الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
السبحة عند الصوفية


السبحة مشتقة من التسبيح وهو تفعيل من السبح الذي هو المجيء والذهاب لأن لها في اليد مجيئاً وذهاباً مأخوذ من قول الله تعالى : إن لك في النهار سبحاً طويلاً وهي إعانة للمتعبد على العبادة وكان يعقدها بيده وهي سمة من سمات أهل الخير ، وكان أبو هريرة رضي الله عنه صاحب صيام وقيام يعتقب هو وخادمه وامرأته الليل أثلاثاً يصلي هذا ثم يوقظ هذا ويسبح في اليوم ما يزيد على الألف ويقول أسبح بقدر ذنوبي ، قال الإمام الساحلي رضي الله عنه أهل الأوراد الكثيرة والأذكار المتصلة لا يمكنهم العد بالأصابع خشية الغلط  واستيلاء الشغل عليهم بالأصابع بل لا بدلهم من السبحة ، قلت : وهذه حكمتها كما قاله الشريف المقدسي رضي الله عنه روى ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه رأى النبي !  يعقد السبحة بيده  ، وروى الديلمي  في مسند الفردوس أن النبي    قال نعم المذكر السبحة . وقد قال بعض الكبار لو أمكننا التسبيح بالجبال لفعلنا ، أي بأن يجعل حبة السبحة مقدار الجبل أو نفس الجبل لما في ذلك من الأسرار التي يعلمها من مارس المجاهدة على يد الفحول الكبار . كما أنهم نصوا على أن الفقير ينبغي له إذا فرغ  من استعمال السبحة المتوسطة المناسبة في الذكر أن يجعلها في عنقه تعظيماً لها واحتراماً وتوقيراً  ، وفي منن القطب الشعراني رحمه الله ، ولقد وقعت رجلي مرة على السبحة فكدت أهلك من ذلك إكراما لها .  ولأن ذلك أعني جعلها في العنق أحفظ لها وأصون من الضياع والامتهان والتمزيق مع ما في ذلك من هضم سطوة النفس وقمعها عن الالتفات إلى التخلق بالأخلاق الظلمانية حسبما يتحققه من كابد مجاهدتها على يد أهل الحضرة الربانية الجامعين بين الشريعة والحقيقة بين الفناء والبقاء بين الصحو والسكر بين الحضور والغيبة بين المجاهدة والمشاهدة ، ودليل هذا من حيث الذوق والحال أن جعل السبحة في العنق من أصعب ما يكون وأشده على النفس وخصوصاً إن كانت غليظة من عود منظم من خيط صوف أو كناف ومن ذاق عرف ومن لم يجرب فليس بمصيب والله ثم والله يا إخواني لقد كنت أقاسي المرارة الصعبة  عند جعلها في عنقي في بدايتي من حيث الالتفات إلى النفس وأود أن لو وضعت وزن قنطار مثلا من حجر على رأسي ولا أجعل سبحة تزن نصف رطل مثلا في عنقي وكنت مهما وضعتها في عنقي بأمر مشايخي الكرام خمدت أوصاف بشريتي وهدأت نفسي عن التشوق إلى التخلق بأخلاق الأقران الحاجبة عن حضرة الملك الديان واعتراني خشوع وخضوع قهري في ظاهري وباطني إلى غير ذلك مما نحن مطالبون به من حيث القوانين الشرعية من الأوصاف النورانية المؤذنة بكمال العبودية لرب البرية وهذا هو السر والسبب في ثقل ذلك على النفس لبعده عن وطن الحرية والأنانية وشدة قربه من حضرة التواضع والتنزل والتحقق بوصف الفقر والفاقة والانطراح بين يدي الله وغير ذلك من أوصاف العبودية التي لا يتخلف عنها ويتقهقر ويتأخر عن الأسباب الموصولة إليها إلا هالك بصحبة الهالكين وتالف بصحبة التالفين وغافل بصحبة الغافلين وراض عن نفسه بصحبة الراضين عن أنفسهم . ولا يقال إن جعلها في العنق يورث الفقر حسبما ذكره بعضهم لأنا نقول : لا أصل يشهد لذلك والتجربة والواقع يشهد أن بخلاف ما هنا لك فإن عدداً من كبراء أهل النسبة قواهم الله دينهم أبداً جعلها في عنقهم بعد الفراغ من الاستعمال وقد بسط الحق تعالى عليهم من الأرزاق النية والمعنوية ما لا يحد بحد ولا يخطر ببال ولم يزدهم ذلك إلا تواضعاً وتنزلاً لله ولرسوله ولسائر العباد في الحال والمآل نعم قد يكون جعلها في العنق يورث الفقر في حق من جعلها رياء وسمعة وشبكة لنيل الدنيا وأخذ أموال الناس بالباطل وذلك مسلم بنص الكتاب والسنة بلا شك ولا مرية غير أن المعتقد في أهل النسبة أن الله تعالى طهرهم من هذه القاذورات بفضله ومجالسة أهل حضرة قدسه ونظرة مشايخهم التي هي الأكبر المعنوي الذي يقلب أعيان كل من اليهم بتوفيق الله يأوى بحيث لا تجد لابسها المنتسب إليهم إلا متحققاً بأحوالهم السنية  حالا ومقالاً أو متشبهاً بأخلاقهم النورانية المحمدية طعاماً في التحقق بها حالا أو مآلا وغير خفي أن من تشبه بقوم فهو منهم .
 ويقاس جعل السبحة في العنق عند الفراغ من استعمالها على جعل السيف فيه كذلك فإنه إذا أباح الشارع صلوات الله وسلامه عليه تعليق علية الجهاد الأصغر كالسيف في العنق وأباح تعليق الكنف بوزن حمل أي الشكارة والقراب والجراب وغير ذلك مما يستعان به في العاديات في العنق فجعل آلة  الجهاد الأكبر كالسبحة والمصحف ودلائل الخيرات ونحو ذلك فيه من باب أولى وأحرى .
وقد ذكروا أن الشيخ الدرقاوي رضي الله عنه أطلعه الله تعالى على نوع من الملائكة الكرام واقفين بين يدي الملك العلام هائمين بذكره ومشاهدته على الدوام وتسابيحهم في أعناقهم منتظمة أي انتظام فأخذ ذلك بمجامع قلبه ووقع فيه حال عظيم لما شاهده من أسرار وأنوار حضرة ربه فتمنى ذلك لأصحابه وأمرهم بجعل السبحة في العنق تشبهاً بهؤلاء الملائكة الكرام واغتناماً لما في ذلك من الفوائد العظام . ولا يهولنَّك لفظ البدعة فقد قال سيدنا عمر بن الخطاب في تراويح رمضان نعمت البدعة هذه ومدح الله أقواماً بما ابتدعوا من أمور الحق بقوله ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلى آخر الآية وكذلك مولانا رسول الله   وعد صاحب البدعة في الحق بأجر في قوله : من سن سنة حسنة ... الحديث . وذكر القاضي في المدارك ما نصه : قال بعضهم ودخلت على سحنون وفي عنقه تسبيح يسبح به ، وذكر القاضي احمد بن خلكان في وفيات الأعيان : أنه رؤي في يد الشيخ أبي القاسم الجنيد سبحة فقيل له : أنت مع شرفك تأخذ بيدك سبحة ؟ فقال : طريق وصلت به إلى ربي لا أفارقه .
ذكر أن أبا محمد صالح كان يلبس المرقعة والسبحة في عنقه ويلبس ذلك لأصحابه ما نصه ، وأما جواز التقليد بها أي السبحة فهو مأخوذ مما ورد في قوله تعالى : جعل الله الكعبة البيت الحرام  قياماً للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد وقوله : يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد قال ابن عطية : والقلائد ما كان الناس يتقلدونه أمناً لهم وذكره تعالى منه وتأكيداً ومبالغة في التنبيه على الحرمة في التقليد قال قتادة  : كان الرجل  في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد من السمر قلادة فلا يتعرض له أحد بسوء .
قال سعيد ابن جبير : جعل الله هذه الأمور للناس في الجاهلية وهم لا يرجون جنة ولا يخافون ناراً ثم شدد ذلك بالإسلام ، قلت : يتخرج لنا من تفسير هاتين الآيتين دليل واضح على جواز تمييز أهل الدين والعبادة في الطرقات والمخاوف بسيمة وعلامة يأمنون بها من أهل الشر إذاً جاز ذلك لمن قصد نجاة نفسه عادة ، فكيف بمن له عبادة ؟ قال : والتقليد بالسبحة أرجح من جعلها في اليد ولا سيما عند التوجه في الطرقات كما يفعله فقراء العرب ، ولأن العنق محل الطهارة دائماً بخلاف اليد .
وقد رأيت سبحات غليظة جداً وثبت ذلك عن أكابر العارفين ولو لم يكن إلا الشيخ الأكبر عبد السلام بن مشيش لكان كافياً فإنه حدثني من أثق به أنه رأى سبحة عظيمة جداً عند بعض الثقات من أولاد الشيخ المذكور وذكر له أنها كانت عند الشيخ إلى أن مات وإلى الآن لم تزل عندهم وذكر لي أن ركبته كانت مريضة وكان بها وجع يمنعه من المشي إلا بمشقة فأخذ تلك السبحة ووضعها عليها فلما قام وجد ركبته كأنها لم يكن بها بأس ولا وجعته أبداً . وسمعت شيخنا الإمام يقول : كانت لبعض الأشياخ سبحة عظيمة ثقيلة غاية محمولة معلقة على جرارة فكان إذا جذب الحبة الواحدة وسقطت على أخرى يسمع لها صوتاً عظيماً فقيل له في ذلك فقال : لو تأتَّى لنا أن نذكر الله بالجبال لفعلنا .
وذكر الشعراني في طبقاته الصغرى : أن سيدي أحمد الكعكي كانت له سبحة فيها ألف حبة كباراً فسرق إنسان منها سبع حبات فرأى النبي وقال له : يا أحمد فلان سرق من سبحتك سبع حبات ولك كذا وكذا يوماً تصلي علي ناقصاً عن العدد فذهب إلى ذلك الفقير فقال صدق النبي   وأخرجها له من رأسه فردها إلى السبحة قال وما رأيت سبحة أنور منها تكاد تضيء من النور من كثرة الأوراد عليها ، وبلغنا أنها كانت تدور بنفسها إذا أبطأ الشيخ عن وقت الورد فيعلم دخول الوقت  .


المصدر :
الشيخ أبو بكر البناني  –  تحفة أهل الفتوحات والأذواق   – ص – 3 – 19 .  

تأريخ النشر : 2-7-2013
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: طه الطائي      البلد: العراق       التاريخ: 05-07-2013
كيف لا نسبح لله ونعتز بالسبحة ونحن في كل ركعة بالصلاة نقول سبحان ربي العظيم وبحمده ( أي نسبح لله العظيم ونحمده ) ونسجد ونقول سبحان ربي الأعلى وبحمده .
ونكرر ذلك باليوم والليلة خلال الصلاة 17 ركعة و 34 سجدة . فالتسبيح والاعتزاز بالمسبحة هو تحويل القول بالركوع والسجود إلى فعل بعد كل صلاة فهنيئا لمن ذاق طعم التسبيح . ويكفي للمسبحة أن تذكرنا بأقوالنا وتحويلها إلى افعال


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة