الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
اللمسات البيانية في سورة القدر



أ.د. فاضل السامرائي

ما هو موقع سورة القدر بين السور السابقة واللاحقة لها في القرآن الكريم؟

سورة القدر سُبقت بسورة العلق وبعدها سورة البينة . آخر سورة العلق قوله تعالى كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ وتأتي بعدها إنا أنزلناه في ليلة القدر وهذه الليلة هي ليلة السجود والاقتراب . إذن هي مناسبة واضحة ظاهرة مع آخر آية من السورة التي قبلها ، كما أن سورة العلق تبدأ بقوله تعالى اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ وهو يقرأ ما أُنزل في ليلة القدر ؟ فكأنه : إقرأ ما أنزلناه في ليلة القدر ، فهي مناسبة ظاهرة مع ما قبلها في بدايتها وفي نهايتها . مناسبتها لما بعدها في سورة البينة ، نلاحظ في هذه السورة قال (إنا أنزلناه) ذكر ضمير المنزِل (إنا) و(أنزلنا) وضمير المنزَل (الهاء في أنزلناه) الذي هو القرآن لم يصرح لا بالمنزِل ولا بالمنزَل (إنا أنزلناه) وفي آية البينة بيّن هذا الضمير ضمير المنزِل ووضح المنزَل عليه قال رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً ، فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ رسول من الله هو المنزَل عليه والله المنزِل إذن بين ضمير المنزِل بـ (الله) والهاء في أنزلناه في ( يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً ، فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ) الصحف المطهرة هي القرآن . رسول يتلو الصحف المطهرة الذي هو القرآن الكريم الذي أنزلناه . وضح المنزَل عليه (رسول من الله) وذكر المنزِل وبيّنه بعد أن كان ضميراً (من الله) والصحف المطهرة أي القرآن (الهاء في أنزلناه) فإذن سورة البينة بيّنت الضمائر التي في سورة القدر قبلها ، وهو تناسب جميل حتى في الاسم البينة بيّنت هذه الضمائر . فإذن مناسبتها لما بعدها وما قبلها ظاهرة .
وسورة القدر خمس آيات بعدد الليالي التي تُرجى فيها ليلة القدر ، الرسول )قال نطلبها في الوتر من العشر الأواخر وهي خمس ليالي 21 ،23،25،27،29 وهي خمس آيات ، إذن ليلة القدر هي خمس آيات بعدد الليالي التي تُرجى أو تلتمس فيها ليلة القدر . وقالوا في القديم (ليلة القدر) تسعة أحرف تكررت ثلاث مرات في هذه السورة المجموع 27 حرفاً قالوا: لعلّها أرجى ليلة هي ليلة الـسابع والعشرين  هكذا ذكروا في القديم . وقالوا أيضاً :كلمة (سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) قالوا: كلمة (هي) هي الكلمة الـ 27 من الثلاثين كلمة عدد كلمات السورة بعدد أيام الشهر فقالوا أيضاً لعلها إشارة إلى أنها تُرجى في هذه الليلة (السابعة والعشرين) لا يثبت في هذا حكم وإنما هي من باب إيجاد مناسبات وتناسب ، هذه آراء لا يعتد بها حكم وإنما ملاحظات.  وبهذا نعرف موقع السورة في السياق العام لترتيب السورة في القرآن الكريم وهذا الربط وهذا تفسير بالمفصل في سورة البينة وهذا يدل على أن القرآن يفسر بعضه بعضاً وقسم قالوا: القرآن كله كالآية الواحدة يفسر بعضه بعضاً أو كالكلمة الواحدة من حيث شدة الارتباط هكذا قال الرازي هو كالكلمة الواحدة من شدة الارتباط ولا يمكن فصل كلمة عن كلمة ولا سورة عن سورة .

فكرة عامة عن السورة:

ربنا تعالى عظّم هذه الليلة تعظيماً كبيراً في غاية حشد التعظيم لهذه الليلة . هو قال: (إنا أنزلناه) بضمير التعظيم المؤكد وذكر الهاء ، لم يذكر لا المعظِم صراحة ولم يصرِّح بالهاء لم يقل القرآن وذلك لنباهته وأنه معلوم معروف ولعلو شأنه (إنا أنزلناه) معلوم من يُنزل ، هو قال بعدها ليلة القدر لكن قال أنزلناه ، ماذا أنزل ربنا ؟ القرآن ، إذن هو معلوم وأحياناً الأمر عندما يكون من الظهور بمكان لا يحتاج إلى أن يذكر وهذا يدل على وضوحه وظهوره عندما تذكر أمراً لم تذكره ولكنه معلوم لدى المخاطَب والسامعين معناه أنه من الظهور بمكان لا يحتاج السؤال عنه مثل وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ ظهر ماذا ؟ الأرض ، لم يذكرها لوضوحها . هذا لشدة الظهور والوضوح وأنه عظيم بيّن لا يحتاج إلى ذكر ، فهذا دلالة على عظمته بظهوره ووضوحه ، فقال: (إنا أنزلناه) ومن عادة القرآن أنه إذا ذكر ضمير التعظيم لا بد أن يذكر قبله أو بعده ما يدل على أنه واحد (بإذن ربهم) حتى لا يكون في النفس شائبة شرك ، لا تجد في القرآن الكريم مطلقاً ضمير التعظيم إلا إذا كان قبله أو بعده ما يدل على أنه واحد ، نلاحظ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ما المقصود بالقدر ؟ ليلة القدر ؟ القدر قد يكون من أشهر معانيها الشرف والمكانة ، كبير القدر والمكانة والمنزلة لم يقل هو شديد القدر وإنما قال ليلة القدر كلها ليلة الشرف ، فرق أن تكون هي شريفة أو هي ذات مكان أو ذات قدر أو أن تقول هي القدر نفسه ، هي الشرف نفسه ، إذن هي ليلة القدر . والليلة تبدأ من المغرب حتى طلوع الفجر . الأمر الآخر القدر هنالك له دلالة أخرى ، كلمة القدر لها دلالتان ليلة القدر هي ليلة الشرف والمكانة وهي تقديرات الأمور . التقديرات التي يقدّرها ربنا في العام كله ، قدْر أي التقديرات التي يقدِّرها ربنا في هذه الليلة كما قال تعالى: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ كلها وهذه تقدر فيها كل التقديرات للسنة في هذه الليلة ، ربنا يقدر فيها كل التقديرات للعام . إذن هي ليلة الشرف والمكانة وليلة تقديرات ما يحصل في العام كله إذن هي ليلة عظيمة فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ القدر مصدر (وما قدروا الله حق قدره) أي مكانته . إذن لو قالت ليلة الشرف والمكان سيكون لها معنى واحدا ليلة القدر تجمع الأمرين لما قال هي خير من ألف شهر معناها هي ليلة الشرف والمكانة والمنزلة فهذا يدل على عظمة المنزلة ولما قال فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ إذن فيها تقديرات إذن جاء بكلمة تدل على المعنيين وهما مرادان هي ليلة الشرف ومن شرفها وعظمتها وجليل قدرها أنها يفرق فيها كل أمر حكيم . لو قال ليلة الشرف أو المكانة أو المنزلة لما دلت على هذين المعنيين وإنما قال: (ليلة القدر) ليجمع هذين المعنيين الشريفين العظيمين .

ما معنى ( وما أدراك ) ؟

ما أدراك يعني ما أعلمك ، وتقال في الأمور العظيمة في الأمر الذي يراد به التفخيم والتعظيم تحديداً يقال ما أدراك وليس على أمر سهل هين ، يعني لم تبلغ دراية علمك بهذا الأمر لم تعلم علو قدرها ولم تعلم علو مكانتها ، العلم بها خارج عن علوم الناس وعن دائرة معارف الناس وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ إذن كل ما أدراك تريد أن تفخم أي أمر وتعظمه سواء في العذاب أو العقاب يوم القيامة وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ تفخيم وتعظيم بمعنى ما أعلمك على سبيل الاستفهام أنه من باب التعظيم .

القرآن يستخدم المضارع (وما يدريك) ؟

كل (ما أدراك) يجيب عنه وكل (ما يدريك) لا يجيب عنه ، وهذه قاعدة في القرآن كله ذكرها القدامى . إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ، النَّجْمُ الثَّاقِبُ ) أما وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى لم يجب كل ما يدريك لم يجب وكل ما أدراك أجاب ، دلالة على أنه تعبير مقصود وقوانين موضوعة في القرآن الكريم في التعبير . أدراك فعل ماضي ، ويدريك فعل مضارع أدراك ، أجاب عن الماضي ولم يجب عن المضارع الذي يكون للاستقبال أو الامتداد.

لم كرَّر ليلة القدر ؟

عندنا قاعدة الاسم الظاهر أقوى وآكد من الضمير . فنلاحظ أن تكرارها يفيد توكيدها وتعظيمها . مثال : ( فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ) ما قال ما أدراك ما الهاوية ذكر الضمير وأجاب (نَارٌ حَامِيَةٌ) في سورة الهمزة لما ذكر الحطمة ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ ) أضاف إليه نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ، الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ أي الأعظم والأفخم نار حامية أو نار الله الموقدة ؟ نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة . وقال: ( وما أدراك ما الحطمة) لم يقل وما أدراك ما هي ، فلما جاء بالضمير اختزل في الكلام ولما ذكر الاسم الظاهر فخم وعظم وجاء بما هو أبلغ . وبعد ذلك قال (ليلة القدر خير من ألف شهر) كرر مرة أخرى وذكر فضلها وهذا تكرير آخر . هذا التعبير لم يرد في القرآن نظيره مطلقاً ، يكرر مرتين لكن لا يكرر ثلاث مرات مثال وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ، النَّجْمُ الثَّاقِبُ ما قال الطارق النجم الثاقب (وما أدراك ما الحطمة) لم يقل الحطمة نار الله الموقدة ، لم يقل في جميع القرآن إلا في هذه الليلة العظيمة هنا قال (ليلة القدر خير من ألف شهر) كان يمكن أن يقول خير من ألف شهر . التكرار للزيادة في تفخيمها وتعظيمها ؛ لأن الذي أُنزل فيها كلامه وأعلى من كل شيء وهو كلامه سبحانه وتعالى أعلى من الطارق فلا يقاس بهذه الليلة التي أُنزل فيها سبحانه ، ومن هذا نستشف عظمة هذا القرآن الكريم ، ولم يرد في القرآن غير هذا التعبير.
س: ذكر الدكتور فاضل أن تكرار كلمة ثلاث مرات لم يرد إلا في سورة القدر ، لكنها تكررت في الحاقة والقارعة ثلاث مرات ، فهل يمكن التوضيح ؟
قلت: لما يقول وما أدراك ما القارعة أو غيرها لا يكرر القارعة كذا، الحاقة ما الحاقة ما قال الحاقة كذا، القارعة ما القارعة ما قال القارعة كذا، الحطمة وما أدراك ما الحطمة، لم يقلها إلا في القدر ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر، لم تتكرر إلا في سورة القدر. لما يسأل هذا السؤال لا يعيد نفس الجواب ولم يعيدها إلا في سورة القدر لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ، تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ألف مراد على الحقيقة أي أكثر من 83 عاماً ليلة واحدة الطاعة فيها خير من 83 عاماً ليس فيها ليلة قدر ، وهذا يدل على تعظيمها ، والمقصود ألف شهر من الدنيا ، ليلة واحدة الطاعة فيها خير من ألف شهر ، خير من أكثر من 83 عاماً وليس مثلها. هكذا هي وذكر تعالى في موضع آخر خمسة آلاف وفي موطن آخر وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ لكن هي هكذا ألف شهر .

قال الله تعالى (تنزل الملائكة) وليس تتنزل ؟

جاءت في آية أخرى (تتنزل) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ هذا وفق قانون تعبيري في القرآن الكريم وهو أنه يقتطع من الفعل إذا كان الحدث أقل ، وإذا كان الحدث أطول يعطي الفعل درجته كاملة . هنا الملائكة تتنزل ليلة واحدة بينما إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ الملائكة تتنزل كل لحظة عند الموت ، عند الاحتضار كل لحظة على مدار السنة ، أما في ليلة القدر فهي ليلة واحدة . إذن تتنزل أكثر من تنزل . في ليلة القدر نفهم تنزل الملائكة ليلة واحدة (تنزل) ومن بركتها أنها تنزل الملائكة والروح فيها تنزلاً ، لكن في هذه الليلة وليس في الليالي الأخرى . اللغة العربية تجيز الحذف للتخفيف لكن وضعها هذا الموضع البلاغي طبعاً لا ، لكن من حيث اللغة له أن يقولها متى يشاء ، الفعل المضارع الذي يبدأ بتاءين لك أن تحذف إحداهما . الدلالة واحدة وما يزاد قيمة بلاغية مضافة للآية القرآنية حتى نفهم شيئاً معيناً تقوله الآية .

ما معنى (بإذن ربهم) ؟

قيل الملائكة يشتاقون لرؤية المؤمنين في الأرض فيستأذنون ربهم في هذه الليلة ليسلموا على المؤمنين ، يستأذنونه فيأذن لهم . ما عظمة هذه الليلة ؟ يستأذنون ربهم لزيارة أهل الأرض والسلام على المؤمنين فيأذن لهم فيتنزّلون بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ ما المقصود بالسلام هنا ؟ هل هي سلام من كل أمر أو من كل أمر سلام ؟ السلام فيها رأيين الأول التحية (السلام عليكم) والثاني الأمان والسلامة . هل سلام تتعلق بالأمر أو تتعلق بالليلة ؟ هي تحتمل ولذلك وضعت هنا قدّم السلام لو قال هي سلام سيكون أمرا واحدا. هل هي سلام من كل أمر ؟ ( من كل أمر ، سلام ) المعنيان مرادان هل هي سلام من كل أمر ؟ قالوا نعم ؛ لأن الله تعالى لا يقدر في هذه الليلة إلا الخير ، في الليالي الأخرى يقدر الشر وما إلى ذلك ما يصيب الإنسان ، لا يقدر في هذه الليلة إلا الخير فإذن لا يقدر إلا ما فيها السلامة وفي غيرها يقدر ما شاء إذا أصبحت سلام من كل أمر .

ما دلالة استخدام صيغة الجمع في القرآن مثل ضربنا ، أنزلنا وغيرها مما ورد في القرآن ؟

القرآن استعمل صيغة الجمع فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً وصيغة الإفراد ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ، وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً ، وَبَنِينَ شُهُوداً ، وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً وفي صيغة الجمع يؤتى بما يسمى ضمير التعظيم ، ويستعمل إذا كان المقام مقام تعظيم وتكثير ، ويستعمل الإفراد إذا كان المقام مقام توحيد أو مقاما آخر كالعقوبة المنفردة . لكن من المهم أن نذكر أمراً وهو أنه سبحانه وتعالى في كل موطن في القرآن الكريم وبلا استثناء إذا استعمل ضمير التعظيم لا بد من أن يأتي بعده بما يدل على الإفراد حتى يزيل أي شك من شائبة الشرك ؛ لأنه من نزل عليهم القرآن كانوا عريقين في الشرك إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ فضمير التعظيم لا يمكن أن يستمر إلى نهاية الآيات فلا بد من وجود شيء يدل على الإفراد .
ما اللمسة البيانية في ترتيب الملائكة والروح في القرآن تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ و تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ و يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا .

ما اللمسة في تقديم وتأخير الملائكة ؟

يقدم الملائكة في الحركة لأن حركة الملائكة في الصعود والنزول كثيرة هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ فيما كان فيه حركة يقدم الملائكة وفيما كان فيه الحركة قليلة أو ليس فيه حركة يقدم الروح يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا هذه ليست حركة وليست صعوداً أو نزولاً . الروح قسم قالوا هو جبريل عليه السلام ، وقسم قالوا خلق من الله عظيم .

( سلام هي حتى مطلع الفجر ) ؟ أم ( هي حتى مطلع الفجر ) ؟

( من كل أمر ) قالوا معناها من أجل كل أمر لأن (من) تفيد التعليل أحياناً كما في قوله ( مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا ) (من) فيها تعليل لا تقتصر على كونها حرف جر وإنما لها معاني دلالية أخرى ، إذن هي هنا تعليلية أي من أجل كل أمر . سلام من كل أمر أو من أجل كل أمر ؟ سلام من كل أمر أو هي سلام ؟ هل هي حتى مطلع الفجر أو سلام هي حتى مطلع الفجر ؟ تحتملها كلها . سلام من كل أمر أو من كل أمر سلام ، وسلام هي حتى مطلع الفجر ، وهي حتى مطلع الفجر ، الآيات تحتمل كل هذه المعاني . (سلام هي) تحتمل أن تكون سلام خبر مقدم وهي مبتدأ مؤخر (هي سلام) لو قال هي سلام سيكون معنى واحداً . (سلام هي) هذا التقديم جمع المعاني كلها عندما قدم كلمة سلام على (هي) لجمع المعاني كلها ولو قال هي سلام لم تجمع هذه المعاني . سلام من كل أمر ليست مثل سلام هي من كل أمر يصير الفاصل بين العامل والمعمول بالأجنبي بالمبتدأ وهذا لا يصح وهو ضعيف . (سلام من كل أمر) الجار والمجرور (من كل أمر) هذا متعلق بسلام وعامل فيه ، لما تقول (سلام هي) (هي) مبتدأ و (سلام) خبر متقدم و (من كل أمر) معمول المتقدم فاصل بينهما بأجنبي وهذا تعبير ضعيف في اللغة وقسم لا يجيزه أصلاً فلما قدّم انتفى وكل المعاني مطلوبة وكلها مرادة وكلها صحيحة . هي سلام من كل أمر وسلام هي حتى مطلع الفجر وهي حتى مطلع الفجر. في جملة واحدة أشياء عديدة كلها صحيحة مطلوبة ولو قدّم أو أخّر تنتفي ويصير معنى واحدا لو قال هي سلام . إضافة إلى ما فيها من القصر والاهتمام لما قدّم السلام وأهمية السلام وهذا يتسق مع المقصد العام للسورة وشأن السورة وقدرها عند الله تعالى . ثم ما قال حتى آخرها وإنما قال: (حتى مطلع الفجر) والفجر ليس من الليل الفجر بداية الصبح. حتى بمعنى الغاية هنا أي لغاية مطلع الفجر، إذن لم يبق شيء من الليل ، مطلع الليل ليس من الليل وإنما هو متصل به وهو من الصبح فقال: (حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) يعني استغرق الليل كله لم يبق فيه لحظة واحدة. ثم نلاحظ قوله: (سلام هي حتى مطلع الفجر) (سلام هي) تعبير مجازي أصلاً (هي) للزمن الليلة وسلام حدث المبتدأ والخبر يجب أن يكونا من جنس واحد ، هذه مبالغة يعني هذه  الليلة كلها تحولت إلى سلام ، ليس فيها سلام ولا سلام فيها وإنما سلام هي ، هذا إخبار بالحدث (سلام) عن الزمن الذي هو الليلة . ونلاحظ في هذه السورة على قصرها جمع تعظيمات أكثر من 12 - 14 تعظيماً أولاً: العظمة في (إنّا) وأكّد فيها و(أنزلنا) ، ذكر الضمير في أنزلناه لم يذكر الظاهر لنباهته ثم تعظيم الليلة التي أنزل فيها (خير من ألف شهر) وسماها ليلة القدر ما قال ليلة شريفة فجمع فيها ليلة الشرف وما يقدر فيها من الأمور ، قال: ( ما أدراك) ، ما قال ما هي وإنما قال: (وما أدراك ما ليلة القدر) ، ثم كرر ليلة القدر ما قال هي خير من ألف شهر ، ثم قال :(خير من ألف شهر) وذكر تنزل الملائكة وليس الملائكة فقط وإنما الملائكة والروح وذلك أيضاً بإذن الله أي استأذنوا ربهم ، ومن كل أمر وليس من أمر واحد عموم الأمور ، وسلام ، و(سلام هي) فجعلها كلها سلام ، وتقديم سلام وحتى مطلع الفجر ، كلها تعظيمات وهي باستحقاقها .

سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ هل (حتى) هنا مجرد ظرف زمان ؟ أي ينتهي السلام بمجرد بزوغ الفجر ؟

(حتى) حرف قد تكون حرف جر أو حرف ابتداء . يقولون إذا انقضت ليلة القدر هل انتهى السلام وأصبح غير سلام ؟ (سلام هي حتى مطلع الفجر) (حتى) انتهاء الغاية . ماذا نفهم من (سلام هي حتى مطلع الفجر) ؟ قالوا ربنا في هذه الليلة لا يقدّر إلا الخير ، لا يقدّر ما فيه بلاء في هذه الليلة لا يقدّر إلا الخير والسلام فقط حتى مطلع الفجر أما بقية الليالي فيقدّر فيها ما يشاء من الخير والشر أما في هذه الليلة فلا يقدّر فيها إلا الخير . وقسم قال أن الله تعالى قال : تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ قالوا هؤلاء يسلّمون على المؤمنين في هذه الليلة ثم ينتهي هذا إلى مطلع الفجر . فإذن هي سلام من كثرة ما تسلِّم الملائكة على المسلمين والمؤمنين ، فإذن هي سلام حتى مطلع الفجر ، أي إشاعة السلام فيها أي أن الملائكة تحيي المسلمين في هذه الليلة ، إذن سلام هي . هناك معنيين أن الله تعالى يقدّر فيها الخير ولا يقدّر فيها البلاء حتى مطلع الفجر ، أما في سائر الليالي يقدّر السلام والبلاء . والأمر الآخر في قوله: تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ يسلّمون على المسلمين فيشيعون السلام ، وقسم قال هي سلام من كل أمر وهي حتى مطلع الفجر ، هذه الليلة هي حتى مطلع الفجر كفترة زمنية وحدّ زمني .
 


تأريخ النشر : 31 - 7 - 2013
             
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: خليفه اقبال شاهدوست      البلد: ايران بانه       التاريخ: 11-11-2013
تنفّس بـ "لا إله إلا الله" ..
وعاتب نفسك بـ "استغفر الله" ..
وتألّم بـ "يا الله لك الحمد" ..
وتعجّب بـ "سبحان الله" ..
وافرح بـ "الصلاة على محمد رسول الله" ..
واحزن بـ "إنّا لله وإنّا إليه راجعون" ..
واكسر سمّ عينك بـ "ما شاء الله لا قوة إلا بالله"..
وابدأ بـ "بسم الله" ..
واختم بـ "الحمد لله" واسمع لله واستجب لله ولا تسأل إلا الله . ربنااننا سمعنا مناديا ينادي للايمان ان آمنوا بربکم فامنا (آل عمران 193)


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة