الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
رزايا الإنسانية المعنوية في عهد الاستعمار الأوربي (ح2)



التدهور في الأخلاق والمجتمع :
احتل الأجانب الشرق الإسلامي وقد أصاب المجتمع الشرقي الإسلامي انحطاط في الأخلاق والاجتماع ، وسبقت إليه أدواء خلقية واجتماعية كانت أهم أسباب انهيار الدول الإسلامية وانهزام الأمم الشرقية .
ولكن مع ذلك لم يزل المجتمع الشرقي الإسلامي – على علاته – محتفظاً ببعض المبادئ الخلقية السامية والخصائص الاجتماعية الفاضلة التي لا يوجد لها مثيل في الأمم ، وقد نضج واكتمل فن الأخلاق عند الشرقيين ووصل من الدقة والتفصيل واللطافة ورقة الحواشي ذروة لا بصل إليها ذهن العصر ، ولا يتصورها الغربي إلا في الشعر والأدب .
يقرأ الإنسان أو يسمع روايات عن استحكام الروابط والأواصر بين أعضاء المجتمع العام وأفراد الأسرة ، وتغلغلها في الأحشاء واستمرارها إلى الأحقاب والأجيال وخلوها من كل مصلحة ومتعة مادية ، ما لا يتصوره أبناء هذا العصر . وكذلك من حنو الآباء على الأبناء وبر الأبناء بالآباء ، وتوقير الصغير للكبير وحدب الكبير على الصغير ، وعن عفاف النساء ووفاء الحلائل وأمانة الخدم ووفائهم واستقامة الشبان وثباتهم على الأخلاق ومعاملة الأشراف بعضهم لبعض ، والمحافظة على الرواتب والعادات والاطراد في مسألة اللباس والشعائر والعشرة ، والإيثار في شأن الأصدقاء والنصح لهم ، يسمع منها غرائب لا يكاد يصدق بها .
كان بر الأبناء للآباء وطاعتهم إلى حد التفاني في سبيلهم والاضمحلال في وجودهم منتزعاً من قول النبي صلى الله عليه وسلم : (( أنت ومالك لأبيك )) .
وكان حب الأبناء لآبائهم وبرهم وحرصهم على أداء حقوقهم غير مقتصر على حياة الأبوين ، بل كان يستمر إلى ما بعد وفاتهما أصدقائهما وأهل أنسهما والإهداء إليهم والتحبب إلى أولادهم وعشيرتهم ، وكان ذلك عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم : (( إن من أبر البر بر الرجل بأهل ود أبيه بعد أن يولي )) .
وكان الأبوان مثلاً للنصح والإخلاص في حبهما للأولاد ، وكانا يضحيان بجميع أهوائهما وميولهما وراحتهما وبلذة الأمومة والأبوة في سبيل تثقيفهم وتربيتهم وتعليمهم ، ويتحملان في ذلك – حتى الرجل الأمي والمرأة الجاهلة – إجحاف المعلمين وعسفهم وإضرارهم في بعض الأحيان بجسم الصغار ، ويجرعان المرائر ويصبران على الغصص في سبيل الأولاد ونبوغهم ، وقد تواضع على ذلك أهل البيوتات والشرف حتى أهل الطبقات الوضيعة ، ويعدون من خالف ذلك رجلاً نذلاً لئيما، والذي روي عن هارون الرشيد في تنبيهه لولديه الأمين والمأمون ووصيته لهما بخدمة الكسائي معروف في التاريخ ؛ ومن غرائب ما يروى في هذا الباب ويمثل الطبيعة الشرقية أن (( تاج الدين ألدز )) أمير الأفغان بعد السلطان شهاب الدين الغوري أسلم ولده إلى معلم وضرب المعلم الولد حتى مات ، فلما علم بذلك (( تاج الدين )) أشار على المعلم بأن يهرب وقال : (( لا آمن عليك من أم الولد فعسى أن ينالك منها مكروه )) .
  وكانت الرابطة بين الصغير والكبير في المجتمع الإسلامي مؤسسة على تعاليم الشرع (( من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا فليس منا )) .
ومن خصائص الحضارة الشرقية الاطراد في الحياة والمحافظة على لون واحد والتظاهر بمظهر واحد ، فكان الرجل إذا شرع في أمر وتظاهر بمظهر واصله إلى غايته ، وإذا اتخذ عادة أو شارة في اللباس أو عامل أحداً نوع معاملة واظب عليه إلى آخر أنفاسه ، لا تؤثر في ذلك الحوادث ولا تغيره الفصول ولا انحراف الصحة ولا الكسل ولا المصالح .
ولم يكن العمدة في حياة الأسرة والقبائل ولم يكن الميزان في التوقير والشرف هو كثرة المال فيختلف المستوى المالي في أسرة اختلافاً كبيراً ، ويتفاوت الرجال في قبيلة أو قوم تفاوتاً عظيماً في المال والجاه ، فهذا سريٌ مثر وذلك فقير معدم ، ولم يكن يستطيع أحد أن يفرق بينهم ويرفع بعضهم فوق بعض لأجل التفاوت الاقتصادي في مجتمعات الأسر والبيوتات والمآتم ( بمعناها اللغوي ) فإذا شم أحد رائحة الفرق أو نظرة الازدراء ، ثار كالليث ، أو إذا بدرت بادرة من المضيف تنم عن هذا الفصل انسحبت الأسرة كلها من الضيافة وقاطعوا أهل الضيافة ، وكانوا يداً واحدة مع أخيهم المهضوم .
وكان الفقير الصعلوك في قبيلة يواجه الأغنياء والملوك من تلك القبيلة بجرأة وهو معتز بنفسه معتد بشرفه لا يرى في نفسه نقيصة لأجل فقر ، وكان الغني أو الملك يكرمه ويحله المحل اللائق بشرفه ونسبه وفضيلته الذاتية ، بصرف النظر عن رثاثة هيئته وتبذله ، والأزمة الاقتصادية الطارئة على كرم عنصره وصفاء معدنه وطيب منبته ومتانة دينه ووفور علمه .
وكان الفقير في ذلك يبالغ كثيراً في إخفاء عسرته وضنك معيشته ويتحمل ويتجلد ، ويسوءه أن يفطن أحد إلى فاقته ورقة حاله .
وكان ضمير الحر عزيزاً محترماً كدينه وعرضه ، لا يساوم عليه ولا يباع بأي ثمن ، وكان الواحد يفضل الموت الأحمر على كذبة أو خيانة يخلص بها نفسه من الموت .
وقد روى لنا التاريخ الهندي طرائف في هذا الباب لابد أن تكون أمثلتها متوافرة في تاريخ جميع البلاد الإسلامية : منها أن الشيخ رضي الله البداوني اتهم بالاشتراك في الثورة على الإنجليز عام 1857 وحوكم أمام حاكم إنجليزي كان من تلاميذه ، فأوعز إليه الحاكم على لسان بعض الأصدقاء أن يجحد الاتهام فيطلقه . ولكن الشيخ أبى وقال : قد اشتركت في الخروج على الإنجليز فكيف أجحد ؟ واضطر الحاكم فحكم عليه بالإعدام ، ولما قدم للشنق بكى الحاكم وقال له : حتى في هذه الساعة لو قلت مرة : إن القضية مكذوبة عليَّ وإني بريء لاجتهدت في تخليصك ، فغضب الأستاذ وقال : أتريد أن أحبط عملي بالكذب على نفسي ؟ لقد خسرت إذاً وضل عملي، بل قد اشتركت في الثورة فافعلوا ما بدا لكم، وشنق الرجل !!.
ولم يكن صدقهم واعترافهم بما يعملون ويعتقدون مقتصراً على ما يتصل بأنفسهم ، بل كانوا صادقين فيما يتصل بالأمة والشعب ، فلم يكونوا يعرفون العصبية الجنسية والوطنية والجنف القومي الذي أصبح اليوم من واجبات الجنسية والوطنية ، وكانوا يعدون الكذب وشهادة الزور لأجل الأمة والوطن والملة رذيلة وإثماً كبيراً . وكانوا يعتقدون أن أحكام الشرع تعم الفرد والأمة والأمور الشخصية والاجتماعية وكانوا متمسكين بقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ الآية ، وقوله : وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ وقوله : وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ وقوله : وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى .
ومما يروي لنا الشيوخ من ذلك : أنه وقع نزاع بين الهنادك والمسلمين في قرية كاندهلة من مديرية (( مظفر نكر )) في الولايات المتحدة الهندية على أرض ، فادعى الهنادك أنها معبد لهم ، والمسلمون أنها لهم مسجد . وتحاكموا إلى حاكم البلد الإنجليزي ، فسمع الحاكم القضية ودلائل الفريقين ولم يطمئن إلى نتيجة ، فسأل الهنادك : هل يوجد في القرية مسلم تثقون بصدقه وأمانته أحكم على رأيه ؟ قالوا : نعم ، فلان ؛ وسموا شيخاً من علماء المسلمين وصالحيهم ، فأرسل إليه الحاكم وطلبه إلى المحكمة ، فلما جاءه الرسول قال : قد حلفت أن لا أرى وجه إفرنجي ، ورجع الرسول فقال الحاكم : لا بأس ، ولكن احضر وأدل برأيك في القضية ، فحضر الشيخ وولى دبره إلى الحاكم وقال : الحق مع الهنادك في هذه القضية ، والأرض لهم . وبذلك قضى الحاكم وخسر المسلمون القضية ، ولكن كسبوا قلوب الهنادك وأسلم منهم جماعة .
وكذلك كان الناس يعدون العلم عارية مقدسة ووديعة من الله لا يبيعونه كسلعة في السوق ، ولا يتعاونون به على إثم آثم وعدوان معتد ، وكانوا لا يرضون أن يستعين به نظام جائر أو حكومة غير إسلامية .
ومما حكى لنا الثقات وقرأناه في التاريخ أن الشيخ عبدالرحيم الرامبوري ( م 1234 هـ) كان يعمل في بلدة رامبور براتب زهيد يتقاضاه كل شهر من الإمارة الإسلامية لا يزيد على عشر روبيات ( أقل من جنيه مصري ) فقدم إليه حاكم الولاية الإنجليزي المستر هاكنس وظيفة عالية في كلية بريلي راتبها مائتان وخمسون روبية ( تسعة عشر جنيهاً مصرياً ) ، وذلك يساوي خمسين جنيهاً في هذا العهد ، ووعد بالزيادة في الراتب بعد قليل ، فاعتذر الشيخ عن قبوله وقال : إني أتقاضى عشر روبيات وإنها ستنقطع إذا تحولت إلى هذه الوظيفة . فتعجب الإنجليزي وقال : ما رأيت كاليوم : أنا أقدم راتباً يزيد على راتبك الحالي بأضعاف أضعاف ، وتترك الأضعاف المضاعفة وتقنع بالنزر اليسير !. فتعلل الشيخ بأن في بيته شجرة سدر وهو مغرم بثمرها وأنه سيحرمها إذا أقام في بريلي . ولم يفطن الإنجليزي بعد إلى مقصود الشيخ . فقال : أنا زعيم بأن هذا الثمر يصل إليك من رامبور إلى بريلي ، فتشبث ثالثة بأن حوله طلبة وتلاميذ يقرؤون عليه في بلده فلو انتقل إلى هذه الوظيفة انقطعت دروسهم . ولم ييأس الإنجليزي المناقش من إقناعه فقال : أنا أجري لهم جرايات في بريلي ويواصلون درووسهم هناك ، وهنا أطلق الشيخ آخر سهامه الذي أصمى رميته فقال : وماذا يكون جوابي غداً إذا سالني ربي : كيف أخذت الأجرة على العلم ؟ وهنا بهت الإنجليزي وسقط في يديه وعرف نفسية العالم المسلم ، وقضى الشيخ حياته على أقل من جنيه يأخذه كل شهر .
قارن هذه الروح السامية والنفس الكبيرة التي تربا بالعلم أن يباع بيع السلع , و تغار على العقيدة والكرامة أن تشترى بمال أو منفعة , بهذا التبذل والإسفاف الذي وصل إليه أهل العلم والعقل والصناعة في هذا الزمان , فقد عرض كثير من علمهم وعقلهم وما يحسنونه كالسلع في الأسواق ، يبيعونها بالمناداة ( المزاد العلني ) ليشتريها من يزيد في الثمن كائناً من كان ، فليس الشأن عندهم في العقيدة ولا في الغرض والنتيجة ولا في الملاءمة والذوق ، إنما الشأن عندهم في الثمن الذي يدفعه المشتري .
وكل يوم نطلع على مضحكات مبكيات في هذا الباب ، فهذا الأستاذ كان أمس في معهد إسلامي يدرس العلوم الإسلامية والتاريخ الإسلامي ، وقدمت عليه الكلية الكاثوليكية الفلانية وظيفة تدريس براتب يزيد على راتبه السابق بخمسة جنيهات فانتقل إليها ، وهذا السيد فلان كان في وزارة المعارف سابقاً ، وكان شاباً مثقفاً وعالماً له هوى في التحقيق والدراسة ، تقرأ له مقالات علمية في المجلات الراقية ، فإذا به ينتقل فجأة إلى مصلحة الطيران أو الإذاعة ، وسألناه : ماذا حدث له حتى غير طريقه وقلب تيار حياته ؟ فأخبرنا أن ذلك لأجل أنه يربح في مركزه الجديد عشرة جنيهات ، وهذا البحاثة الفلاني كتب مقالة عن التصوف الإسلامي ونال بها ثناء أهل العلم قد تحول إلى وزارة الخارجية أو أصبح ترجمان دولة أوروبية ، وما هو إلا لأجل زيادة بمقدار بضعة جنيهات ، أوليس هذا لأن الربح المالي قد أصبح كل شيء ، ولأن الذهب اللماع أصبح المتصرف الوحيد في مناهج الحياة والمسيطر الوحيد على الأرواح والعقليات ؟! .
قرأنا في التاريخ الإسلامي أن المنصور الخليفة العباسي المشهور طلب من ابن طاووس في مجلس أن يناوله الدواة ليكتب شيئاً فامتنع ، فسأله الخليفة عن سبب امتناعه وعدم امتثاله أمر خليفة المسلمين ، فقال : أخاف أن تكتب بها معصية فأكون شريكك فيها ومتعاوناً على الاثم والعدوان . إلى هذا الحد وصل بهم تمسكهم بقوله تعالى : وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ أما امتناعهم عن قبول منصب القضاء في نظام لا يرضونه ولا يرتاحون إلى سيره وتفاصيله فرواياته بلغت حد التواتر ، واطردت في أدوار الحياة الإسلامية الأولى .
قارن هذا الاحتراس من التعاون على الإثم والعدوان ، وهذا التعفف عن المشاركة في نظام غير صحيح ، والامتناع من أدنى مساعدة لهدف لا يتفق ومصالح الأمة الإسلامية أو يعود عليها بالضرر أو فيه غش وخديعة للأمة . قارن كل ذلك بهذه المساعدة والتعضيد الذي تتمتع به الحكومات الأوربية من المسلمين ، وهذا الذكاء واللباقة والقلم البليغ واللسان الذلق الذي ينتفع به الأجانب منهم في مصالحهم وإداراتهم .
فهنالك شبانٌ مسلمون وكتاب بارعون يتولون تحرير الصحف والمجلات التي تصدرها الحكومات الأجنبية لنشر دعايتها في بلاد المسلمين والتأثير في عقليتهم ونفسيتهم وتمويه الحقائق بمقدرة المأجورين من المسلمين أنفسهم .
وهنالك جماعة من (( الأفاضل )) ينحدرون من أصول عربية صميمة ، وينتمون إلى بيوتات عريقة في المجد والإخلاص والإسلام ، قد جاهد آباؤهم في سبيل الحق ومحق الباطل ، وبقيت نسبتهم في أسمائهم تروي لنا تاريخاً مجيداً عن آبائهم حافلاً بجلائل الأهمال ، وجرى دمهم في عروقهم ، وظهر في ملامح وجوههم وتقاطيعها ، يشتغلون اليوم في الحكومات الأجنبية ، ويستعملون تلك اللغة المضرية الفصحى التي نزل بها القرآن الكريم ، والتي تكلم بها رسل المسلمين في مجالس ملوك فارس والروم ، فأدوا بها رسالة الإسلام ، وألقوا المهابة في قلوبهم ، والتي ألقى بها القواد المسلمين خطب الجهاد ، بهذه اللغة الكريمة التي لا تليق إلا للبطولة الإسلامية ، وبتلك الكلمات الفصيحة الرائعة التي لا تجمل إلا في مواضع الحق والجهاد ، ينشر هؤلاء دعاية الحكومات الأجنبية التي تعبث بالمسلمين عبث اللاعب بالكرة ، أو عبث الوليد بجانب القرطاس ، وقد رزأتهم في سياستهم واستقلالهم وإيمانهم وعقلهم واقتصادهم ، ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون .
قد سمعنا منهم أن هذه الحكومات تقوم بجهود نبيلة لخير العروبة والإسلام ورفع شأنهم . وأنها (( نور الحرية الوضاء في عالم ساده الظلام الدامس )) ، وقد سمعناهم يشيدون (( بالخدمات الجلى والمساعدات العظيمة التي تقدمها الإذاعة البريطانية في سبيل نهضة الأقطار العربية وتوحيد تفكيرها وثقافتها وتوثيق الروابط بينها ، وما تقوم به من نشر الثقافة العربية الإسلامية ، وتعريف المسلمين بتاريخهم المجيد ومدنيتهم الزاهرة ، وإطلاع العالم العربي على حقائق الأمور ، وسير الحوادث في نزاهة وتجرد وصدق(251) )) ولطالما سمعناهم وقرأنا لهم إشادة بإيمان هذه الحكومات بالديمقراطية الصحيحة وجهادها لتوطيد الأمن العام وسلام العالم وحرية الأمم المستضعفة والبلاد المهضومة ، ورفعها لراية العدل والمساواة ، والأخذ للمظلوم من الظالم ، وقيامها للحق .. الخ .    
فأن كان هؤلاء المتحدثون لا يرضى ضميرهم بما يقولون , ويعرفون أن هذه الكلمات في غير محلها , وإنما هو كله لمصالحهم المالية , فيالإنحطاط النفس الشريفة , ويا لرخص السلعة الغالية , ويا ضيعة الكلمات العامرة بالمعاني , ويا شقاء اللغة العربية بأهلها !0وإذا كان ذلك عن اعتقاد وثقة وفهم للمعنى , فيا جهلاً بالحقائق , ويا إنكاراً للمحسوس , ويا مسخاً للقلوب !0
وهذا عصر التناقض فيكتب أديب أو صحافي اليوم كتاباً حماسياً في سيرة بطل من أبطال الجهاد الإسلامي , أو مجدد من مجددي الإسلام , ولا يجف مداد مقالته أو كتابه ذلك حتى يكتب بقلمه تقريظاً أو ثناء على خائن من خونة الأمة , أو صنيعة من صنائع الأجانب لمصلحة سياسية ومنفعة مالية , ولا يرى في ذلك تناقضاً .
طلب ملك من ملوك العرب من شاعر عربي فرسه , فاعتذر أن يعطيها بأي ثمن كان وقال :
        أبيت اللعن إن سكاب علق *** نفيس لا تعار ولا تباع
ولكن كأن الضمير عند هؤلاء الذين يشتغلون في الحكومات الأجنبية ، أو يذيعون من محطاتها ما لا يرضى به ضميرهم ولا يصدق علمهم ، أو يصدرون صحفاً ، أو يؤلفون كتباً على جعالة أو راتب شهري ؛ أذل وأرخص من جواد الجاهلي فهو يعار ويباع ، وذلك لم يكن ليعار ولا ليباع .
وكانت الروابط والأواصر في الشرق – في الغالب – قائمة على أساس غير مادي إما عقلي وإما روحي ووجداني ، وكان للأثرة والأنانية فيها نصيب ضئيل ، وكان نتيجة ذلك وجود روابط وأواصر لا يمكن تعليلها بالمادة وجر النفع إلى أصحابها ، وكانت هذه الروابط متغلغلة في الأحشاء ؛ فمن ذلك أن علاقة التلميذ بأستاذه وإخلاصه وحبه له في العهد السابق ، يزري بعلاقة الولد بوالده وحبه له في هذا العصر .
اشتهر نبأ وفاة الأستاذ الشهير العلامة نظام الدين اللكهنوي ( م 1161 هـ ) صاحب منهاج الدرس النظامي الجاري تطبيقه في الهند وخراسان ، فلما أتى النعي تلميذه السيد كمال الدين العظيما بادي ، مات من شدة الحزن ، وعمي تلمذه الآخر (( ظريف العظيما بادي )) من كثرة البكاء ، وتحقق بعد ذلك أن الإشاعة كانت غير صحيحة(252) ، ولعل ذهن هذا العصر لا يسيغ هذه الرواية ، ولكن الذي عرف طبيعة الشرق ، ومدى اتصال التلميذ هنالك بأستاذه وحبه له لم يستغرب هذه الرواية ولم يكذبها .
يعلم المطلع على تاريخ الأخلاق وفلسفتها أنه قد ظهرت مدرسة في أوربا قبل المسيح بأربعة قرون ، وكان لها أنصار من كبار الفلاسفة والأخلاقيين إلى القرن التاسع عشر المسيحي ، تدين باللذة البدنية وتعتقد أنها ميزان للأخلاق ومعيار الأعمال ، وتشير على أتباعها بأن يهتبلوا فرص التمتع بالحياة الدنيا ويغتنموا فلتات الدهر .
وافترق أصحاب هذه المدرسة فرقتين ؛ فمنهم ؛( أولو الأثرة ) الذين يقولون : ينبغي أن لا يحول بين الإنسان وشهواته حائل حتى لا يدع حاجة في نفسه إلا قضاها ، فينال بذلك النصيب الأكبر من اللذة والهناءة وقالوا : السعادة هي إرضاء الشهوة وقضاء مآرب النفس واقتطاف قطوف المسرة واللذة باليدين .
والفرقة الثانية هم ( النفعيون ) ويرى أهل هذا المذهب أن الواجب هو تحصيل المنفعة التي ينال بها أكبر عدد من أفراد البشر أوفر قسط من اللذة والهناء ، ولا وزن للأفعال الخلقية في نظرهم إلا بما تأتي به المسرة لغالب بني النوع ، ويرى هؤلاء أن السعادة هي أن تتوافر للناس بأعمالهم اللذات وتبعد عنهم الآلام .
ويرى القارئ ويلمس الروح المادي المتعشق للذة والهناء في آراء هذا المذهب ونزعاته من أحطها وأكثرها إسفافاً إلى أرقاها وأكثرها تحليقاً ، وهذا يختلف عن طبائع الشرق وشرائع السماء اختلافاً بيناً . وقد أثرت هذه النزعة المادية في فلسفة الغرب وأخلاقه وأدابه وحضارته تأثيراً عميقاً ، ولا تزال مهيمنة على الحياة الغربية وآدابها حتى اليوم .
ثم نزعوا دائماً في تشخيص المنفعة ووزنها إلى المادية لأنهم احتكموا فيها إلى أذهانهم وعقولهم ، وقد أصبحت مادية بحتة ، لأنها بحقيقة لا تأتي تحت الحس أو المساحة أو العد أو الوزن، ولا تؤمن بمنفعة لا تجلب لذة وهناء، حتى مؤسس هذا المذهب ((أبيقور م 271ق.م)) صرح بأن مناط الحكم على الأعمال هي المنفعة ، وأن المنفعة لا قيمة لها إلا إذا اجتلبت لذة واغتباطاً ، فكيف وقد تدرجت العقول والطبائع الغربية ومردت على النزوع المادي على تعاقب الأجيال والعصور ؟! .
فكان نتيجة ذلك أن الذهن الغربي والمنطق العصري أصبحا عاجزين عن الاهتداء إلى منفعة غير محسوسة لا تجلب لذة واغتباطاً ، وأصبح العقل الأوربي محامياً عن المادية لا يحكم على الأخلاق بالحسن والصحة إلا بمقدار جلبها للمنافع المادية ، وبحسب ما يكتسب المجتمع بواسطتها من اللذة والهناء ، والأفراد من الاغتباط والرخاء ، فأصبح الربح المادي هو الميزان للأخلاق والفارق بين الشر والخير ، وأصبحت الأخلاق التي لا وزن لها في ميزان المادة ، ليس لها قيمة إلا القيمة الدينية أو الخلقية في المصطلح القديم ينتقص كل يوم سلطانها على القلوب والعقول ، وتعدم أنصاراً وتصبح من شعائر القديم وذكريات العهد الماضي كحنان الأبوين وحبهما للأولاد ، ووفاء الأزواج وحفظهن للغيب ، وتحل محل هذه الأخلاق المقدرة الصناعية والاختراع والإنتاج والوطنية والجنسية ولا تزال ترتفع قيمتها ويرجع وزنها .
ولا يزال المجتمع العصري يستغني عن الروابط المنزلية والأرحام الدموية والشرائع الخلقية بتنظيمات اجتماعية شعبية على الخطوط السياسية والصناعية والاقتصادية . ولا يهم المجتمع الآن كيف يعامل الولد والده أو الزوجة زوجها إذا كان هؤلاء الأفراد لا يزالون في الدائرة المدنية التي اختطها المجتمع حول أفراده ؛ وما دام لا يحدث عملهم هذا اضطراباً في المجتمع وثورة على النظام ولا يعرقل سير المدينة فلا بأس إذا كان هنالك عقوق من ولد أو فرك من قرينة أو جفاء من زوج أو دعارة من امرأة أو فسق من رجل أو خيانة من زوجة .

الهوامش :
(251)  الكلمات التي بين القوسين منقولة لفظاً .
(252)  نزهة الخواطر للشيخ عبدالحي الحسني ( المجلد السادس ) .


المصدر: من كتاب ( ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ؟ ) للمفكر الإسلامي أبو الحسن علي الحسني الندوي

تأريخ النشر : 31 - 8 - 2013
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: علي طه      البلد: العراق / ديالى بعقوبة / تكية ديالى الرئيسية       التاريخ: 02-09-2013
اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى اله وصحبه وسلم تسليما قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق )) صدق رسول الله .. وقال الشاعر : إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فان هموا ذهبت خلاقهم ذهبوا.


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة