الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
أسرار آيات الصيام


مقتبسات من لقاءات د.فاضل السامرائي في برنامج لمسات بيانية

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) البقرة .
موقع آيات الصيام كما جاءت في سياقها في القرآن الكريم : آيات الصوم هذه يا أيها الذين آمنوا إلى أواخر آيات الصوم وقعت بين آيات الشدة وذكر الصبر وما يقتضي الصبر . قبلها قال تعالى: وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ والصوم نصف الصبر كما في الحديث والصبر نصف الإيمان وتقدّمها أيضاً يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى هذه شدة وتحتاج إلى صبر وقبلها كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ هذه شدة وتحتاج إلى الصبر وبعدها آيات القتال وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ الصوم من المشاق والقتال من المشاق والقتال يقتضي الصبر اصبروا وصابروا ورابطوا والصوم نصف الصبر . بعدها ذكر آيات الحج لأن الحج يقع بعد الصيام بعد شهر رمضان تبدأ أشهر الحج فذكر الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ثم ذكر المريض في الحج كما ذكر المريض في الصوم وذكر الفدية في الحج ومن الفدية الصيام فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ إذن موقع آيات الصيام تقع بين آيات الصبر وما يقتضي الصبر وعموم المشقة .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الفعل كُتب مبني للمجهول وجاء مع (عليكم) تحديداً مع أنه ورد في القرآن إلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ؟
نلاحظ ربنا تعالى قال يا أيها الذين آمنوا ناداهم بنفسه ولم يقل قل يا أيها الذين آمنوا لم يخاطب الرسول وقال له قل وإنما ناداهم مباشرة لأهمية ما ناداهم إليه لأن الصيام عبادة عظيمة قديمة كتبها تعالى على من سبقنا فنادنا قال يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ولم يأمر الرسول بالقول إذن نادانا مباشرة ولم ينادينا بالواسطة . استعمال كتب فيه شدة ومشقة وما يستكره من الأمور عموماً لما يقول كُتب عليكم يكون أمر فيه شدة ومشقة وإلزام ، في أمور مستثقلة ومن معاني كتب ألزم ووجب وفرض مثلاً يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى (17) فيه شدة، كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) شدة ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ (216) ، وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3) الحشر أما (كُتب له) فهو في الخير إلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ (120) التوبة هذا خير ، وفي يتامى النساء قال وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ (127) النساء وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (121) التوبةْ كلها خير وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ (187) . إذن كُتِب عليكم فيه شدة ومشقة وإلزام والصوم مشقة يترك الطعام والشراب والمفطرات من الفجر إلى الليل فيه مشقة لذا قال كتب عليكم ولم يقل لكم . قال تعالى: قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (12) الأنعام أي ألزم نفسه تعالى بذلك ، كتب على فيها إلزام . أحياناً تأتي كتب بدون على أو لكم . كُتب عليكم فيها شدة ومشقة وإلزام .
بناء الفعل للمجهول (كُتِب) لأن فيها مشقة ؛ ولأن الله تعالى يظهر نفسه في الأمور التي فيها خير أما في الأمور المستكرهة وفي مقام الذم أحياناً يبني للمجهول مثل: زّين للناس حب الشهوات مبني للمجهول التي فيها شر لا ينسبها لنفسه ومثلها آتيناهم الكتاب وأوتوا الكتاب : في مقام الذم يقول أوتوا الكتاب مطلقاً وفي مقام الخير يقول آتيناهم الكتاب . لما كان هناك مشقة على عباده قال كُتب ولم يقل كتبنا . في الأمور التي فيها خير ظاهر يظهر نفسه (كتب الله لكم) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ (21) المائدة هذا خير أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ (22) المجادلة (كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
(12) الأنعام وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الأعراف إذن البناء للمجهول في الأمور التي فيها مشقة وفيها شدة . قوله تعالى وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ (45 المائدة) هذه فيها إلزام لهم ، كتب على بني إسرائيل الأمور التي شددها عليهم شدد عليهم لأنهم شددوا على أنفسهم . حرف الجر يغير الدلالة وأحياناً يصير نقيضها مثل رغب فيه يعني أحبّه ورغب عنه يعني كرهه ، وضعه عليه يعني حمّله ووضعه عنه أي أنزله .

دلالة استخدام الصيام لا الصوم :

هذا من خصائص التعبير القرآني لم يستعمل الصوم في العبادة وإنما استعملها في الصمت فقط (إني نذرت للرحمن صوماً) . الصوم هو الإمساك والفعل صام يصوم صوماً وصياماً كلاهما مصدر وربنا استعمل الصوم للصمت وهما متقاربان في اللفظ والوزن (الصوم والصمت) واستعمل الصيام للعبادة أولاً المدة أطول (صيام) والمتعلقات أكثر من طعام وشراب ومفطرات فهو أطول فقال صيام . فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ لم يستعمل الصوم في العبادة وهذا من خواص الاستعمال القرآني يفرد بعض الكلمات أحياناً بدلالة معينة كما ذكرنا في الرياح والريح في الغيث والمطر في وصى وأوصى ومن جملتها الصوم والصيام . في الحديث الشريف يستعمل الصوم والصيام للعبادة "الصوم لي وأنا أجزي به" ، " الصوم نصف الصبر" لكن من خواص الاستعمال القرآني أنه يستعمل الصيام للعبادة .
ختمت الآية (لعلكم تتقون) قال: (كما كتب على الذين من قبلكم) ، قال يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ هذا يدل على علو هذه العبادة وعظمتها وربنا كتب هذه العبادة على الأمم التي سبقتنا معناها هذه العبادة عظيمة ولا نعلم كيفيتها لكن كان الصيام موجوداً . ثم يدل على الترغيب في هذه العبادة لأهميتها بدأ بها تعالى في الأمم السابقة ثم أن الأمور إذا عمّت هانت والصيام ليس بِدعاً لكم وإنما هي موجودة في السابق فإذن هذا الأمر يدل على أهميتها ويدل على تهوينها أنها ليس لكم وحدكم وإنما هي مسألة قديمة كما كتبت عليكم كتبت على الذين من قبلكم. كلمة (تتقون) أطلقها ولم يقل تتقون كذا كما جاء اتقوا النار أو اتقوا ربكم يحتمل أشياء مرادة تحتمل تتقون المحرمات وتحذرون من المعاصي لأن الصوم يكسر الشهوة ويهذبها ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ) الصوم من هذه الناحية وقاء للشاب يكسر الشهوة ويحُدّها . تتقون المفطرات والإخلال بأدائها أي تحفظون الصيام وتتقون المفطرات الإخلال بأشياء تؤدي إلى ذهاب الصوم ، لعلكم تتقون تحتمل تصلون إلى منزلة التقوى وتكونوا من المتقين فإذن فيها احتمالات عديدة وهي كلها مُرادة . إذا كان تتقون المعاصي فهي تحتمل لأن الصوم يكسر الشهوة وإذا كان تتقون المفطرات تحتمل وإذا كانت تصل إلى منزلة التقوى أيضاً تحتمل . في هذا السياق تكرر ذكر التقوى والمتقين قال : وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ تكررت التقوى في السياق وهي مناسبة لأنه في أول السورة قال تعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ في عموم السورة إطلاق التقوى . وسورة البقرة تردد فيها التقوى ومشتقاتها 36 مرة . التقوى فِعلها وقى وقى نفسه أي حفظ نفسه وحذر ، المتقون أي حفظوا أنفسهم من الأشياء التي ينبغي أن يبتعدوا عنها . قسم يقول أن التقوى هي أن لا يراك الله حيث نهاك ولا يفتقدك حيث أمرك يعني الابتعاد عن المحرمات والانهماك في الطاعات هذه هي التقوى . جاءت التقوى في سورة البقرة على الإطلاق ومنها قوله (لعلكم تتقون) يعني تتقون أي شيء عموماً .

أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ لماذا معدودات وليس معدودة ؟

فيها أمران من حيث اللغة قد يكون معدودات تقليلاً لها لأن معدودة أكثر ، معدودات قليلة . الجمع في غير العاقل معدودات تدل على القلة ومعدودة تدل على الكثرة هذا قياس في اللغة . في غير العاقل المفرد يدل على الكثرة والجمع يدل على القلة حتى يذكرون بقولهم : الجذوع انكسرت (الجذوع كثرة فاستعمل انكسرت بالمفرد) والأجذاع انكسرن (الأجذاع قِلّة فاستعمل انكسرن بالجمع) وفي الآية إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ جمع القلة يكون من واحد إلى عشرة ، قالوا (أياماً معدودات) تقليلاً لهن تهويناً للصائم . وقسم يقول أنها في أول فرض العبادة كانت ثلاثة أيام في كل شهر ولم يبدأ بالشهر كاملاً ثم نُسِخ وجاء شهر رمضان فصارت معدودات ، ثم قال شهر رمضان بعد هذه الأيام . المعدودات تدل على القلة (حتى العشرة) ومعدودة أكثر من عشرة وإذا رجعنا إلى كتب التاريخ العرب تؤرخ بالليالي (لثلاث خلون ، لأربع خلون يأتي بها بالجمع) (لإحدى عشرة ليلة خلت يأتي بها بالمفرد تدل على الكثرة) حتى نلاحظ في العدد نقول ثلاثة رجال ، عشرة رجال ، أحد عشر رجلاً ، مائة رجل ، مليون رجل .
أياماً ما هو اليوم ؟ المشهور الأيام بمقابل الليالي سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ لماذا على سفر ؟
يقال لأنه أباح للمتهيئ للسفر أن يفطر إذا اشتغل بالسفر قبل الفجر ، على سفر أي لم يسافر وإنما هو متهيئ للسفر مثل: وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ أي تتهيئون . (على سفر) لا تعني أنه سافر بالفعل وكثير من الفقهاء قالوا على سفر أي أباح للمتهيئ للسفر وإن لم يكن مسافراً وقالوا لو كان للمسافر يعني المتهيئ للسفر لا يحق له الإفطار . لذا قال أو على سفر معناه أباح للمتهيئ للسفر أن يفطر .
وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ كلمة يطيقونه فيها كلام قسم قال المقصود في بدء فرض الإسلام عند بداية الفريضة أنهم لم يكونوا متعودين على الصوم فمن شاء يصوم ومن شاء يفدي في زمن الرسول لما نزلت هذه الآية كأنهم فهموا أنهم مخيّرون بين الصوم والإفطار . ما المقصود بـ (يطيق) ؟ قسم قالوا هذه الآية نسخت لأنه فعلاً في أول الإسلام كانوا مخيرين من شاء يفطر ويفدي ومن شاء يصوم . وقسم قال أطاق أي تكلفه بمشقة وصعوبة وتكون الهمزة للسلب يعني سلبت طاقته وجهده . الفعل الثلاثي طاق أي تحمل وأطاق فيها خلاف ما هذه الهمزة ؟ هل أطاقه بمعنى قدر عليه ؟ أو همزة السلب أي سلب طاقته ؟ يعني الذي لا يستطيع الصوم يسلب طاقته بحيث لا يتمكن أن يصوم فيفدي (طعام مسكين) وإذا كانت بمعنى التحمّل يصوم (وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ) الصيام أفضل . الفدية مرهونة بعدم الصيام وعدم الصيام هو أحد أمرين إذا كان كما يقولون أنه في أول الإسلام كان المسلمون مخيرين في الإفطار ودفع الفدية أو الصوم والصوم خير وإن كان غير ذلك أن الهمزة للسلب تبقى على دلالتها وليست منسوخة فالذي لا يستطيع أن يصوم والصوم يسلب طاقته بحيث لا يتمكن من الصوم فرب العالمين رخص الله تعالى بالفدية كالشيخ الكبير الهِرم والمريض الذي لا يرجى شفاؤه . تبقى على دلالتها مستمرة ليس فيها نسخ إذا جعلت للسلب والحكم عام ساري إلى يوم القيامة .

وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ما اللمسات البيانية في هذه الآية ؟

الآية التي ذكرنا جزءاً منها في الحلقة الماضية أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ فذكرنا ما المقصود بـ على سفر والذين يطيقونه فمن تطوع خيراً فهو خير له بأن زاد على القدر المذكور أو فعل أكثر من المطلوب يُطعم مسكينين أو أكثر أو جمع بين الصيام والفدية وبين الإطعام والصيام وقال وأن تصوموا خير لكم يعني أيها الأصحاء أن تصوموا خير لكم ملتفتاً من الغيبة إلى المخاطب تحوّل الضمير من الغائب (على الذين يطيقونه) إلى المخاطب (وأن تصوموا) كان يمكن أن يقال في غير القرآن لم يقل وأن يصوموا لكنه التفت من الغيبة إلى الخطاب لئلا يخص المرضى والمسافرين لأنه لو قال لو يصوموا خير لهم هذا يخص المرضى والمسافرين وتتداخل مع قوله: فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ لكن هذه أعم كل من هو مرخص له بالإفطار من صام خير له وليس فقط هؤلاء خاصة وإذا صح الكلام أنه في أول الصيام كان مخيراً بين الفدية والإطعام قبل أن يفرض شهر رمضان ، كان مخيراً إما يصوم أو يخرج فدية لما قال (أن تصوموا خير لكم ) دخل الجميع فيه لكن لو قال وأن يصوموا لكان يخص المرضى والمسافرين فقط بينما لما قال: (وأن تصوموا) شمل الجميع المرخّص لهم وغيرهم وليس خاصاً بالمرضى والمسافرين فهذا الالتفات كان للجمع وهذا اسمه التفات في الخطاب .
فكرة عامة عن الآية : شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ : الملاحظ أنه ذكر الفريضة أولاً يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ لم يحدد وقتاً ولا مدة ولا شيئا وإنما ذكر الفريضة ثم بعدها ذكر الأيام مبهمة قال: (أياماً معدودات) ، إذن ذكر الفريضة ثم ذكر أيام معدودات مبهمة لم يُحّددها ثم بيّن بقوله (شهر رمضان) هذا فيما بعد ، الآن تعيّن الوقت للصيام وحدد بقوله (شهر رمضان) إذن أصبح الفريضة هي صيام شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن أي الذي ابتدأ فيه نزول القرآن من اللوح المحفوظ جملة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ثم نزل منجماً فيما بعد على مدى ثلاث وعشرون سنة . (أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) فيها دلالتان إما ما ذكرناه الآن أي ابتداء إنزال القرآن فيه أو أنزل في شأنه القرآن أي في تعظيمة ، أُنزل في الكلام عنه ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) وفي بيان تعظيم هذا الشهر . إذن شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ فيها دلالتان أنه نزل فيه وأنه أُنزل في شأنه القرآن وهو من باب تعظيم هذا الشهر كما نقول قال فيه كلاماً طيباً والاحتمالان مرادان لما قال: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) أي أنزلناه في ليلة القدر وأنزل في تعظيمها قرآن . (الذي أنزل فيه) يعود الضمير على الشهر كله . فقال: (أُنزل فيه القرآن) ولم يقل أنزلنا فيه القرآن لأنه يتكلم على شهر رمضان وليس على مُنزِله لو قال أنزلنا يكون الكلام عن الله وليس على الشهر لو قال أنزلنا يعود إلى ضمير المتكلم لكنه يريد الكلام على الشهر قال أنزل تعظيماً لهذا الشهر وليس على منزل هذا القرآن . بينما قال: (وأنزلنا الحديد) تعظيماً لله تعالى وعظمته والنعمة التي أنعمها على خلقه . (تنزيل من حكيم حميد) أنزل إليك ثم قال من لدن حكيم حميد لأن الكلام عن الكتاب وتعظيم الكتاب وليس عن الله . لهذا قال تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) السياق في الشهر وليس على مُنزل القرآن لو قال أنزلنا يكون الكلام عن الله . سياق الكلام على شهر رمضان وليس على مُنزل القرآن أي ليس الكلام عن الله تعالى فالكلام كله يتعلق بالشهر وليس بالمنزل لهذا قال أُنزل فيه القرآن الفعل مبني للمجهول والفاعل مُضمر محذوف ليس له ذكر لأن الكلام على الشهر الذي أُنزل فيه القرآن وليس على الذي أنزل القرآن . كل السياق هكذا لذا قال أنزل فيه القرآن .

فمن شهد منكم الشهر فليصمه كيف يشهد الشهر ؟ هل يراه مثلاً ؟

(فمن شهد) أي من كان حاضراً غير مسافر ، من كان مقيماً وليس مسافراً شهد الشهر ليس شاهد الهلال أو رأى الهلال . تقول أشهِدت معنا ؟ أي كنت حاضراً معنا ؟. (فمن شهد) أي من كان حاضراً (وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود) وشرط الشهادة أن تكون حاضراً وليس مسافراً لأنه ذكر المسافر فيما بعد . أي من شهد منكم الشهر أي من حضره . ثم قال: وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ لم يقل من كان منكم مريضاً كما قال: (ومن شهد منكم الشهر). قال في الأولى كُتب عليكم الصيام باستخدام عليكم فلماذا قال منكم ؟ قال كُتب عليكم ، الفرق في الآية الأولى قال: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) تقدمها قوله: (كما كتب على الذين من قبلكم) لو قال فمن كان مريضاً ما قال منكم كان يُظن أن هذا حكم الأولين وليس لنا هذا الحكم (أي منكم وليس من الذين من قبلكم). هنا قيّد فلا بد أن يذكر (منكم) لئلا ينصرف المعنى للذين من قبلكم ، إنما ليس لها نفس المكان في الثانية (ومن كان مريضاً) وليس في القرآن ولا حرف زائد مطلقاً. لم يقل تعالى: (وأن تصوموا خير لكم) كما قال في سابقتها لأنه إذا قرأنا الآية نفسها وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ قال يريد بكم اليسر فكيف يقول أن تصوموا خير لكم ؟ وهذا من تمام رأفته ورحمته بنا . شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19 المؤمنون). نلاحظ الآية وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (72) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (73) (الزخرف) الفاكهة التي يزرعها في البساتين ليست فقط للأكل وإنما يعصر منها ويجفف والاستفادة منها لا يكون بالأكل فقط وإنما لها فوائد كثيرة منها الأكل، تعمل منها مربيات وأشياء كثيرة وتبيع أما في الجنة فلا تبيع منها ولا تجفف (لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ) للأكل فقط. أما قوله (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) لها فوائد كثيرة والأكل واحد منها. ومن هذا نفهم قوله (ولتكملوا العدة). أول شرط لمن ينظر في القرآن التبحر في علم اللغة وفي علم الاشتقاق .
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) هذه الآية جاءت بين آيات الصيام فلماذا ؟
بعدها قال أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ (187) هذا يدل على أن الصيام من دواعي الإجابة وقوع هذا الدعاء بين آيات الصيام إرشاد العباد إلى أن يلحوا بالدعاء ويكثروا منه لأن الصائم مجاب الدعوة في صومه وعند فطره فإذن وقوع هذه الآية بين آيات الصوم إرشاد للعباد على أن هذه فرصة ودعوة لهم بأن الصائم لا ترد دعوته .

تأريخ النشر : 27 - 7 -2013
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: عبد القادر محمد فاضل      البلد: العراق _الرمادي       التاريخ: 29-07-2013
جزاكم الله الف خيرواحفظ لنا شيخنا الغالي واولاده بحق رمضان امين ياالله


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة