الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
من الأمانة (كتم الأسرار)



سر الإنسان من أهم ما يجب الحفاظ عليه ، واختصاص المرء به نفسه دون سواه .. وهناك كثير من الأعمال والمصالح والمشروعات ، لا تتم إلا إذا كتم الإنسان سرها في نفسه وطواها عن غيره غير مضارٍ به ، لكي يتسنى له المضي فيما عزم عليه من أشياء لم تتهيأ أسبابها ، ولم تبرز بعد إلى حيز الوجود ، فلا يوجد هناك مشوه يعكس عليه نتيجة عمله ، ولا عائق يقف في سبيله ، وبذلك يكلل سعيه بالنجاح ، ويظفر بالبغية التي ينشدها والحاجة التي يطلبها ، وهو مخبوء تحت ستار الكتمان في حفظ من كيد الكائدين ، وحصن من عدوان الظالمين ، ووقاية من شر الحاسدين ، وفي هذا قال الله تعالى حكاية عن يعقوب عليه السلام ينصح ابنه يوسف : قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : اسْتَعِينُوا عَلَى إِنْجَاحِ الْحَوَائِجِ بِالْكِتْمَانِ، فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ (1) ، وقال بعض الأدباء : من كتم سره احكم أمره ، وكانت الخيرة في يده ونال الظفر بحاجته ، وأحرز سلامته من كل شر . قال الشاعر :
وإن أردت نجاحاً أو بلوغ منى **** 
فاكتم أمورك عن حاف ومنتعل
وقال احد الحكماء لابنه : يا بني كن جواداً بالمال في موضع الحق ، ضنيناً بالأسرار عن جميع الخلق ، فان أفضل جود المرء : الإنفاق في وجه البر ، والبخل بمكتوم السر ورضي الله عن عمر بن عبد العزيز حيث يقول : القلوب أوعية ، والشفاه أقفال ، والألسن مفاتيحها ، فليحفظ كل إنسان مفتاح سره . وقال انس ابن مالك :
ولا تفش سرك إلا إليك  ****  فان  لكل نصيح نصيحا
 فإني رأيت وشاة الرجل ****  لا يتركون أديما صحيحا
وقال آخر :
إذا المرء أفشى سره بلسانه  
                              ولام  عليه  غيره  فهو   أحمق
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه
                              فصدر الذي يستودع السرّ أضيق
وكما يجب على المرء كتمان سره في بعض الأحيان : كذلك يجب عليه كتمان سر غيره في كل الأحيان ، فكتمان السر على الإطلاق يعقبه السلامة والطمأنينة ، كما أن إفشاءه خيانة : تستقبحها المروءة ، ويمقتها العقل السليم ، ولا يقرها الشارع الحكيم .
وقد نفى النبي الإيمان عن الخائن الذي لا يؤتمن على أسرار الناس وأموالهم ويغدر بهم في عهودهم ومواثيقهم .. عن انس بن مالك رضي الله عنه قال : ما خطبنا رسول الله  إلا قال : لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا دين له ( 2) وقال صلى الله تعالى عليه وسلم : إذا حدث رجلٌ رجلاً بحديث ثم التفت ، فهو أمانة .
وان من أمعن النظر في الدول العظمى : التي ضربت في الحضارة والرقي بسهم وافر وكان لها من بسط النفوذ وقوة السلطان مع الدول المستضعفة ما يدهش العقول ويحير الألباب ، لوجد ان كله بفضل تكتلهم وشدة احتفاظهم على مكنون أسرارهم ، فيبتكرون ما يبتكرون ويخترعون ما يخترعون ، ويعدون ما استطاعوا من قوة ، دون أن ينافسهم منافس ، أو يحاكيهم مقلد ، وبذلك تكون لهم الغلبة والسيادة على كثير من دول العالم ...
ولا ريب في انه يترتب على إفشاء السر أثار سيئة وأضرار عظيمة ، وعواقب وخيمة ، تتفاوت باعتبار متعلقها ، فان منها ما هو متعلق بالفرد ، ومنها ما هو متعلق بالأسرة ، ومنها ما هو متعلق بالأمة ، كتدبير شعب ، أو تنفيذ نظام ، أو أصلاح جيش ، أو إحكام خطة حربية أو نحو ذلك .
ومما لا نزاع فيه ، أن ضرره فيما هو متعلق بالأمة اشد حيث تكون الطامة الكبرى والخطب الجسيم ، فإفشاء السر في مثل هذا خيانة عظمى ، وجريمة كبرى في نظر الإسلام يستحق صاحبها نفي الإيمان عنه ، بل وان يبتر من الهيئة الاجتماعية كما يبتر العضو الفاسد ، حرصاً على البقاء للجسم كله ، وله في الآخرة إذا لم يتب توبة صادقة عذاب الهون ، قال الله تعالى   يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
(3) . روي أنها نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر وكان حليفاً لبني قريظة من اليهود ، فلما خرج إليهم النبي سلم وحاصرهم حصارا شديدا ، دام إحدى وعشرين ليلة  طلبوا من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يرسل إليهم أبا لبابة وكان مناصحاً لهم  لأن أمواله وعياله فيهم لاستشارته فيما حرص عليهم النبي فبعثه إليهم ، فقاموا إليه يبكون ، قالوا : كيف ترى لنا ؟ هل ننزل على حكم سعد بن معاذ ؟ قال : نعم  وأشار بيده إلى حلقه ( أي أن حكم سعد : الذبح ) ثم علم من فوره انه خان الله ورسوله ، فمضى ولم يرجع إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وحتى أتى إلى مسجد المدينة ، فربط نفسه بسارية ، واقسم إلا تكفه يد لغير الصلاة سوى يد رسول الله ، ولا يدخل أرض بني قريظة أبدا !! ثم تركه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حتى تاب الله عليه ، فحله بيده .
وأما كتمان السر ، فهو أكبر دليل على الإخلاص والأمانة والوفاء ، وقديماً قيل : ( كتمان الأسرار يدل على جواهر الرجال ) . وإذاً فمن الكيانة والحزم أن ينزه الإنسان نفسه عن إفشاء الأسرار بأية وسيلة من الوسائل ، وبذلك توهب له الحياة طيبة ويعيش مرتاح الضمير ، هادئ البال طليق الحرية ، ذا عزة وكرامة .
وعن الإمام علي كرم الله وجهه أنه قال :  سرك أسيرك ، فإن تكلمت به صرت أسيره 
وقال أحد الصحابة : إذا أفشيت سري إلى صديق فأذاعه كان اللوم عليَّ لا عليه ، قيل له : وكيف ذلك ؟ قال : لأني كنت أولى بصيانته منه .
وإن مما تنفر منه الطباع ويمجّه الذوق السليم ، أن يفشي أحد الزوجين سر صاحبه فيما يتعلق بشئونهما الخاصة ، لما قد يترتب على ذلك من المفسدة .. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله : إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة ، الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه ، ثم ينشر سرها وفي رواية : ثم ينشر أحدهما سر صاحبه .
وروي أن سلمان الفارسي رضي الله عنه ذهب إلى قبيلة كندا فخطب امرأة منها ، واتفق على يوم الزفاف ، وحين زُفَّ مشى معه أصحابه ، حتى أوصلوه إلى بيت الزوجية ، ولما أصبح أقبل عليه أصحابه وجلسوا إليه وباركوا له ، ثم سألوه : هيه يا أبا عبد الله كيف وجدت أهلك ؟ فلم يرد عليهم ، وإنما أعرض عنهم !! فقالوا له مرة ثانية : كيف وجدت أهلك ؟ فالتفت إليهم مغضباً وقال : إنما جعل الله عز وجل الستور والأبواب لتوارى ما وراءها حسب امرئ منكم أنه يسأل عما ظهر له ، فأما ما غاب فلا يسألن عن ذلك ، فقد سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول : المتحدث عن ذلك كالحمارين يتسا فدان في الطريق ، فسكت القوم ولم يحيروا جواباً !! .
ويقبح جداً أن يرتكب المرء منكراً فيستر الله عليه ثم يحمله الجهل والنزق والطيش إلى أن يتحدث عما ارتكب من غير حياء ولا آداب ، مفتخراً بذلك بين أصدقائه وخلانه !! . عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله   يقول : كل أمتي معافى إلا المجاهرون(4) وإن من المجانة (5)  أن يعمل الرجل بالليل عملاً ، ثم يصبح وقد ستره الله عليه ، فيقول : يا فلان عملت البارحة كذا وكذا ، وقد بات يستره ربه ، ويصبح يكشف ستر الله عنه (6) .
وقد جاء الأمر بالستر في حديث عبد الله بن عمر مرفوعاً : اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها ، فمن ألمّ بشيء منها فليستتر الله ، قال ابن بطال في الجهر بالمعصية : استخفاف بحق الله ورسوله وبصالحي المؤمنين ، وفيه ضرب من العناد لهم ، وفي التستر بها السلامة من الاستخفاف ، لأن المعاصي يذل أهلها ومن إقامة الحد عليه أن كان فيه حد من التعزير إن لم يوجب حداً ، وإذا تمحض حق الله فهو أكرم الأكرمين ورحمته سبقت غضبه ، فلذلك إذا ستره في الدنيا لم يفضحه في الآخرة ، والذي يجاهر بالمعاصي يفوته جميع ذلك . عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله   : يدنو أحدكم من ربه ( يعني يوم القيامة ) حتى يضع كنفه عليه فيقول : عملت كذا وكذا ؟ فيقول : نعم ، ويقول : عملت كذا وكذا ؟ فيقول : نعم ، فيقرره ثم يقول : إني سترت عليك في الدنيا فأنا أغفرها لك اليوم (7)
أمين السر :
نعم هناك من الأسرار ما لا يستطيع الإنسان أن يستغني فيها عن مطالعة صديق حميم أو استشارة ناصح كريم ، رغبة في أن تروح عن نفسه ، ورجاء أن يرشده المدلى إليه بمكنون السر إلى الخطة المثلى التي يستحق أن يسلكها ، وحباً في أن يواسي في أمره . كما قال الشاعر :
وأبنت عمرا بعض ما في جوانحي           وجرعته  من مر  ما  أتجرع
ولا بد  من  شكوى إلى ذي حفيظة           إذا جعلت أسرار نفسي تطلع

وقال حبيب الطائي :
شكوت وما الشكوى لمثلي عادة        ولكن تفيض النفس عند امتلائها
إذن فليصطف العاقل لسره أميناً إن صعب كتمانه وليتحر في اختياره المستشار الذي يأتمنه على ذلك ليكون بمأمن من جانبه .
وسبحان الذي يعلم السر وأخفى : عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (8) .
فليطو الإنسان نفسه على سره حريصاً حذراً ، وليطو الصديق نفسه على سر صديقه كريماً رجلاً ، وليطو الزوج نفسه على سر زوجته عفيفاً نبيلاً ، وليطو كل شخص نفسه على سر ائتمنه وفياً أميناً (9) .


الهوامش :
[1] - رواه الطبراني في الكبير والبيهقي في الشعب .
[2] - رواه الإمام احمد .
[3] - الأنفال : 27 – 28 .
[4] - المجاهرون : الفاسقون المعلنون بفسقهم ومعاصيهم .
[5] - المجانة : عدم المبالاة بالقول والفصل .
[6] - البخاري .
[7] - البخاري .
[8] - الجن : 26 – 27
 [9] - المصدر: من الرسالة الإسلامية والتي تصدر عن وزارة الأوقاف والشئون الدينية في العراق ، العددان 178 – 179 سنة 1985 ، مقالة عبد المنصف محمود عبد الفتاح المدير العام للدعوة والإعلام الديني بالأزهر سابقاً (بتصرف) .

تأريخ النشر : 28- 9- 2013
 
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: عثمان طه      البلد: العراق / ديالى/ بعقوبة       التاريخ: 30-09-2013
بسم الله الرحمن الرحيم
ألَّلهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ٱلوَصــفِ وَٱلوَحْيِ وَٱلرِّسَالَةِ وَٱلحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحــبِهِ وَسَلِّمْ تَسليماً
قال الامام علي بن ابي طالب رضي الله عنه : سرَّك اسيرك فإن تكلمتَ به صِرتَ اسيره .
ان كتم السر من الاخلاق الحميدة والصفات الطيبة الفاضلة وكتمان السر واجب وافشائه حرام وإن في الكتمان قضاء الحوائح

الاسم: جنان الدخيل      البلد: اربيل       التاريخ: 01-10-2013
بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى اله وصحبه وسلم تسليما
صح لسانك على هذا المقال التربوي الاسلامي حيث ان كتمان السر امانة وواجب انساني وبالاخص في هذا الزمن الذي ضاعت فيه الاداب الاسلامية واصبح افشاء السر امرا طبيعيا وعاديا جدا وان افشاء السر مربوط بالجهل بابسط المبادئ الاسلامية.

الاسم: بلال ديالى      البلد: العراق / بعقوبة / تكية ديالى الرئيسية       التاريخ: 24-10-2013
قديمًا قالوا: إن أمناء الأسرار أقل وجودًا من أمناء الأموال، وحفظ الأموال أيسر من كتمان الأسرار؛ لأن أحراز الأموال منيعة بالأبواب والأقفال، وأحراز الأسرار بارزة يذيعها لسان ناطق، ويشيعها كلام سابق.

ومن عجائب الأمور أن الأموال كلما كثرت خزانها كان أوثق لها، أما الأسرار فكلما كثرت خزانها كان أضيع لها


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة