك غازي ، بما أظهره من أعمال البطولة الخارقة ، واستبشر والده صلاح الدين ) بغرته ، وعلم أن ذلك بيمن وصلاح سريرته ، واستبرك  أن النصر مقرون بمجيئه مرة مع أخرى ، وثانية بعد أولى . وهو الذي صد غارات الصليبيين عن حلب ، وقد علق المؤرخ البريطاني توينبي على ذلك قائلا : لو سقطت حلب للصليبيين لصار الشرق لاتينيا .
وكان – رحمه الله – كوالده ، يوقف على مزارات الأولياء أوقافا جمة،ويذكر ابن الشحنة عن أحداها ، لما عظم الملك غازي هذا المشهد ، عظمه الناس ، ويروى انه من عجيب أمر هذا المشهد ، أن التتار لما ملكوا البلاد ، لم يقتلوا أحدا ممن التجأ إليه .
قال ابن العديم : ولم يجتمع بباب احد من الملوك بعد سيف الدولة ابن حمدان ما اجتمع ببابه من الشعراء ، والقراء ، والفقراء ، وغيرهم وأصيب أهل حلب بموته بمصيبة فتت في أعضادهم ، وكان له من كل دار مأتم وعزاء ، وافرد له ابن أبي طي كتابا مستقلا بعنوان : (( عقود الجواهر في سيرة الملك الظاهر )) . ولا شك أن ابن الأثير انصفه ، حين نعته بأنه (( من خيار عباد الله )) .


المصدر:-
كتاب البطولة والفداء عند الصوفية –سعد الخطيب –ص104 – 117مع الاعتذار لعدم كتابة المصادر- ويمكن الرجوع الى الكتاب .

تأريخ النشر : 8-12-2013
   
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة