الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
 
يكور الليل على النهار



مكتب الإرشاد والمتابعة

لم يدع القرآن الكريم صغيرة ولا كبيرة في أمور الحياة والخلق إلا وتطرق إليها تلميحاً وتصريحاً بدقة واختصار ، وكل حركة من حركات هذا العالم الواسع الهائل المترامي بلا أطراف إلا وذكرها ، فقد ذكر السماوات السبع ، والأرضين والأفلاك والبروج والشمس والقمر والنجوم والكواكب وحركاتها والمجموعة الشمسية والمجرات، وفصّل ما على الأرض من ليل ونهار وجبال وأودية وسهول ورياح وأمطار وبحار وأنهار ونبات وحيوان وحياة وجماد وأبعاد وأوقات وأزمنة وأقوام وشعوب وحضارات ولغات قال تعالى : ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمؤمنين النحل 89 .  وما خفي كان أعظم ، وجل الله القائل : وكل شيء أحصيناه في إمام مبين يس 12 .
لقد ذكر القرآن الكريم كل هذه الأمور مما نبصر في عيوننا المجردة أو بالواسطة من خلال التلسكوبات والمكرسكوبات والمكبرات ومما لا نبصر من خلق الله العظيم الذي تقف أمامه عقول البشر - مهما أدركت - عاجزة عن معرفة المجهول من خلق الله أو إدراك عظمته وفي قوله تعالى : فلا أقسم بما تبصرون وبما لا تبصرون الحاقة 38- 39 أن ما لا نبصر من خلق عظيم وعظيم . وأمام هذه الآيات الكريمة التي تطرقت إلى آيات الله في الآفاق حينما كان علم الإنسان آنذاك محدوداً – قياساً إلى زماننا وعلمنا اليوم - وسيكون علمنا محدوداً كذلك قياساً إلى علوم الأجيال اللاحقة بعدنا .
لقد تصدى علماؤنا إلى تفسير هذه الآيات بحسب درجاتهم العلمية وما هو معروف ومألوف واختلفوا في تفسيراتهم وتأويلاتهم لهذه الآيات اللهم إلا ما روي من أحاديث شريفة عن حضرة الرسول الأعظم  من تفسيرلبعض الآيات أو ذكر الأحاديث فهو حقيقة ثابتة لا تحتاج إلى تفسير لأنه مدينة العلم - علم الله – الذي ليس له حد أو أمد أو وصف .
والقرآن الكريم حمال أوجه يقول الشيخ عبد القادر الجزائري : أهل طريقتنا رضي الله عنهم ما ادعوا الإتيان بشيء في الدين جديد وإنما ادعوا الفهم الجديد في الدين التليد وساعدهم الخبر المروي أنه لا يكمل فقه الرجل حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة (1) .
وستبقى الأجيال اللاحقة تفسر القرآن الكريم بحسب ما تتوصل  العلوم والاكتشافات العلمية التي تؤكد معجزات القرآن الكريم وسوف لن يصلوا مهما بلغوا من علم إلى سبر كل أغوار المعاني وفهم القرآن الكريم الذي لا تنقضي عجائبه اللهم إلا من منحه الله العلم اللدني وآتاه الله الحكمة يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكر إلا أولوا الألباب   البقرة 269 .
يقول الشيخ سراج الدين الطوسي : وإن تحت كل حرف من كتاب الله تعالى كثيراً من الفهم مذخوراً لأهله على مقدار ما قسم لهم من ذلك (2 ) يقول الإمام علي عليه السلام : لو شئتُ لأوقرتُ من تفسير الفاتحة سبعين بعيراً  ( 3) وأوقر الدابة حملها حملاً ثقيلاً ( 4)  .  وعن ابن عباس رضي الله عنه : يشرح لنا علي نقطة الباء من بسم الله الرحمن الرحيم ليلة ، فانفلق عمود الصبح وهو بعد لم يفرغ ( 5) وهذا يدلك على المخزون الهائل من المعاني في حروف القرآن الكريم .
الآيات القرآنية في الكون حقائق ثابتة لا تتغير ولا تتبدل إلى أن يبدل الله الأرض غير الأرض والسماوات ، ولكن تفسيرها ودرجة فهم المفسر لها يحدث الاختلاف ، ومثال ذلك في قوله تعالى : ألم نجعل الأرض مهاداً والجبال أوتاداً النبأ 6- 7 ، ظن بعض المفسرين أن الأرض ثابتة لأن الجبال أوتاد لتثبيت الأرض وعدم حركتها ونسوا قوله تعالى : وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون النحل 88 ، ولم يفرقوا بين الثبات أي عدم الحركة وبين التوازن أي عدم اختلال الحركة وهل الجبال تتحرك لوحدها أم مع حركة الأرض الدائرية ككل التي يحدث عنها الليل والنهار ؟ .
وموضوعنا هنا هو ما يتساءل عنه بعض الناس وبخاصة الشباب المنبهرين بالمكتشفات العلمية وهل جاء ذكر هذه الاكتشافات في القرآن  الكريم من كروية الأرض ودورانها حول نفسها وحول الشمس ؟ وكثير من الأسئلة والتساؤلات ومنها قوله تعالى : خلق السموات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار الزمر 5  .
ما معنى (يكوِّر) ؟ يقال في اللغة العربية (كار) الشيء (يكوِّره كَوْراً وكروراً ويكوِّره تكويراً ) أي أداره وضم بعضه إلى بعض ككور العمامة وجعله كالكرة ...   وجاء الفعل المضارع (يكِّور) في القرآن الكريم كله مرتين فقط في الآية التي ذكرناها . وجاء بصيغة المبني للمجهول مرة واحدة في قوله تعالى : ( إذا الشمس كورت) التكوير1- ، أي جعلت كالكرة بانسحاب ألسنة اللهب المندفعة منها إلى آلاف الكيلومترات خارجها إلى داخلها . وهذا يكون يوم القيامة وليس الآن .
قال ابن كثير في تفسير الآية يكور الليل على النهار.. : أي سخرهما يجريان متعاقبين لا يفترقان كل منهما يطلب الآخر طلباً حثيثاً كقوله تعالى : يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً الأعراف 54 .
وجاء في أضواء البيان للشنقيطي : والتكوير هو التدوير ومنه قيل كار العمامة وكورها , ولهذا يقال للأفلاك كروية الشكل ... ومن هنا يمكن أن نستنتج أشارة علمية مهمة وهي أن الشكل الذي يتحرك في الليل والنهار وبشكل كروي حيث يتداخل كل منهما بعضه من بعض .... وقوله تعالى يكور ...   وجود نظام كروي يسير عليه الليل والنهار ويتداخلان مع بعضهما ولا يحدث ذلك إلا إذا كانت الأرض كروية ..... ( 6) .
ويقول الشعراوي – رحمه الله - وهو من الذين أنعم الله عليهم من تداعي المعاني التي يعبر عنها بالخواطر حيث فسر القرآن الكريم تفسيراً معاصراً توفي 1998 معتمداً على فهمة لدقائق اللغة العربية ومفرداتها : كوَّرتُ العمامة يعني لففتها على رأسي فصارت مثل الكرة مكورة وفي لف العمامة تغطي اللفةُ التي تحتها , كذلك الليل والنهار جزء من الليل يغطي جزءًا من النهار فيزيد الليل أو جزء من النهار يغطي جزءًا من الليل فيزيد النهار .هذا هو واقع الليل والنهار فهل الليل والنهار يقتسمان الأربعة والعشرين ساعة بالتساوي كل منهما اثنتا عشرة ساعة ؟ لا , بل يزيد الليل فينقص من النهار في فصل الشتاء ويزيد النهار فينقص من الليل في فصل الصيف وهذا يدل على أن الكون ليس محكوماً بقوانين ميكانيكية جامدة كما يدعون بل محكوم بقدرة الخالق سبحانه وحكمته ... وفي موضع أخر عبر القرآن عن هذا المعنى بقوله تعالى : يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل فاطر 13 ، يعني يدخل كل منهما في الآخر لذلك لا يتساوى الليل والنهار إلا في فترة قصيرة في العام تقتضيها الحركة بينهما ( 7) .... ونفهم أيضاً من قوله تعالى يكور ( اي ان الارض كروية ) لأن الليل والنهار ظاهرة تحدث على سطح الأرض وقد أثبت العلم هذه الحقيقة بالصور التي التقطوها للأرض من الفضاء وصدق الله سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق فصلت 53 ( 8) .
إذن فأن التكوير يعني من كل ما تقدم اللف والدوران والتداخل وإتباع احدهما للآخر(وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا) الفرقان 62 وهذا لا يكون إلا في دائرة او حول دائرة .
 وهنا يجب القول لو قال سبحانه وتعالى : يكور الليل على النهار فقط ولم يقل يكور النهار على الليل لأصبح النهار نهاراً في جزء من الأرض والليل ليلاً في جزء آخر , لكن عندما ذكر (يكور)أحدهما على الآخر بالتبادل فهذا يدل على دوران الوقت بدوران الأرض لأن الشمس ثابتة نسبياً باتجاه الأرض والأرض هي التي تدور حول نفسها وحول الشمس وبدورانها يحدث الليل والنهار في اليوم الواحد والشتاء والصيف في العام الواحد وهذا الذي عبر عنه القرآن ، والله أعلم .



الهوامش :

1-  الشيخ عبد القادر الجزائري – المواقف في التصوف والوعظ والإرشاد - ج 1 ص 26 .
2 - الشيخ السراج الطوسي – اللمع في التصوف ص 73 .
3- الأصفهاني – الترغيب والترهيب ج 1 ص58 .
4 - قاموس المعاني -
5-  الشيخ علي النمازي الشاه رودي – مستدرك سفينة البحار – ج 1 ص 231 
6- عبد الدائم الكحيل – موقع عبد الدائم الكحيل .
7- الأيام التي يتساوى في الليل والنهار في السنة هي 21 /3 – 9/21 . 
8-  تفسير الشيخ محمد متولي الشعراوي المسجل – موقع الروح .

تأريخ النشر : 3 - 9 - 2013
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: ليث احمد ياسين      البلد: العراق / ديالى بعقوبة / تكية ديالى الرئيسية       التاريخ: 05-09-2013
اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى اله وصحبه وسلم تسليما بسم الله الرحمن الرحيم ((ان في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب)) قال تعالى (( يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل)) قال تعالى (( لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون )) من هذه الآيات الكريمة المباركة يتبين لنا ان النظام الدقيق الذي وضعه الله سبحانه وتعالى لحركة المجرات والكواكب والنجوم والشمس والقمر حيث ان كل يجري ضمن مسار ونظام دقيق لا ينحرف عنه وبالتالي فان حركة الشمس والقمر ودوران الارض حول الشمس التي تكون الليل والنهار والفصول الأربعة وهي تجري ضمن النظام الرباني الدقيق حيث يعلم الله سبحانه وتعالى دقائق الأمور من الذرة واجزائها وصلى الله تعالى على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى اله وصحبه وسلم تسليما .


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة